
أطلقت سياسية بريطانية بارزة تحذيراً من أن عدم التنوع في مصادر الغذاء يجعل العالم بأسره عرضة لأزمات خطيرة، داعية إلى إعادة التفكير في الأسس العلمية والاقتصادية والسياسية التي يعتمد عليها النظام الغذائي الحالي.
جاءت التحذيرات ضمن طرح فكري جديد لعضو مجلس اللوردات في بريطانيا، ناتالي بينيت، عبر كتابها الذي يناقش أوجه القصور البنيوية في النظام الغذائي العالمي، ويطرح بدائل مستوحاة من تجارب محلية وتقليدية حول العالم.
واعتبرت "بينيت" في كتابها Change Everything: How We Can Rethink, Repair and Rebuild Society (تغيير كل شيء.. كيف يمكننا إعادة التفكير في المجتمع وإصلاحه وإعادة بنائه) أن النظام الغذائي العالمي يعاني من اختلال واضح، إذ يعتمد بشكل مفرط على عدد محدود من المحاصيل؛ فوفقاً للبيانات التي تستند إليها، يأتي نحو نصف السعرات الحرارية التي يستهلكها البشر من 3 محاصيل فقط هي القمح، والأرز، والذرة، بينما تعتمد 3 أرباع السعرات العالمية على 12 نباتاً و5 أنواع من الحيوانات فقط.
ولا يقتصر هذا التركيز الشديد في مصادر الغذاء على الأنواع، بل يمتد أيضاً إلى الجغرافيا، حيث تزرع هذه المحاصيل الرئيسية في مناطق محدودة، ما يزيد من هشاشة النظام الغذائي العالمي أمام الأزمات.
أخطار عدة تهدد الإمدادات الغذائية
ترى "بينيت" أن هذا النمط من الإنتاج يفتح الباب أمام سلسلة من الأخطار المتداخلة، أبرزها انتشار الأمراض التي قد تصيب المحاصيل، إضافة إلى التوتر الجيوسياسي الذي قد يعطل الإمدادات.
واستشهدت الكاتبة بتأثير الغزو الروسي لأوكرانيا، على الأسواق الغذائية الدولية، إذ تعد أوكرانيا من أكبر مناطق إنتاج القمح عالمياً، فضلاً عن التغير المناخي الذي يمثل تهديداً مضاعفاً، لأنه يؤثر بشكل مباشر على الإنتاج الزراعي، خاصة في المناطق الأكثر هشاشة غذائياً، ما قد يؤدي إلى تفاقم أزمات الجوع وسوء التغذية.
ولا تتوقف الانتقادات عند حدود التنوع، بل تمتد إلى كفاءة النظام الغذائي ذاته. إذ تشير البيانات إلى أن الزراعة في الماضي كانت أكثر كفاءة من حيث الطاقة، حيث كانت المزارع تنتج سعرات غذائية تفوق الطاقة المستخدمة في الإنتاج، أما الآن، فقد انقلبت المعادلة، إذ يتطلب إنتاج سعر حراري واحد من الغذاء استهلاك نحو 10 سعرات من الطاقة، نتيجة الاعتماد على النقل لمسافات طويلة والتصنيع الغذائي المكثف.
واعتبرت "بينيت" التي ترأست حزب الخضر لدورتين، أن هذا النموذج لا يخدم سوى عدد محدود من الشركات الكبرى التي تهيمن على سلاسل الإنتاج والتوزيع، بينما يترك بقية العالم عرضة لانعدام الأمن الغذائي.
وتطرح الكاتبة رؤية نقدية أوسع، تدعو فيها إلى مراجعة عدد من الأفكار التي شكلت أساس التفكير العلمي والاقتصادي التقليدي، معتبرة أنها لم تعد صالحة لمواجهة التحديات المعاصرة. كما تدعو إلى تبني نماذج أكثر شمولية تراعي التوازن بين الإنسان والبيئة.
وتستلهم "بينيت" من تجارب الشعوب الأصلية وممارسات الزراعة التقليدية، التي تعتمد على التنوع البيولوجي وتحافظ على خصوبة التربة دون الإضرار بالأنظمة البيئية.
وتشير إلى أن هناك نماذج ناجحة يمكن البناء عليها، مثل الزراعة البيئية والزراعة الدائمة التي تهدف إلى إنتاج الغذاء بطريقة مستدامة تحافظ على الموارد الطبيعية.
