غضب أوروبي من الميل الأميركي إلى تقييد التجارة: "تهديد واضح للقارة"

تقرير: مسؤولون أوربيون قلقون من سياسات بايدن ويخشون عودة ترمب

time reading iconدقائق القراءة - 12
الرئيس الأميركي (الحالي) جو بايدن يهنئ الرئيس (السابق) دونالد ترمب بعد فوزه في انتخابات الرئاسة في عام 2016. 20 يناير 2017 - REUTERS
الرئيس الأميركي (الحالي) جو بايدن يهنئ الرئيس (السابق) دونالد ترمب بعد فوزه في انتخابات الرئاسة في عام 2016. 20 يناير 2017 - REUTERS
دبي-الشرق

أبرزت صحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية، مخاوف مسؤولين أوروبيين، بشأن ميل إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن، نحو تبني سياسات حمائية -تقييدية- في التجارة، وشعورهم بالقلق من إمكانية فوز الرئيس السابق دونالد ترمب في الانتخابات المقبلة، وهو ما يعتبرونه يمثل "تهديداً واضحاً" للقارة.

وقالت الصحيفة، في تقرير نشرته، الاثنين، إن المسؤولين الأوروبيين الحريصين على تجاوز مشاكلهم التجارية مع إدارة ترمب، رحبوا بإعلان الرئيس جو بايدن عام 2021 بأن "أميركا عادت من جديد"، ولكن بدلاً من عكس السياسات الحمائية التي كان يدفعها الرئيس السابق، قام الأخير بتطوير العديد منها.

وأشارت الصحيفة إلى أن بايدن، أبقى العوائق التجارية كما هي، وترك الشركات الأوروبية خارج الإعانات المُصمَمة، لتعزيز التصنيع الأميركي، بل فاجأ الحلفاء بفرض قيود أكثر صرامة على وصول الصين إلى التكنولوجيا الأميركية.

ووفقاً للصحيفة، فإنه على الرغم من أن العديد من المسؤولين الأوروبيين يخشون تخلي ترمب، في حال فوزه في الانتخابات، عن أوكرانيا، ومنظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وبث الفوضى في التجارة العالمية، فإنهم مع ذلك، أصبحوا يعتقدون أن السياسات الاقتصادية الأميركية، لم تعد تصب في صالحهم، بغض النظر عن الفائز في المواجهة المقبلة المتوقعة بين بايدن، وترمب، ونقلت الصحيفة عن أحد الدبلوماسيين الأوروبيين قوله: "انتهى شهر العسل".

وبات الدبلوماسيون، والمسؤولون في جميع أنحاء أوروبا، يتساءلون عما إذا كان بإمكان الكتلة الاعتماد على الولايات المتحدة، لمواصلة دعم النظام التجاري القائم على القواعد، أو أنهم سيواجهون احتمال نشوب صراع اقتصادي بين الحلفاء.

وكان الاتحاد الأوروبي قد اتخذ بعض الخطوات لدعم صناعاته المحلية، لجعل من السهل على الحكومات الأوروبية التنافس مع حوافز التكنولوجيا النظيفة الأميركية، ولكن مسؤولي الاتحاد ما زالوا متمسكين إلى حد كبير بقواعد التجارة الحرة التقليدية، ويترددون في تبني النهج الأميركي الذي يقولون إنه يذكرهم بالتكتيكات التي تفضلها الصين، كما حذّر المسؤولون الأوروبيون، واشنطن، من أن تحركاتها للتنافس مع بكين، تتسبب في أضرار جانبية عبر المحيط الأطلسي.

وقال وزير التجارة الخارجية الفرنسي أوليفييه بيشت، للممثلة التجارية الأميركية كاثرين تاي، خلال زيارة لواشنطن الشهر الماضي: "علينا أن نكون حذرين في إدارة خلافاتنا التجارية".

