انتخابات جنوب إفريقيا.. إسرائيل تراقب دون أمل في تراجع دعم فلسطين

حزب نيلسون مانديلا يواجه صعوبات انتخابية عقب تعثر غير مسبوق

time reading iconدقائق القراءة - 11
رئيس جنوب إفريقيا سيريل رامافوزا خلال مؤتمر صحافي أعلن خلاله التضامن مع الفلسطينيين في قطاع غزة. أكتوبر 2023 - Twitter/ @PresidencyZA
رئيس جنوب إفريقيا سيريل رامافوزا خلال مؤتمر صحافي أعلن خلاله التضامن مع الفلسطينيين في قطاع غزة. أكتوبر 2023 - Twitter/ @PresidencyZA
دبي -رامي زين الدين

يتجه حزب المؤتمر الوطني الإفريقي الحاكم في جنوب إفريقيا إلى خسارة الأغلبية البرلمانية التي ظل يتمتع بها طوال 30 عاماً، إذ أظهرت المراحل الأخيرة من عمليات الفرز في الانتخابات العامة حصوله على 40% فقط من أصوات الناخبين، ما يُمثل تراجعاً عن نسبة 57.5% في انتخابات عام 2019.

وفي ضوء فقدانه الأغلبية المطلقة، سيحتاج الحزب، الذي كان يتزعمه قائد التحرر الأيقوني نيلسون مانديلا، لمشاركة السلطة مع حزب منافس من أجل البقاء في الحكم، إذ تراجعت شعبية الحزب، وازدادت انتقادات الشارع له في السنوات الأخيرة، بسبب سوء الخدمات الحكومية، وتفشي الفقر، والبطالة، والجريمة.

وأثار هذا التطور على المشهد السياسي في جنوب إفريقيا، تساؤلات بشأن موقف البلاد من الحرب على غزة، لا سيما أن الحكومة قادت حملة دولية لمحاسبة الحكومة الإسرائيلية وملاحقة رموزها في محكمة العدل الدولية بتهمة "ارتكاب إبادة جماعية" بحق الفلسطينيين.

تعاطف تاريخي وتباين المواقف

يعود تعاطف جنوب إفريقيا مع الفلسطينيين إلى أيام رمز مكافحة الفصل العنصري الراحل نيلسون مانديلا، الذي قال في عام 1997 بعد 3 سنوات من توليه منصب أول رئيس منتخب ديمقراطياً في البلاد التي عانت حكم الأقلية البيضاء: "نحن نعلم جيداً أن حريتنا غير مكتملة بدون حرية الفلسطينيين".

وحافظت الحكومات المتلاحقة في جنوب إفريقيا على الموقف نفسه، ولطالما تعهّد الرئيس سيريل رامافوزا المصمم على البقاء لولاية أخيرة مدتها 5 سنوات، باستمرار تضامن حزب المؤتمر الوطني الإفريقي مع الفلسطينيين، موضحاً أن "تاريخهم يحمل أصداء الفصل العنصري".

ورغم إدانته لهجوم حركة "حماس" في 7 أكتوبر، إلا أنه بعد أسبوع فقط من الرد الإسرائيلي العنيف على قطاع غزة، قاد رامافوزا 60 من قادة الحزب، وهم يلوحون بالأعلام الفلسطينية، بينما كانوا يرتدون الكوفية الفلسطينية التقليدية، وقال آنذاك إن "الفلسطينيين أناس يعيشون تحت الاحتلال منذ ما يقرب من 75 عاماً.. لقد كانوا ينتظرون ويشنون حرباً ضد الحكومة التي يطلق عليها اسم دولة الفصل العنصري. لقد تعهدنا دائماً بتضامننا معهم، وأصرينا دائماً على أن الحل الوحيد، خاصة فيما يتعلق بقضايا فلسطين، هو حل الدولتين".

