
قبل أسابيع من بدء العام الدراسي في الجزائر، لا تزال الأوساط الثقافية والتربوية تتفاعل مع التغييرات المرتقبة في قطاع التعليم، عقب قرار وزارة التربية اعتماد الإنجليزية لغةً أجنبية وحيدة في السنة الثالثة من التعليم الابتدائي، وإرجاء تدريس الفرنسية إلى السنة الرابعة من المرحلة نفسها، بحسب ما أعلنه وزير التربية محمد الصغير سعداوي في يوليو الماضي.
وبهذا القرار، وضعت السلطات الجزائرية الإنجليزية في صدارة اللغات الأجنبية المعتمدة في المنظومة التعليمية، بعد عقود طويلة من هيمنة الفرنسية، التي لا تزال حاضرة بقوة في المجتمع الجزائري بفعل إرثها التاريخي.
وفي إطار الاستعداد لعودة التلاميذ إلى المدارس، وفي ضوء هذه التغييرات، سحب الديوان الوطني للمطبوعات المدرسية كتاب اللغة الفرنسية الموجَّه إلى تلاميذ السنة الثالثة من التعليم الابتدائي، بعد إلغاء تدريسها ضمن البرنامج السنوي. وشملت الخطوة سحب النسخ الموجودة في نقاط البيع التابعة للديوان، بما يتوافق مع التعديلات الجديدة التي طرأت على المناهج والبرامج التعليمية.
والديوان الوطني للمطبوعات المدرسية مؤسسة عمومية جزائرية تابعة لقطاع التربية الوطنية، تتولى أساساً إنتاج الكتب المدرسية والمطبوعات التربوية المعتمدة من وزارة التربية الوطنية وطباعتها وتوزيعها.
ويُعد النقاش بشأن مكانة اللغات الأجنبية في المناهج التعليمية الجزائرية من أكثر القضايا إثارةً للجدل، لا سيما بين التيار الفرنكوفوني، الذي يدافع عن الإبقاء على اللغة الفرنسية بالنظر إلى مكانتها التاريخية وحضورها في مختلف المجالات، وتيار يدعو إلى تعزيز تدريس الإنجليزية باعتبارها إحدى أكثر اللغات انتشاراً واستخداماً في العالم، ولغةً أساسية في مجالات العلوم والتكنولوجيا والبحث الأكاديمي.
"خطوة إيجابية"
ورأت ليلى زياتي، القيادية في الجمعية الوطنية لأولياء التلاميذ، أن الأهم ليس اللغة التي يبدأ التلميذ تعلمها أو توقيت إدراجها، بل مدى استفادته منها والطريقة التي ستُدرس بها.
وقالت زياتي لـ"الشرق" إن تقديم تدريس الإنجليزية على الفرنسية، التي كان تدريسها يبدأ في السنة الثالثة من التعليم الابتدائي، يُعد خطوة إيجابية، لأن الإنجليزية أصبحت "لغة العلم والتكنولوجيا والتواصل، ومن الطبيعي مواكبة العصر والتطور التكنولوجي".
وأوضحت أن إرجاء تدريس الفرنسية "لا يعني أنها غير مهمة، وإنما سيمنح التلميذ مزيداً من الوقت لاستيعاب اللغة الأولى قبل إدراج الثانية تدريجياً، بدلاً من تلقيه لغتين أجنبيتين في السنة نفسها، وهو ما كان يشكل ضغطاً عليه".
وأضافت زياتي أن قرار الوزارة قصر تدريس اللغات الأجنبية في السنة الثالثة من التعليم الابتدائي على الإنجليزية يجب أن ترافقه إجراءات مكملة، في مقدمتها توفير الإمكانات المادية والبشرية اللازمة، وتعيين أساتذة مؤهلين وأطر تربوية قادرة على إنجاح التجربة.
وفي عام 2022، اتخذت الجزائر قراراً بتعزيز حضور الإنجليزية في النظام التعليمي، وبدأ تدريسها رسمياً في المرحلة الابتدائية للمرة الأولى خلال العام الدراسي الذي انطلق في سبتمبر من العام نفسه، عقب قرار أصدره الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون في يونيو 2022.
صعوبات ميدانية
في المقابل، أكد علي بوخلاف، وهو كاتب صحافي في مواقع ناطقة بالفرنسية، وجود قدر من التوافق على ضرورة تعزيز حضور الإنجليزية في المدارس الجزائرية، لكن الجدل يتمحور حول واقع المنظومة والتحفظات المتعلقة بالتسرع في تطبيق القرار، إذ يرى كثير من خبراء التربية والتعليم أنها لم تكن مهيأة بما يكفي لهذا التحول.