قضايا اقتصادية تنتظر الرئيس القادم

سيتعين على الرئيس الأميركي القادم، أن يتعامل مع العديد من القضايا الاقتصادية الشائكة، للحفاظ على سلامة العلاقة بين واشنطن، وأوروبا، وذلك لأن كل قضية منها يمكن أن تثير خلافات دبلوماسية، أو تؤدي إلى فرض تعريفات جمركية، أو قيود تجارية أخرى، وهو ما سيضعف الوحدة الاقتصادية بين الولايات المتحدة، وأوروبا.

وقالت الصحيفة، إن المخاوف بشأن "العدوانية الروسية"، والقوة الاقتصادية للصين، جعلت أوروبا مترددة حتى الآن في التصدي بقوة أكبر للولايات المتحدة، التي يُنظر إليها على أنها الزعيم الأقوى في الغرب.

ولكن كبار المسؤولين في إدارة بايدن، يرفضون فكرة أن أجندتهم أحدثت صدعاً مع أوروبا، قائلين إن الحليفين متفقان، بشأن القضايا الاستراتيجية الرئيسية، ولم يرد المتحدث باسم حملة ترمب على طلب الصحيفة الحصول على تعليق.

وقال المفوض التجاري للاتحاد الأوروبي فالديس دومبروفسكيس، إن إدارة بايدن، ومسؤولي الاتحاد عملوا معاً بشكل فعَال، بما في ذلك بشأن الخلافات التجارية التي ورثها البيت الأبيض (من عهد ترمب)، لكنه أضاف أنه كان يأمل، مزيداً من المرونة من جانب واشنطن.

بايدن أعاد احتضان الناتو 

وبعد الهجمات المستمرة من قبل ترمب على الحلف الأطلسي، أعاد بايدن احتضان الناتو بعد توليه منصبه في عام 2021، ورحَب بتوسيع التحالف بعد الغزو الروسي لأوكرانيا، وأعطى التزامه بالأمن الأوروبي الأمل، لقادة القارة في أن الولايات المتحدة قد تغيرت، ولكنهم شعروا بخيبة أمل عندما أدركوا أن الرئيس الأميركي الحالي يشارك ترمب، بعض وجهات النظر في مسائل الاقتصاد الدولي، إذ ينظر بايدن، ومستشاروه للتجارة العالمية غير المقيدة، باعتبارها تهديداً للأمن القومي للولايات المتحدة، محذرين من أنها أدت إلى تفريغ القاعدة الصناعية الأميركية، وأضرت بالعمال الأميركيين وسمحت للصين بالسيطرة على الصناعات المهمة.

وكان أحد الاختبارات المبكرة لإدارة بايدن، هو كيفية التعامل مع الرسوم الجمركية، التي فرضها ترمب على الصلب، والألومنيوم من أوروبا، والتي أوقفها الرئيس الأميركي بعد توليه منصبه، ولكنه لم ينهِ الرسوم المفروضة على هذه المعادن بشكل كامل، بل فرض رسوماً أقل أخرى كلفت مصدري المعادن الأوروبيين مئات الملايين من الدولارات في العام الماضي.

وسعى القادة الأوروبيون مراراً وتكراراً إلى إقناع بايدن بإلغاء الرسوم الجمركية، وفي أكتوبر الماضي، ذهبت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، ورئيس المجلس الأوروبي تشارلز ميشيل، ومسؤولون آخرون في الاتحاد الأوروبي إلى واشنطن، لحضور قمة كانوا يأملون في التوصل خلالها لحل لهذه المسألة.

ولكن المسؤولون الأميركيون، قاموا في المحادثات التي سبقت القمة، بحث الاتحاد الأوروبي على فرض رسوم جمركية على المعادن الصينية، كجزء من الصفقة، وهي الخطوة التي يخشى بعض الأوروبيين أنها قد تنتهك قواعد منظمة التجارة العالمية.

وفي الليلة التي سبقت اجتماعات البيت الأبيض، اطلع دبلوماسيو الاتحاد الأوروبي على بيان مشترك مقترح، والذي كان نتاج المفاوضات بين الولايات المتحدة، والذراع التنفيذية للكتلة، وبعد مراجعته، قال بعض الدبلوماسيين إن البيان بدا وكأن الكتلة ستكون على استعداد، لدعم تلك التعريفات كجزء من اتفاق نهائي، وقال أحد هؤلاء الدبلوماسيين الأوروبيين: "كان رد فعل العديد من مسؤولي الدول الأعضاء هو: ما هذا بحق الجحيم؟".