الموقف الرسمي المؤيد للقضية الفلسطينية في جنوب إفريقيا، شهد معارضة محدودة من بعض التيارات السياسية والاجتماعية، ولا سيما مجلس النواب اليهودي، والاتحاد الصهيوني في البلاد، إلى جانب حزب التحالف الديمقراطي DA، والذي يعد أكبر حزب معارض في جنوب إفريقيا.

وحسبما نقلت وكالة "أسوشيتد برس" الأميركية، فإن بعض الإذاعات المحلية، عمدت في ضوء اختلاف وجهات النظر والشحن العاطفي لدى الجانبين، إلى الحد من وقت البث المخصص لتلقي المكالمات الهاتفية من المستمعين الحريصين على مناقشة الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة.

وفي مقابل المسيرات الكبيرة المؤيدة للفلسطينيين في أنحاء جنوب إفريقيا، خرجت  احتجاجات صغيرة مؤيدة لإسرائيل في جوهانسبرج وكيب تاون.

كما شهد حزب المؤتمر الوطني الإفريقي الحاكم بعض الأصوات المعارضة داخل صفوفه، إذ استقالت المسؤولة في الحزب والمتحدثة باسمه جابرييلا فاربر في  19 أكتوبر الماضي، متهمة الحزب بـ"دعم حماس".

وفي منشور على عبر منصة "إكس"، أعلنت خلالها الاستقالة، قالت فاربر "لقد أصبح من الواضح بالنسبة لي ألا مكان ليهودية فخورة في حزب المؤتمر مهما حاولت".

وأضافت "لقد استغرق الأمر 9 أيام من المؤتمر الوطني الإفريقي، حتى أدان حماس بسبب الفظائع التي ارتكبتها ضد الشعب اليهودي. وعندما أدان الحزب حماس ذكر في الجملة التالية، أن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية".

كما أثار موقف حكومة رامافوزا، انتقادات لاذعة من وارن جولدستين، الحاخام الرئيسي لاتحاد المعابد الأرثوذكسية في جنوب إفريقيا، قائلاً أمام حشد من الاتحاد الصهيوني في جنوب إفريقيا "أريد أن أقول للرئيس، وأريد أن أقول لحزب المؤتمر الوطني الأفريقي، أنتم لستم جنوب إفريقيا".

وأضاف "هذا الرئيس وحزبه، وهذه الحكومة يدعمون وحشية شريرة صدمت قلوب كل البشر المحترمين في العالم. كيف يجرؤون؟".

لكن الجالية اليهودية في جنوب إفريقيا، التي يعتقد أن عددها حوالي 65 ألفاً، ليست موحدة في إدانتها لدعم الحكومة للفلسطينيين.

"تراجع غير مؤثر"

كوفي كواكو  محلل الشؤون الإفريقية والباحث في مركز الدراسات الصينية الإفريقية بجامعة جوهانسبرج، أكد في تصريحات لـ"الشرق"، أن حزب المؤتمر الوطني "رغم وجود شرائح في المدن والمقاطعات الكبرى غير راضية تماماً عن أدائه، لكنه لا يزال يتمتع بقبضة قوية، ويحظى بتأييد الكثير من الناس في المناطق الريفية، وبإمكانه استثمار موقفه الداعم لفلسطين في حشد أصوات المسلمين في البلاد".

وأضاف: "خسارة الحزب الحاكم للأغلبية، ستفرض عليه تشكيل ائتلاف، لكن ليس لهذا الأمر تأثير حقيقي على اقتياد جنوب إفريقيا لإسرائيل أمام محكمة العدل الدولية في لاهاي، لأن هذا أمر حاسم، إنه موجود بالفعل في كتب القانون، والكثيرون في جنوب إفريقيا غير راضين عما يحدث في غزة. لذلك لن يتغير موقف الحكومة بسهولة. 

