
في مدينة المعلا بمحافظة عدن جنوبي اليمن، أُقيمت قبل أكثر من 100عام مدرسة خاصة بالجالية الصومالية، وعلى مقربة منها مقهى شعبي، يُطلق عليه السكان "مقهاية الصومال". و في الحي ذاته، "مسجد عتيق يعود تاريخ تشييده إلى القرن الثامن عشر بحسب النقوش، يطلق عليه أيضاً "مسجد الصومال". غير أن هذه التسميات الخاصة لم تمنع أبناء الجالية الصومالية من الانخراط في الحياة العامة والمساهمة في نهضة مدينة عدن، التي ارتبط نشاطها الاقتصادي بالميناء الواقع على بموقع استراتيجي هام على ممر مضيق باب المندب.
يقول رئيس الجالية الصومالية في عدن، أحمد يوسف، لـ"الشرق"، إن أبناءهه أسهموا بفاعلية في عملية التنمية والبناء، وتبوأ كثير من أبنائها مناصب قيادية، فكان منهم السفراء والوزراء والمدراء، وكثير من التجار من أصول صومالية أسهموا في نهضة الحياة التجارية والثقافية لمدينة عدن وبقية مدن الجنوب الساحلية منها تحديداً".
ولفت إلى أسماء بيوت عريقة لتجار من الصومال، غادر أكثرهم بعد خروج الاستعمار البريطاني "نتيجة تطبيق الحزب الاشتراكي الذي حكم الجنوب لاحقاً، لقانون التأمين".
لكن هذا المشهد تقابله في الواقع أوضاع صعبة يعيشها اللاجئون والمهاجرون الصوماليون في اليمن.
مخيمات عتيقة
وبحسب السلطات المحلية ودائرة الهجرة "يقيم على الأراضي اليمنية أكثر من مليون ومئتي ألف لاجئ صومالي في مخيمات مر على إقامة بعضها أكثر من 16عاماً"، كمخيمي خرز في محافظة لحج ومخيم دار سعد شمال مدينة عدن.
كما تتوزع عدد من المخيمات الصغيرة للاجئين الصومال في عدد من المدن جنوب اليمن، بينها مخيم الصومال في محافظة الضالع ومخيم زنجبار في محافظة أبين، بالإضافة إلى مخيم (أحور ) على ساحل البحر العربي، الذي تديره منظمات تابعة للأمم المتحدة أيضاً وهو المخيم الرئيس، الذي يتم فيه استقبال المهاجرين الأفارقة القادمين إلى اليمن عبر القوارب.
ولا يتلقى جميع سكان المخيمات مساعدات من الأمم المتحدة ورعاية منظمة الهجرة الدولية، التي تقول إنه لا يمكنها الإحاطة بالأعداد الكبيرة للمهاجرين الذين يصلون تباعاً وبشكل يومي إلى السواحل اليمنية. ويرفض غالبهم البقاء في المخيمات والالتزام بالتعليمات ويفضلون العيش خارجها، بحثاً عن أعمال لا تتراوح في الغالب بين غسيل السيارات وحمل البضائع وأمتعة المسافرين، فيما النساء يعملن في البيوت ويحظين غالباً بثقة السكان.
وقدم اللاجئون الصوماليون باتجاه اليمن على فترات متلاحقة، هرباً من جحيم الحرب الأهلية التي اندلعت في الصومال بين العامين 1988و1990، في محاولة الفصائل الصومالية حينها الإطاحة بنظام الرئيس محمد سياد برّي. وكانت كل من اليمن وجيبوتي المجاورتين قبلة النازحين الصوماليين، الذين نزحوا إليهما على دفعات متلاحقة، ليصل عددهم في عام 2010 بحسب دائرة الهجرة اليمنية، إلى مليون ومئتي لاجئ، سمحت اليمن بدخولهم إليها في عهد الرئيس الراحل علي عبد الله صالح.
"تمييز وإقصاء"
تحكي أم فيصل لـ"الشرق"، ما أنتجته "معاناتها مع دائرة الهجرة اليمنية لأكثر من 40 عاماً". تقول أم فيصل إن أباها ولد في عدن قبل نحو 100 عام. وعلى الرغم من أنها ولدت أيضاً في اليمن وأمضت 60 عاماًفي البلاد، لم تستطع الحصول على الجنسية اليمنية، وما تزال هي وأولادها الثلاثة يدفعون رسوماً سنوية مقابل الإقامة.
تتحدث أم فيصل عن "تمييز وإقصاء" تعتقد أنه مورس على البعض من أبناء الجاليات الإفريقية، خصوصاً من قبل قبائل شمال اليمن، موضحة أن أبناء الجالية الصومالية، "لا حق لهم في العمل والتجنيس".
وتضيف: "تعلمنا في عدن، وفيها ذكرياتنا وأحلامنا وحياتنا كلها. قاسمنا أهلها دورات الحرب والصراعات، وفرحنا معهم وحزناً لما يسوؤهم. ونعتقد أن الحصول على الجنسية حق شرعي، كما هو الشأن في مختلف بلدان العالم".
وتشير أم فيصل إلى أن عدم حصولها على الجنسية "أعاق مستقبل أولادي لأنهم لا يستطيعون الالتحاق بالجامعة، حيث يعاملون على أنهم طلاب أجانب وينبغي عليهم دفع مبالغ طائلة، بالتأكيد هي خارج مقدرتنا".
لاجئون في أرض النزاع
ويواجه مئات الآلاف من اللاجئين الصوماليين الجدد في اليمن، ممن شردتهم الحرب الأهلية في بلادهم ودفعت بهم إلى أتون حرب موازية في بلد اللجوء، ظروفاً قاسية، إذ يعيشون ظروفاً صعبة في مخيمات تفتقر إلى أبسط الخدمات الضرورية.
وعلى الرغم من الواقع البائس، إلا أن قوارب الموت ما زالت تنقل يومياً عشرات من المهاجرين غير الشرعيين عبر البحر إلى سواحل شبوة وأبين.




