
بعد إعلان الرئيس الأميركي إصابته وزوجته بفيروس كورونا، كشفت صحيفة نيويورك تايمز "كم كان الفيروس قريباً" من دونالد ترمب طوال الفترة الماضية، حتى قبل إصابة مستشارته هوب هيكس التي حفّزته عداوها لإجراء الاختبار.
وأفادت الصحيفة الأميركية بأن "جهاز الخدمة السرية" المسؤول عن أمن ترمب، عانى تفشي الفيروس في منشأة تدريب خلال أغسطس الماضي، ما يعدّ "دليلاً على مدى قرب الفيروس من الرئيس" في الأسابيع السابقة لإصابته.
ويستند هذا الافتراض إلى أن هذا الجهاز - وهو وكالة تابعة لوزارة الأمن الداخلي - مكلف مهمة حماية الرئيس، ونائبه، وأسرتيهما، والعديد من المقرات الرسمية مثل البيت الأبيض.
ووفق الصحيفة، ثبتت إصابة ما لا يقل عن 11 موظفاً في مركز التدريب الواقع في ريف ماريلاند، حتى بعد إغلاقه لأشهر للتخفيف من انتقال العدوى. ويُعتقد أن بعض هؤلاء الموظفين أصيبوا بالفيروس أثناء التدريبات أو خلال احتفال التخرج في فندق قريب، حيث لم يراعِ المشاركون التباعد الاجتماعي.
ولفتت الصحيفة إلى أن الوكالة رفضت مناقشة تفاصيل التفشي، لكنها أكدت في بيان أنها "اتخذت احتياطات كبيرة في مركزها التدريبي لحماية صحة المتدربين والموظفين ورفاههم".
وأوضحت "نيويورك تايمز" أن تفاصيل التفشي كشفها "مشروع الرقابة الحكومية"، وهي مجموعة مراقبة مستقلة في واشنطن، ثم نقلتها بدورها إلى "مسؤولين مطلعين" أكدوا تلك المعلومات شرط عدم الكشف عن هوياتهم "لأنهم يناقشون الأمور الحساسة للموظفين".
من الإنكار حتى الإصابة
وعلى الرغم من قرب كورونا من ترمب، تمسك الرئيس الأميركي بالتقليل من أهمية الفيروس منذ بدء تفشيه مطلع العام الجاري 2020، وتبدّلت مواقفه منه مراراً.
ومع بدء انتشار كورونا عالمياً إثر تسرّبه من الصين، أنكر ترمب الفيروس، واصفاً إياه بـ"مجرد إنفلونزا" كما أنكر وجود أي مخاطر على بلاده، قبل أن تتسارع وتيرة الحالات الإيجابية وتتصدر الولايات المتحدة الترتيب العالمي لنسبة الوفيات والإصابات طوال شهور حتى اليوم.
ودعا ترمب إلى إعادة إطلاق الأنشطة الاقتصادية في بلاده مبكراً، متحدياً حكام الولايات الذين تمسكوا بالإغلاق التام لمكافحة تفشي الوباء. وقدّرت دراسة أميركية نُشرت في مايو الماضي، أن عدد الوفيات بسبب الفيروس كان ليكون أقل بنحو 36 ألف شخص لو فرضت الولايات المتحدة الإغلاق قبل أسبوع من الموعد الذي بدأ فيه في مارس.
وخلال الإغلاق العالمي، أطل ترمب يومياً في مؤتمرات صحافية للإحاطة بالوضع الوبائي، حصلت على نسب "مشاهدة تاريخية"، وفق قوله. لكنها لم تخلُ من تصريحات أثارت الجدل داخلياً وعالمياً، خصوصاً لناحية استهتار الرئيس بخطورة الفيروس وتوظيفه في الحرب الإعلامية على الصين بوصفه "الفيروس الصيني".
وفي أحد هذه المؤتمرات، قال ترمب إن "المطهرات تقضي على الفيروس في دقيقة واحدة، ويمكننا أن نفعل شيئاً كهذا، من خلال حقنها في جسم المريض أو استخدامها في تطهيره من الداخل"، لتنهال عليه السخرية الإعلامية، وتُسارع شركات إنتاج المطهرات إلى التحذير من تناولها أو حقنها.
وكرر ترمب مراراً أن الفيروس "سيختفي"، مرتكزاً على نظرية "مناعة القطيع". وظل متمسكاً بها حتى وقت قريب، إذ قال في إحدى مقابلاته التلفزيونية مع "فوكس نيوز" في الـ20 من يوليو الماضي إن "الفيروس سيزول، قلتُ ذلك (سابقاً) وأكرره، وسأكون على حقّ في النهاية".
وخلال المقابلة نفسها، أبدى ترمب استهتاره بقدرة الكمامة على الحماية، إذ قال: "لا أوافق مَن يزعمون أنّ كل شيء سيختفي إذا وضعنا الكمامات". واستغرقه الأمر حتّى يوليو قبل الاقتناع بارتداء القناع الطبي، وذلك حين زار مستشفى عسكرياً في واشنطن، ما يعدّ اختراقاً أوّلَ وأخيراً في إطلالاته العلنية، مرتدياً كمامة سوداء.
