تغير المناخ يضع سدود المغرب بين مطرقة الجفاف وسندان الأمطار | الشرق للأخبار

تغير المناخ يضع سدود المغرب بين مطرقة الجفاف وسندان الأمطار

time reading iconدقائق القراءة - 8
جانب من جهود احتواء تأثير الفيضانات بالمغرب. 31 يناير 2026 - Reuters
جانب من جهود احتواء تأثير الفيضانات بالمغرب. 31 يناير 2026 - Reuters
الرباط -

على مدى عقود اعتمد المغرب على سياسة بناء السدود؛ لضمان أمنه المائي، ومواجهة التقلبات المناخية في ظل مناخ شبه جاف، ما مكّنه من التحكم في موارده المائية، والحد من آثار الفيضانات لسنوات طويلة.

غير أن موجة التساقطات الاستثنائية التي شهدتها المملكة المغربية، مؤخراً، أعادت طرح تساؤلات حول قدرة السدود على الصمود أمام الظواهر المناخية المتطرفة، بعدما تحول سد وادي المخازن، قرب مدينة القصر الكبير في شمال غرب البلاد، من عنصر حماية إلى مصدر قلق، مع بلوغه نسب ملء غير مسبوقة، اضطرت معها السلطات إلى إخلاء المدينة خشية حدوث فيضانات مدمرة.

وأظهرت البيانات الرسمية أن هطول الأمطار هذا الشتاء كان أعلى 35% من المتوسط المسجل منذ التسعينيات، وثلاثة أمثال العام الماضي.

إدارة السدود في المغرب

وارتفع معدل ملء السدود في المغرب إلى ما يقرب من 70% مقارنة مع 27% في العام السابق، إذ جرى تفريغ عدد من السدود الكبيرة جزئياً لاستيعاب التدفقات الجديدة.

ويتصدر المغرب الدول الإفريقية من حيث عدد السدود، إذ يضم 154 سداً كبيراً بطاقة إجمالية تتجاوز 20 مليار متر مكعب، إلى جانب 148 سداً صغيراً ومتوسطاً. وتواصل السلطات تنفيذ خطط لبناء سدود جديدة لمواجهة التغيرات المناخية، وتوفير مياه الشرب والري.

وسد وادي المخازن أحد أكبر سدود المملكة، وشُيد عام 1979 على نهر اللوكوس في الشمال الغربي. وتتجاوز طاقته الاستيعابية 600 مليون متر مكعب، ويلعب دوراً حيوياً في سقي سهول المنطقة، وحمايتها من الفيضانات.

ارتفاع منسوب نهر اللوكوس

لكن المخزون المائي للسد تجاوز هذا الشهر 160% من سعته، أي أكثر من مليار متر مكعب، بفعل الأمطار الغزيرة، مما دفع السلطات إلى تفريغ السد تلقائياً، فتسببت المياه المتدفقة في غمر مدينة القصر الكبير والسهول المحيطة.

وشرعت السلطات المغربية في تصريف المياه عبر المفرغ التلقائي، بمعدلات كبيرة، وصلت إلى 552 متراً مكعباً في الثانية لحماية جسم السد، مما أدى إلى ارتفاع منسوب نهر اللوكوس، وتأثر المناطق المجاورة التي غمرتها المياه أيضاً.

وفي إجراء استباقي، أخلت السلطات مدينة القصر الكبير، وعدداً من مناطق سهل الغرب جراء الفيضانات، إذ جرى إجلاء أكثر من 154 ألف شخص إلى مناطق آمنة، قبل أن تبدأ عودتهم التدريجية إلى منازلهم مع تحسن الأحوال الجوية.

اقرأ أيضاً

تحلية المياه.. كيف تحولت من الغلي القديم إلى تقنيات الترشيح؟

منذ الإغريق والرومان وحتى اليوم، تطورت تحلية المياه من الغلي البسيط إلى تقنيات الترشيح الحديثة، لتصبح الحل الأساسي أمام ندرة المياه التي تهدد مليارات البشر.

"مناطق منكوبة"

وأعلنت الحكومة العرائش والقنيطرة وسيدي قاسم وسيدي سليمان، الواقعة في الشمال الغربي والغرب "مناطق منكوبة"، وخصصت نحو 330 مليون دولار لدعمها اقتصادياً واجتماعياً، وتعويض المتضررين.

وقال محمد أمين سامي، الخبير في الاقتصاد والتخطيط الاستراتيجي، إن "السدود كانت ناجعة تاريخياً؛ لأنها صُممت أساساً وفق منطق تأمين الإمدادات المائية، أما اليوم فالمناخ يفرض مقاربة مزدوجة، تقوم على توفير الأمن المائي، والأمن من الفيضانات في الوقت نفسه".

وأضاف: "السدود لا يمكنها وحدها إدارة الفيضانات؛ فهي تقلص الذروة أحياناً لكنها لا تعوض غياب حماية مجاري الأودية، ومناطق التوسع الفيضي، ولا غياب بنية حديثة لتصريف المياه".

وأشار إلى أن غياب قواعد تشغيل ديناميكية مرتبطة بالتنبؤات الجوية، والتواصل اللحظي مع السكان، يفاقم المخاطر، إلى جانب مشكلة الترسبات التي تقلص السعة التخزينية الحقيقية في الأمد الطويل.

السدود وحدها لا تكفي

من جهته، اعتبر أحمد بخري، الخبير في موارد المياه والبيئة والمناخ، أن بناء السدود وحده "لم يعد كافياً، وأصبح من الضروري تنويع مصادر المياه".