تجربة السلفادور
واستعرضت "بينيت" تجربة السلفادور والمعروفة باسم "كامبسينو إلى كامبسينو" والتي تعنى من فلاح إلى فلاح والتي تعد واحدة من أبرز النماذج الزراعية المجتمعية التي أثبتت نجاحها في مواجهة الأزمات، خاصة في ظل ظروف صعبة مثل الحروب وانهيار البنية التحتية، ونشأت هذه التجربة خلال ثمانينيات القرن الماضي، عندما كانت البلاد تعاني من حرب أهلية طويلة أثرت بشكل مباشر على الإنتاج الزراعي والأمن الغذائي.
في ذلك الوقت، لم يكن المزارعون قادرين على الاعتماد على الدعم الحكومي أو التقنيات الحديثة، فابتكروا نموذجاً قائماً على تبادل المعرفة والخبرات في ما بينهم.
اعتمد هذا النهج على أن المزارع الذي ينجح في تطبيق أساليب زراعية فعالة ومستدامة يعلم غيره من المزارعين، من خلال التدريب المباشر والتجارب العملية في الحقول، ما أدى إلى انتشار المعرفة بشكل سريع وفعال داخل المجتمعات الريفية.
تميزت هذه التجربة بالتركيز على الزراعة المستدامة، حيث تم الابتعاد عن الزراعة الأحادية والاعتماد على تنويع المحاصيل، وهو ما ساهم في تحسين خصوبة التربة وتقليل الأخطار المرتبطة بالأمراض أو تقلبات المناخ؛ كما اعتمد المزارعون على الموارد المحلية بدلاً من المدخلات الصناعية المكلفة، مثل الأسمدة الكيماوية، ما جعل هذا النموذج أقل تكلفة وأكثر استدامة على المدى الطويل.
الجوع في العالم
- 68 دولة حول العالم متأثرة بأزمة الغذاء.
- 318 مليون شخص يواجهون مستويات حادة من الجوع.
- العدد الحالي أكثر من ضعف ما كان عليه في عام 2019.
- تم تسجيل مجاعتين متزامنتين في غزة والسودان لأول مرة في القرن الجاري.
- الأسباب الرئيسية للأزمة هي الصراعات والتغير المناخي والأزمات الاقتصادية والنزوح
- للتغلب على الأزمة تم تحويل 158 ألف هكتار من الأراضي القاحلة إلى أراض زراعية خلال 4 سنوات في إفريقيا.
- نحو 550 ألف أسرة استفادت من برامج التأمين المناخي في 18 دولة.
المصدر: برنامج الأغذية العالمي
ولم تقتصر أهمية التجربة على الجانب الزراعي فقط، بل امتدت إلى تعزيز روح التعاون والتكافل داخل المجتمعات الريفية؛ إذ أصبح المزارعون جزءاً من شبكة دعم متبادلة، يتشاركون المعرفة والخبرات لمواجهة التحديات المشتركة، وهو ما ساعد على بناء مجتمعات أكثر قدرة على الصمود.
وأثبتت التجربة نجاحها في تحسين الإنتاج الغذائي رغم الظروف القاسية التي كانت تمر بها البلاد، كما أصبحت نموذجاً يحتذى به في العديد من الدول، خاصة في ظل التحديات العالمية المرتبطة بالأمن الغذائي والتغير المناخي.
واليوم، ينظر إلى تجربة السلفادور كدليل على أن الحلول الفعالة قد تنبع من المجتمعات المحلية نفسها، وأن الاعتماد على المعرفة التقليدية والتعاون يمكن أن يشكل بديلاً حقيقياً للأنظمة الزراعية الصناعية، خاصة في بناء أنظمة غذائية أكثر تنوعاً واستدامة.
وأكدت "بينيت" على أهمية أن تتعلم الدول الصناعية من تجارب الدول النامية، التي طورت عبر عقود من الأزمات طرقاً أكثر مرونة واستدامة في التعامل مع الغذاء والموارد.
وفي ظل التحديات المتزايدة، يبدو أن الدعوة لإعادة تشكيل النظام الغذائي العالمي لم تعد مجرد خيار فكري، بل ضرورة ملحة لضمان الأمن الغذائي في المستقبل.