ودأب ترمب على التصرف وكأن الفيروس "غير موجود"، إذ أقيم مؤتمر الحزب الجمهوري بين الـ24 والـ27 من أغسطس بمشاركة جمهور عريض، ومن دون التزام معايير السلامة، خلافاً لمؤتمر الحزب الديمقراطي الذي عُقد افتراضياً؛ فضلاً عن تجمعات انتخابية أخرى لترمب عُقدت بشكل طبيعي.
ومع تزايد الانتقادات لإخلال رئيس دولة عظمى بأبسط قواعد الحماية، أقر ترمب بفاعلية الكمامة والتباعد الاجتماعي، قائلاً للصحافيين: "لا أحب قول ذلك لكن هذه هي الحقيقة. سواء أعجبتكم الكمامة أم لا، سيكون لها تأثير، ونحن بحاجة إلى كلّ ما يمكننا الحصول عليه"، قبل أن يعلن أن ارتداءها يعدّ "عملاً وطنياً"، مطالباً الأميركيين بوضعها عند تعذّر التباعد الاجتماعي.
وعلى الرغم من هذا الاعتراف، واصل ترمب تصريحاته المثيرة للجدل بشأن الوباء، إذ أعلن في الـ24 من أغسطس الماضي، التوصل إلى "اختراق تاريخي" يتمثل في اعتماد "منظمة الغذاء والدواء" الأميركية، استخدام بلازما المتعافين لعلاج المصابين بالفيروس.
لكن هذا الإعلان أثار الجدل بين الخبراء حول مدى فاعليته، وبعضهم حذّر من آثاره الجانبية، متّهمين الرئيس بالاستعجال والضغط لإيجاد لقاحات وعلاجات غير مضمونة قبل الانتخابات المقررة في الـ3 من نوفمبر المقبل. ودفع الأمر بالشركات الأميركية العاملة على تطوير اللقاح المحتمل، إلى التعهد بعدم إطلاق منتجاتها قبل التأكد من أمنها وفاعليتها.
"كان يعلم"
في الـ10 من سبتمبر الماضي، هزّت الأوساطَ الأميركية والعالمية تسجيلاتٌ صوتية لمقتطفات من مقابلة أجراها الصحافي المخضرم بوب وودورد مع ترمب، أقرّ فيها الرئيس بأنه حاول التقليل من مدى خطورة كورونا من أجل تجنيب الأميركيين "الهلع".
وفي المقابلة التي يعود تاريخها إلى الـ19 من مارس، أي في صلب تحوّل الولايات المتحدة إلى بؤرة الوباء العالمية، قال ترمب: "أردتُ التقليل من مدى خطورته (الفيروس)، ولا أزال أرغب في ذلك، لأنني لا أريد خلق الذعر".
وربما يدخل في هذا السياق، وفي السباق الانتخابي، إعلانُ ترمب أخيراً توقعه إتاحة لقاح فعال "خلال أسابيع"، وهو ما يتعارض مع تصريحات أبرز مسؤولي الصحة في الولايات المتحدة.
ترمب والتضليل
وأتى تقريرٌ اليوم ليزيد وقع الاتهامات الموجَّهة لترمب بالتضليل، إذ أظهرت دراسة من جامعة "كورنيل" الأميركية أن الرئيس الأميركي كان المحرك الأكبر في العالم للمعلومات المضللة أثناء الوباء.
ومن خلال تقييم 38 مليون مقال نشرتها وسائل إعلام تقليدية ناطقة بالإنكليزية في كافة أنحاء العالم بين الأول من يناير والـ26 من مايو، حدد الفريق الذي شارك في إعداد الدراسة 522472 مقالاً نقل أو ضخّم معلومات خاطئة مرتبطة بالوباء.
وكان الموضوع الأكثر شيوعاً "العلاجات المعجِزة" الذي ظهر في 295351 مقالاً، أي أكثر من النصف. ووجد الباحثون أن تعليقات ترمب تسببت بزيادة هائلة في انتشار هذه العلاجات المزعومة.
الحجر "معاً"
في غضون ذلك، يخضع ترمب وزوجته ميلانيا للحجر الصحي داخل البيت الأبيض، وفق ما أعلن الرئيس، إذ كتب على "تويتر" الجمعة: "ثبُتت إصابتي والسيدة الأولى بكوفيد-19 (كورونا) وسنبدأ فترة الحجر الصحي على الفور. سوف نتجاوز هذا... معاً!".
ويأتي تركيز ترمب على التعاضد مع زوجته بعد عاصفة انتقادات طاولت إطلالتهما "الفاترة" عقب المناظرة الانتخابية الأولى ضد المرشح الديمقراطي جو بايدن، الذي ظهر وزوجته متناغمين.
وأكد الطبيب الشخصي للرئيس الأميركي، شون كونلي، أن ترمب سيستطيع أداء مهامه بغض النظر عن إصابته.