ولكن البيان الختامي للقمة اكتفى بجمل بسيطة حول هذه القضية، قائلاً إن الجانبين سيواصلان الحديث بشأن المسألة، وعمل "دومبروفسكيس" لاحقاً مع وزيرة التجارة الأميركية جينا ريموندو، لمحاولة تخفيف تأثير الرسوم المتبقية، وفي ديسمبر الماضي، تم تمديد تعليق التعريفة الجمركية لمدة عامين آخرين.

وخلال القمة نفسها، حاولت الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي أيضاً، تجاوز الإحباط الناجم عن قانون بايدن، للحد من التضخم، والذي منح إعفاءات ضريبية لصناعات الطاقة النظيفة، سعياً إلى جذب الشركات، لفتح مصانع في الولايات المتحدة، وشراء المواد المحلية، ورحب الزعماء الأوروبيون بجهود أميركا في مكافحة تغير المناخ، لكنهم أعربوا عن شعورهم بالقلق من أن القانون قد يضع صناعات الطاقة النظيفة الخاصة بهم، في وضع غير مواتٍ، ويجذب أموال الاستثمار بعيداً عن الاتحاد الأوروبي.

وخلال عشاء رسمي في البيت الأبيض، بعد أشهر قليلة من توقيع بايدن على مشروع القانون، واجه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، السيناتور الديمقراطي جو مانشين، الذي وضع جزء كبير من التشريع، وقال له: "أنت تضر بلدي"، وفقاً لأشخاص مطلعين على المحادثة التي تمت بينهما.

الصين.. سيطرة على صناعة المعادن 

ويشكو الأوروبيون من الشروط المرتبطة بالائتمان الضريبي الأميركي، لشراء سيارة كهربائية جديدة، والتي تتمثل في أنه لا يمكن للأميركيين الحصول على الائتمان البالغ (7500 دولار)، ما لم يكن قد تم تجميع السيارة في الولايات المتحدة، أو المكسيك، أو كندا، كما يجب أن يشتمل جزء كبير من بطارية السيارة أيضاً على معادن، وأجزاء من الولايات المتحدة، أو أحد شركائها في التجارة الحرة، وذلك في محاولة للحد من سيطرة الصين على صناعة المعادن العالمية، ولكن أوروبا ليس لديها اتفاقية تجارة حرة مع الولايات المتحدة، وهو الأمر الذي يقول "مانشين" إنه لم يكن يعرفه عندما كتب هذا البند في القانون.

وفي أوائل العام الماضي، اشتكى المستشار الألماني أولاف شولتز، إلى "مانشين" أيضاً من أن هذا الدعم الأميركي، يضر بصناعة السيارات الألمانية، وهو ما رفضه النائب الأميركي.

وأطلقت إدارة بايدن، محادثات العام الماضي، للتوصل إلى اتفاق تجاري جديد بشأن المعادن، والذي قد يعزز موقف منتجي البطاريات الأوروبيين، ولكن هذه المحادثات تعثرت منذ ذلك الحين، فيما يقول مسؤولو إدارة بايدن، إنها ساعدت في تهدئة المخاوف الأوروبية، بشأن قانون الحد من التضخم.

ومن المقرر أن يجتمع مسؤولون من الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، الثلاثاء، في واشنطن، لحضور اجتماع لمجلس التجارة والتكنولوجيا، وهو منتدى بدأ خلال إدارة بايدن، لمساعدة الحلفاء على التنسيق بشأن القضايا التجارية، والاقتصادية، والتكنولوجية، ونقلت الصحيفة عن مسؤول في الاتحاد الأوروبي قوله إنه يُخَطَّط لمناقشة التكنولوجيا النظيفة، والذكاء الاصطناعي، من بين موضوعات أخرى، لكن من غير المتوقع اتخاذ أي إجراء.

