
تجاوزت المناطق المحيطة بسد الفرات في سوريا، مرحلة الخطر مع الانحسار التدريجي لمنسوب مياه النهر، في ظل "انخفاض الواردات المائية القادمة من تركيا".
وقالت وزارة الطاقة السورية، في بيان، السبت، إنه "مع استمرار انخفاض الواردات المائية القادمة من الجانب التركي، باشرت الكوادر الفنية في المؤسسة العامة لسد الفرات بإغلاق بوابة المفيض رقم 4، التي كانت تمرر نحو 300 متر مكعب في الثانية".
وأضافت: "وبذلك انخفضت كميات المياه الممررة عبر سد الفرات إلى نحو 1400 متر مكعب في الثانية، ضمن الإجراءات التشغيلية الهادفة إلى إعادة مناسيب المياه على امتداد مجرى نهر الفرات في محافظتي الرقة ودير الزور إلى مستوياتها الطبيعية بشكل تدريجي وآمن".
وتابعت: "وتواصل الفرق الفنية والهندسية أعمال المتابعة والرصد على مدار الساعة، لإدارة التمريرات المائية وفق المعطيات الفنية، والحفاظ على سلامة المنشآت المائية واستقرار الوضع المائي على طول مجرى النهر".
وأشارت الوزارة إلى استمرار المتابعة الميدانية، واتخاذ الإجراءات التشغيلية اللازمة بما يضمن حماية المنشآت الحيوية واستمرار الخدمات الأساسية لأهالي المنطقة.
تقييم الأضرار بعد استقرار الأوضاع
وأكد أحمد قزيز معاون وزير الطوارئ وإدارة الكوارث في سوريا، خلال تصريحات لـ"الشرق"، استقرار الأوضاع في دير الزور، دون ملاحظة أي ازدياد في منسوب مياه نهر الفرات، مشيراً إلى "تراجع ملحوظ في منسوب المياه بالرقة".
وأوضح المسؤول السوري، خلال تصريحاته، أن تركيا باشرت تخفيض المياه بمعدل 250 متراً مكعبا بالثانية، الأمر الذي سينعكس أثره في سوريا، خلال الأيام القليلة القادمة.
وذكر قزيز، أنه يجري العمل على تقييم وتحديد الأضرار الناتجة عن غمر المياه، لافتاً إلى أن الفرق تعمل ضمن ثلاث معابر لنقل الحالات الإنسانية عبر الزوارق ويشرف عليها أخصائي وزارة الطوارئ، بالتنسيق مع وزارة الصحة.
كما تقوم فرق الطوارئ وإدارة الكوارث، بالمتابعة الحثيثة لمستوى المياه في كل من الرقة ودير الزور، وتتابع التنسيق مع غرف الطوارئ في كلا المحافظتين، مؤكداً تدعيم عدد من المنشآت الحيوية والتجمعات السكنية بالسواتر الترابية بما يزيد عن 2000 متر، بحسب تعبيره.
من جانبه، قال وزير الطاقة السوري محمد البشير، في منشور على منصة "إكس": "نطمئن أهلنا في الرقة ودير الزور بأن الوضع المائي على نهر الفرات يشهد تحسناً تدريجياً، حيث تم إغلاق البوابة رقم 4 من مفيض سد الفرات ما خفّض التمرير المائي إلى نحو 1400 م³/ث".
وقال وزير الطوارئ وإدارة الكوارث رائد الصالح: "لا تزال غرف العمليات مستنفرة، وتعمل بكل طاقتها، وبعد إغلاق البوابة الرابعة سينخفض منسوب نهر الفرات في دير الزور والرقة بشكل تدريجي.
وأضاف: "تواصل كوادرنا الفنية متابعة الوضع على مدار الساعة لضمان عودة المناسيب إلى مستوياتها الطبيعية بشكل تدريجي".
وارتفع منسوب نهر الفرات في سوريا إلى مستويات غير مسبوقة، منذ ثمانينيات القرن الماضي، نتيجة الأمطار الغزيرة في سوريا وتركيا، بالتزامن مع ذوبان الثلوج في المرتفعات التركية، وفتح بوابات المفيض في سد "أتاتورك"، ما أدى إلى تدفقات مائية وصلت إلى 4 أضعاف مستوى الجريان الطبيعي، تسببت في أزمات إنسانية وخدمية واسعة.
ودفعت التطورات، الحكومة السورية، إلى إخلاء عدد من المناطق، مع خروج نحو 50 محطة لضخ المياه ومحطات تغذية كهربائية عن الخدمة.
وفتحت أنقرة بوابات التصريف في سد "أتاتورك"، أكبر سدود تركيا وأحد أكبر السدود في العالم، وذلك للمرة الأولى منذ 7 سنوات، حسبما ذكرت وكالة الأنباء التركية "الأناضول".
خسائر مادية
وبدأت أزمة ارتفاع منسوب مياه نهر الفرات منذ أيام، ما أدى إلى غمر منازل وأراضٍ زراعية، وخروج بعض الجسور ومحطات المياه عن الخدمة في محافظتي الرقة ودير الزور، وسط تحذيرات رسمية متواصلة للسكان من الاقتراب من مجرى النهر.
وأعلن محافظ دير الزور، زياد العايش، ارتفاع منسوب نهر الفرات إلى مستويات خطرة عقب فتح بوابات المفيض في سدي الفرات وتشرين، ما وضع ما لا يقل عن 2500 عائلة أمام خطر الغمر أو العزل أو النزوح القسري، ولا سيما في مناطق الحوائج.
وأشارت مديرية إعلام دير الزور، إلى إيقاف حركة العبور على جسر العشارة الترابي بريف دير الزور الشرقي نتيجة انهيار جزء منه جراء فيضان نهر الفرات، وارتفاع منسوب المياه.