وفي حديثه لـ"الشرق"، أوضح كواكو، أن "الناس في جنوب إفريقيا مهتمون بقضايا حقوق الإنسان، ومنذ أيام الزعيم الراحل نيلسون مانديلا، يرتبط شعبنا بشدة مع الفلسطينيين ويتعاطف معهم. وكان مانديلا يقول دائماً إن جنوب إفريقيا لن تكون حرة أبداً إذا لم يكن الفلسطينيون أحراراً، ولذلك هذا الموقف راسخ في وجدان المواطنين، وخاصة ذوي البشرة السمراء، وهناك أيضاً جزءاً صغيراً من الليبراليين والبيض يؤمنون بتلك الحرية التي حددتها جنوب إفريقيا ضمن مبادئ حقوق الإنسان".

واعتبر  أنه "سيكون من الصعب على أي شخص تغيير سياسة جنوب إفريقيا تجاه الصراع الإسرائيلي الفلسطيني".

ترقب إسرائيلي

وأضاف الباحث المتخصص بالشؤون الإفريقية: "الإسرائيليون يراقبون ما يجري في جنوب إفريقيا ويولون اهتماماً وثيقاً، لأنهم يدركون بوضوح أن لديها قيادة أخلاقية تقف ضدهم، وتضر بمصالحهم في كافة أنحاء العالم، وتكشف جرائم الإبادة في غزة والضفة الغربية، ولذلك قد تحاول إسرائيل إيجاد طريقة لمحاولة الانتقام من جنوب إفريقيا".

ولفت كواكو، إلى أن هناك مجتمعاً كبيراً من اليهود يعيش في جنوب إفريقيا، مشيراً إلى أن بعضهم يذهبون للقتال إلى جانب إسرائيل، وقد "حذّرتهم الحكومة من أنهم ربما يواجهون مساءلة قانونية واتهامات بالإبادة الجماعية عندما يعودون إلى وطنهم".

وأوضح أن بعض الإسرائيليين لديهم استثمارات في جنوب إفريقيا، ومن ضمنهم "صهاينة يدعمون إسرائيل بشدة، ويؤيدون بقوة عدداً من الأحزاب السياسية في جنوب إفريقيا"، على غرار "التحالف الديمقراطي"، و"الحزب الديمقراطي المسيحي الإفريقي"، وأحياناً أيضاً حزب الحرية "إنكاتا".

الباحث المتخصص بالشأن الإسرائيلي، علي واكد، أشار في حديثه لـ"الشرق"، إلى أنه "لا يجب المبالغة في تقدير مدى اهتمام ومتابعة إسرائيل للانتخابات العامة في جنوب إفريقيا"، وأضاف "عادت جنوب إفريقيا إلى الواجهة بالنسبة لإسرائيل، بسبب حملها راية الدفاع عن الفلسطينيين في المحافل الدولية خلال الأشهر الأخيرة، وخاصة أمام محكمة العدل الدولية".

ويعتقد واكد، أن المؤسسة الرسمية الإسرائيلية "لن تولي اهتماماً بمراقبة الانتخابات في جنوب إفريقيا، وذلك لإدراكها أن فقدان حزب المؤتمر الوطني للأغلبية لن يجعله خارج السلطة، لا سيما أن تراجع شعبية الحزب لا علاقة له بسياسته الخارجية وموقفه من إسرائيل"، لكنه لفت في الوقت نفسه إلى أن "الإعلام الإسرائيلي لم يُخفِ شماتته من فقدان حزب المؤتمر الوطني الأغلبية بالتزامن مع  الحملة القضائية الدولية التي تقودها جنوب إفريقيا ضد إسرائيل".

وأشار واكد، إلى أن علاقة إسرائيل مع جنوب إفريقيا "متضاربة منذ عقود"، وذلك يعود من ناحية إلى تعامل إسرائيل مع نظام الفصل العنصري الذي كان حاكماً في جنوب إفريقيا حتى تسعينيات القرن الماضي، لكن من ناحية أخرى "هناك يهود وإسرائيليون كثر ساندوا حزب المؤتمر الوطني ونضال الأغلبية السمراء في جنوب إفريقيا من أجل التحرر والمساواة والتخلص من نظام الفصل العنصري".