مساومات بين أوروبا والولايات المتحدة

وقالت "وول ستريت جورنال" إنه كانت هناك مساومات بين أوروبا، والولايات المتحدة (خلال إدارتي ترمب، وبايدن)، وقادة العالم حول وضع قواعد دولية لمنع التهرب الضريبي، مشيرة إلى أنه من أجل فرض الحد الأدنى من الضرائب على الشركات متعددة الجنسيات، فإنه يمكن للدول الأوروبية أن تفرض رسوماً جديدة على الشركات الأميركية، فيما يهدد الجمهوريون في الكونجرس بفرض ضرائب على الشركات الأوروبية رداً على ذلك.

ونقلت الصحيفة عن النائب الجمهوري رون إستس قوله: "إذا سلكوا هذا الطريق، فإن ذلك سيفتح صندوق باندورا (صندوق الشر المطلق الذي أخرج كل شرور البشرية للعالم وفقاً لإحدى الأساطير الإغريقية)"، وكان "إستس"، سافر، ومشرعون جمهوريون إلى باريس في سبتمبر الماضي، لتحذير وزير المالية الفرنسي برونو لومير، من تنفيذ الصفقة، ولكن الأخير غير موعد الاجتماع، ثم قال إنه لن يستطيع مقابلة المجموعة، وفقاً لأشخاص مطلعين، وقالت متحدثة باسم الوزير الفرنسي إنه كان خارج البلاد، وإن مشرعي الحزب الجمهوري التقوا فريقه.

ويهدد الأوروبيون بأنهم في حال انهارت الصفقة الضريبية، سيفرضون ضرائب جديدة على الخدمات الرقمية في شركات التكنولوجيا الأميركية، مقابل العمل الذي تقوم به في الاتحاد الأوروبي، وهي الضريبة التي تثير غضب مسؤولي الولايات المتحدة، ولكن العضو الهولندي في البرلمان الأوروبي بول تانج، والذي يرأس لجنة الضرائب يقول: "يجب أن يكون لدينا تهديد حقيقي على الطاولة".

وخلال حملته الانتخابية، طرح ترمب فرض تعريفة بنسبة 10% على جميع الواردات، وقالت كريستين لاجارد، رئيسة البنك المركزي الأوروبي، في مقابلة مع قناة تلفزيونية فرنسية، إن إعادة انتخاب الرئيس الأميركي السابق تمثل "تهديداً واضحاً" لأوروبا، مشيرة إلى الرسوم الجمركية، وهجماته السابقة على حلف الناتو. 

مخاوف تخلي واشنطن عن أوكرانيا

وقال المسؤول التجاري السابق في الاتحاد الأوروبي باسكال لامي، والذي قاد منظمة التجارة العالمية في الفترة بين عامي 2005، و2013، إنه على الرغم من أن إدارة بايدن تبنت سياسات حمائية، فإنها تشترك مع الاتحاد الأوروبي في الاهتمام بمعالجة أزمة تغير المناخ، على عكس ترمب الذي هدد بإلغاء أجندة الرئيس الأميركي للمناخ، كما عملت إدارة بايدن بشكل وثيق مع الاتحاد الأوروبي، بشأن العقوبات الروسية بعد غزو أوكرانيا، وساعدت الشركات الأميركية في إيصال الغاز الطبيعي المُسال إلى أوروبا، عندما واجهت أزمة طاقة بسبب موسكو.

ويقول العديد من الأوروبيين إن أكثر ما يخشونه من فكرة فوز ترمب في الانتخابات، احتمال تخلي الولايات المتحدة عن أوكرانيا، وهو ما قد يؤدي إلى وصول القوات الروسية إلى أبوابهم. 

وحذر إريك براتبيرج، من المجلس الأطلسي، وهو مركز أبحاث في واشنطن من أن "انهيار العلاقات عبر الأطلسي سيجعل العالم أكثر انقساماً، ويعزز التحدي الاستبدادي الذي نشهده من روسيا، وبشكل متزايد، من الصين للنظام العالمي القائم على القواعد"، بحسب ما نقلت الصحيفة.

تصنيفات

قصص قد تهمك