وفق بخري، يشمل ذلك "التوسع في تحلية مياه البحر، وإعادة استعمال المياه، والربط بين الأحواض المائية، مع التركيز على بناء سدود متوسطة وصغرى ذات مردودية عالية لتعزيز الأمن المائي، وهو ما ينفذه المغرب حالياً ضمن سياسته المائية التي تجمع بين تدبير الفائض، وتدبير الندرة".

خطة لتحلية مياه البحر

وأنهت الأمطار القياسية جفافاً دام سبع سنوات دفع البلاد إلى زيادة الاستثمارات في تحلية المياه.

وكانت الحكومة المغربية قد أعلنت عن خطة لتحلية مياه البحر لتوفير 60% من مياه الشرب بحلول عام 2030، مقارنة مع 25% حالياً، بهدف إنتاج 1.7 مليار متر مكعب من المياه المحلاة.

كما أطلق المغرب، في وقت سابق، مشروع "الطريق السيار للماء" لربط حوضين مائيين كبيرين، هما حوض سبو وحوض أبي رقراق؛ بهدف حل مشكلة ندرة المياه. ويخطط لبناء 92 سداً صغيراً في الفترة ما بين 2025 و2027 لدعم الزراعة، والحماية من الفيضانات.

تغير المناخ في قفص الاتهام

يؤكد بخري أن السدود المغربية صُممت هندسياً لتحمل تساقطات مطرية استثنائية، لكنها تحتاج اليوم إلى تحديثات تواكب تغير المناخ الذي يزيد من وتيرة الظواهر المتطرفة.

وأشار إلى أن معظم السدود المغربية حديثة نسبياً، وأن البلاد لم تسجل انهيار أو تصدع أي سد، بينما جاءت الإجراءات الأخيرة لحماية الأرواح والممتلكات.

من جهته قال رشيد رجيل، رئيس قسم تخطيط المياه بالمديرية العامة لهندسة المياه التابعة لوزارة التجهيز والماء، لـ"رويترز" إن "ظاهرة الفيضانات بالمغرب لا تعد ظاهرة مفاجئة في حد ذاتها؛ فالمغرب شهد عبر التاريخ فيضانات عديدة">

وتابع: "الفيضانات ظواهر طبيعية متوقعة ضمن دينامية مناخية متقلبة، خاصة مع تزايد حدة الظواهر القصوى بفعل التغير المناخي، غير أن شدة بعض الأحداث الأخيرة فاقت المعدلات الاعتيادية المسجلة تاريخياً في بعض الأحواض".

وأضاف أن الحكومة تتخذ مجموعة من التدابير لمنع كوارث حقيقية في السدود، منها "تعزيز أنظمة الرصد والإنذار المبكر وربطها بتوقعات رصدية دقيقة، كما تتم تقوية المنشآت المائية من سدود وقنوات تصريف وحواجز وقائية، وصيانة المجاري المائية وإزالة العوائق".

وأكد أن السدود تخضع "لمنظومة تقنية وهندسية متكاملة، تهدف إلى حماية الأرواح والممتلكات، وضمان استدامة هذه المنشآت الحيوية".

أمطار استثنائية

ويرى خالد فخاوي، المهندس بالشركة الجهوية متعددة الخدمات بجهة الرباط-سلا-القنيطرة، أن موجة الأمطار الأخيرة على شمال وغرب المغرب كانت "استثنائية"، وأن مستويات السدود ارتفعت بسرعة تفوق قدراتها الاعتيادية على التخزين والتصريف.

وأضاف أن منسوب المياه ارتفع بشكل لافت في وادي سبو ووادي اللوكوس، مما صعّب تحقيق التوازن بين التخزين الآمن والتفريغ الوقائي.

وأوضح فخاوي أن السدود "ليست حواجز مطلقة أمام الفيضانات، بل أدوات لتنظيم المياه"، مشيراً إلى أن طبيعة التربة في غرب البلاد، وتأثير سنوات الجفاف، وتصلب القشرة الأرضية، أدت إلى انخفاض نفاذية التربة إلى مستويات ضعيفة لا تسمح بامتصاص كميات كبيرة من الأمطار.

وأشار إلى وجود "توسع عمراني قريب من مجاري الأودية، كما أن هناك محدودية على مستوى شبكة التصريف". وأضاف: "يجب أن تتوفر قنوات كبيرة بحجم يتعدى المترين، وشبكة تصريف المياه تحتاج إلى تصريف دوري لمواكبة حجم التحولات المناخية".

إنذار مبكر وإشعارات رقمية

وشدّد على أهمية تبني حلول استباقية أكثر فاعلية، بينها تطوير منظومة الإنذار المبكر، وتحويل الإشعارات إلى خدمات رقمية، بحيث يتم إبلاغ المواطنين عبر رسائل نصية قبل 24 ساعة من وقوع الخطر.

لكن رجيل، المسؤول بوزارة التجهيز والماء، يرى أن التوفيق بين تخزين المياه لمواجهة الجفاف، وتوفير حيز للحماية من الفيضانات يمثل "واحداً من أعقد المهام التقنية" في إدارة السدود.

وأوضح أن ذلك يقوم على "منحنيات ملء مرنة حسب الفصول، وتخصيص احتياطي فارغ خلال الفترات المطيرة لامتصاص موجات الفيضان، إضافة إلى الاستعانة بالتوقعات الجوية قصيرة ومتوسطة الأمد لاتخاذ قرارات استباقية بشأن التفريغ الوقائي".

تصنيفات

قصص قد تهمك