وعلى حد وصف واكد، فإن إسرائيل "كانت تأمل أن تكون علاقتها أفضل مع جنوب إفريقيا"، لكن من الواضح أنه "طالما لم تتوصل إلى حل مع الفلسطينيين ستبقى الأجواء متوترة بين البلدين"، إضافة إلى بقاء حزب المؤتمر الوطني في السلطة.

ارتباط شعبي بالقضية الفلسطينية

الأجواء السياسية في جنوب إفريقيا تغيرت بشكل كبير عما كانت عليه عام 1994، حسبما أوضح بول نانتوليا، الباحث في الشؤون الإفريقية بجامعة الدفاع الوطني الأميركية، في تصريحاته لـ"الشرق"، حيث كانت الأحزاب 16 فقط، وأبرزها حزب المؤتمر الوطني الإفريقي، والحزب الوطني، وهما مهندسا (حقبة) القضاء على نظام الفصل العنصري. وقد فاز الأول بأغلبية ساحقة في انتخابات 1999.

أما الانتخابات الحالية، فيشارك فيها، وفقاً لنانتوليا، 52 حزباً، والعديد منها، أسسها أشخاص أُصيبوا بخيبة أمل عميقة من حزب المؤتمر الوطني الإفريقي، إذ ارتفعت نسبة البطالة بدرجة كبيرة خلال السنوات الأخيرة، إضافة إلى العديد من المآخذ الأخرى.

وتابع "هناك الكثير من الإخفاقات السياسية، كالفساد والنهب المستشريان داخل المؤتمر الوطني الإفريقي، كما أن هناك شعوراً بأن الحزب ضل طريقه نوعاً ما. ولم يعد الحزب الموقر والمستقيم أخلاقياً، الذي كان يتمتع بهذه السمعة الطيبة في عهد مانديلا".

وأكد نانتوليا، أن مواطني جنوب إفريقيا "مرتبطون بالقضية الفلسطينية أكثر من أي دولة إفريقية أخرى، ذلك أن قضيتها ومحنتها متجذرة بعمق الخطاب السياسي والاجتماعي، ليس لدى حزب المؤتمر الوطني فحسب، بل أيضاً لدى المجتمع المدني والمنظمات الإنسانية والدينية، ويمكنني القول إن مواطني جنوب إفريقيا، بغض النظر عما إذا كانوا من البيض أو السود أو الهنود أو الملونين، يقفون خلف فلسطين بالكامل".

وأضاف: "العديد من قادة وكوادر حزب المؤتمر الوطني الإفريقي، وعلى رأسهم نيلسون مانديلا كانت تربطهم علاقة وثيقة جداً بالزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات وقيادات آخرين مثل كبير المفاوضين الراحل صائب عريقات، وحنان عشراوي".

وعن التيارات السياسية في جنوب إفريقيا المعارضة لموقف الحكومة من إسرائيل، أوضح نانتوليا أن "معظم أحزاب المعارضة في جنوب إفريقيا لا تتفق مع موقف الحكومة المناهض لإسرائيل"، مشيراً إلى أن أبرزها هو التحالف الديمقراطي الذي "يهيمن عليه البيض".

وتابع "إذا فاز مثلاً التحالف الديمقراطي بالانتخابات، فمن الواضح أن إسرائيل ستعتبر ذلك أمراً إيجابياً، لكن هذا لن يحصل، وحتى لو تراجع حزب المؤتمر الوطني الإفريقي إلى أقل من 50%، سيظل مهيمناً، وقادراً على بناء ائتلاف حاكم مستقر". 

تصنيفات

قصص قد تهمك