فيما أشارت مديرية إعلام الرقة إلى خروج محطة مياه "طاوي" عن الخدمة التي تغذي 11 قرية في ناحية الجرنية في ريف المحافظة، إثر انقطاع التيار الكهربائي المغذي لها جراء فيضان نهر الفرات.
وذكرت مديرة إعلام الرقة، أن المياه غمرت أكثر من 2000 دونم في المناطق المحاذية لمجرى النهر، إلى جانب غمر أكثر من 120 محركاً زراعياً منصوباً على النهر، كما شملت الأضرار مناطق معدان، السبخة، الكرامة والمنصورة، على الصعيد الزراعي.
في حين اجتاحت المياه مخيم حويجة عنون، وغمرته في ريف الرقة الجنوبي، وكذلك الأمر بالنسبة لقاطني مخيم اليوناني الذين دفعهم الفيضان للنزوح مرة ثانية.
كما حذر الدفاع المدني من خطورة السباحة في نهر الفرات، داعياً الأهالي إلى ضرورة الامتناع عن السباحة فيه نظراً لخطورة التيارات المائية وسرعتها مع ارتفاع منسوبه، مؤكداً ضرورة حماية الأطفال من الاقتراب من النهر حفاظاً على سلامتهم.
خطة للحفاظ على السدود
ومع بدء تدفق المياه من تركيا، ارتفع منسوب المياه تدريجياً، ليصل جريان نهر الفرات إلى نحو ألف متر مكعب في الثانية، ما استدعى فتح 3 بوابات مفيض في سد الفرات لتصريف المياه بعد امتلاء بحيرة السد بالكامل، في حدث لم يشهده السد منذ نحو 30 عاماً.
وفي وقت لاحق، جرى فتح البوابة الرابعة بعد ارتفاع التدفقات المائية إلى ما بين 1800 و2000 متر مكعب في الثانية.
وقال مصدر في وزارة الطاقة السورية لـ"الشرق"، إن "الإجراء جاء ضمن خطة متكاملة للحفاظ على السلامة الإنشائية والتشغيلية للسدود، وسط تواصل أعمال المراقبة والتشغيل على مدار الساعة، بما يضمن التعامل الآمن مع كميات المياه الواردة وفق المعايير الفنية المعتمدة".
وأشار إلى أن "الكوادر المختصة تعمل على تعزيز جاهزية مجموعات التوليد الكهرومائية، بما يسهم في دعم الشبكة الوطنية بالطاقة الكهربائية وتعزيز استقرار المنظومة الكهربائية في البلاد".
وبدأت التحذيرات الحكومية قبل 3 أيام من عيد الأضحى، عبر بيانات صادرة عن إدارة سد الفرات ودائرة الإنذار المبكر في وزارة الطوارئ، دعت سكان محافظتي الرقة ودير الزور إلى توخي الحذر من ارتفاع متوقع في منسوب النهر، مع استمرار الهطولات المطرية.
وشهدت سوريا في عام 1988 فيضانات مماثلة نتيجة هطول الأمطار، ما دفع المعنيين حينها إلى فتح جميع بوابات سد الفرات لتجنب انهياره، الأمر الذي تسبب بغرق عدد من القرى والبلدات الواقعة على امتداد مجرى النهر.
لماذا ارتفع منسوب النهر؟
ومع استمرار هطول الأمطار حتى مايو، بالتزامن مع ذوبان الثلوج في المرتفعات الجبلية التركية، تشكلت ضغوط مائية كبيرة أدت إلى ارتفاع تدفقات المياه إلى مستويات غير مسبوقة، بحسب الخبير الجيولوجي عزيز ميخائيل.
وقال ميخائيل لـ"الشرق"، إن "امتلاء السدود التركية الواقعة على نهر الفرات، وفي مقدمتها سد أتاتورك، دفع السلطات التركية إلى فتح بوابات المفيض، ما أدى إلى ارتفاع تدفقات المياه باتجاه الأراضي السورية إلى ما بين 1800 و2000 متر مكعب في الثانية".
وأشار إلى أن العراق يحصل على حصته من مياه النهر عبر سوريا، وفق اتفاقية تقاسم مياه الفرات بين الدول الثلاث الموقعة عام 1987، والتي تنص على التزام تركيا بتمرير ما لا يقل عن 500 متر مكعب في الثانية لكل من سوريا والعراق.
ولفت إلى أن "فتح بوابات المفيض يتم بهدف إحداث توازن بين مخزون السدود وزيادة الوارد المائي، بما يضمن استمرار تدفق المياه من دون حدوث أي أضرار فنية".
وبدأ تأسيس سد الفرات في عام 1968 بدعم من الاتحاد السوفيتي السابق، قبل أن يدخل الخدمة بشكله الحالي في عام 1974 في مدينة الطبقة، على بعد نحو 50 كيلومتراً غرب الرقة، ويمتد بطول يبلغ نحو 4500 متر، وبعرض يصل إلى 512 متراً عند القاعدة و19 متراً عند القمة، فيما يبلغ ارتفاعه نحو 60 متراً.
أما بحيرة السد، فيبلغ طولها نحو 80 كيلومتراً، وعرضها 8 كيلومترات، بسعة تخزينية تتجاوز 14 مليار متر مكعب من المياه، وتغذي مساحات واسعة بمياه الري والشرب في محافظات الرقة ودير الزور وحلب.
كما يوفر السد تغذية كهربائية عبرتوربينات توليد تتفاوت قدرتها الإنتاجية بحسب مستويات تخزين المياه وتدفق نهر الفرات.