وأضاف بوخلاف لـ"الشرق" أن الواقع العام في البلاد يعكس حضوراً قوياً للفرنسية، التي لا تزال متجذرة في المجتمع الجزائري، بما في ذلك الاستخدام اليومي للعربية والأمازيغية، إذ تُستخدم ألفاظ فرنسية كثيرة في الحياة اليومية.
واعتبر أن الناطقين بالفرنسية أنفسهم يقرون بأن الإنجليزية هي لغة العصر والعلوم، وأن إتقانها سيُمكن الجزائريين من التواصل والانفتاح على العالم.
غير أن توسيع نطاق استخدامها يتطلب وقتاً وتحضيراً جيداً وتدرجاً في التطبيق، للوصول في نهاية المطاف إلى مستوى مرتفع من الاستعداد والإتقان.
وأشار بوخلاف إلى أن السلطات الجزائرية باتت مطالبة بتأهيل الأساتذة المعنيين بتدريس الإنجليزية تربوياً، وعدم الاكتفاء بالتكوين الأكاديمي الذي يتلقونه في الجامعات.
ويتخرج في الجامعات الجزائرية سنوياً آلاف الطلاب الحاصلين على شهادات في اللغة الإنجليزية، غير أن المختصين يرون أن امتلاك المعرفة الأكاديمية باللغة لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على تدريسها، خصوصاً للأطفال في المرحلة الابتدائية.
ويركز التأهيل الأكاديمي أساساً على اكتساب المعرفة والتخصص في اللغة، بينما يهتم التكوين التربوي بكيفية نقل هذه المعرفة إلى المتعلم، عبر التدريب على أساليب التدريس وإعداد الدروس وتبسيط المعلومات ومراعاة الفروق الفردية بين التلاميذ، فضلاً عن طرائق تقييمهم ومتابعتهم.
ويتخرج من الجامعات الجزائرية سنوياً آلاف الطلاب الحاصلين على شهادات في اللغة الإنجليزية، غير أن المختصين يرون أن امتلاك المعرفة الأكاديمية باللغة لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على تدريسها، خصوصاً للأطفال في المرحلة الابتدائية.
ويركز التأهيل الأكاديمي أساساً على اكتساب المعرفة والتخصص في اللغة، بينما يهتم التكوين التربوي بكيفية نقل هذه المعرفة إلى المتعلم من خلال تعلم أساليب التدريس وإعداد الدروس وتبسيط المعلومات، ومراعاة الفروق الفردية بين التلاميذ، فضلاً عن طرق تقييمهم ومتابعتهم.
التيارات السياسية في قلب النقاش
ومنذ إعلان وزير التربية الجزائري عن ما أطلق عليه "مشروع إصلاح المنظومة التعلمية"، وإعلانه اعتماد اللغة الإنجليزية ابتداءً من السنة الثالثة من التعليم الابتدائي، دخلت الأحزاب السياسية في البلاد على خط النقاش بشأن مستقبل اللغات الأجنبية في المنظومة التعليمية.
وجدد محمد ذويبي، الأمين العام لحركة النهضة، المحسوبة على التيار المحافظ في الجزائر، دعم الحركة للتقييم والتقويم المستمرين للمنظومة التربوية، مرحباً بالخطوات الرامية إلى تجاوز ما وصفه بـ"العائق اللغوي" أمام الكفاءات الجزائرية، وتعزيز انفتاحها على البحث العلمي والمعرفي والتواصل الدولي.
كما قال رئيس حركة مجتمع السلم حساني شريف، إن اللغة الفرنسية "لا تشكل جزءاً من هويتنا، ولا تشكل جزءاً من أصالتنا ومقوماتنا"، معتبراً أنها "لغة للتعلم والمعارف، ويمكن للإنسان تعلمها والاستفادة منها في المجال التعليمي".
ورفض شريف تحويل مسألة اللغات إلى صراع أيديولوجي، قائلاً: "نحن لسنا مع الفرنسية ولسنا مع الإنجليزية، نحن مع ثوابتنا ومع قيمنا"، مضيفاً أن الفرنسية أو غيرها من اللغات هي من مستلزمات التعلم، ولا ينبغي أن تتحول إلى "صراع أيديولوجي".
وبشأن اللغة الفرنسية، شدد عثمان معزوز، رئيس حزب "التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية"، على أنها لا تزال لغة أساسية في مجالات العلوم والطب والهندسة والبحث العلمي والدبلوماسية والثقافة، محذراً من أن إضعاف تدريسها قد يحد من قدرة الطلبة الجزائريين على مواصلة دراساتهم العليا والاندماج في بيئة علمية تعتمد عليها، لا سيما أن عدداً من التخصصات الجامعية في الجزائر لا يزال يُدرس بالفرنسية.
من جانبها، دعت زعيمة حزب العمال لويزة حنون إلى تبني رؤية تقوم على التكامل بين العربية والأمازيغية والفرنسية والإنجليزية، معتبرة أن "الأمم الناجحة لا تدمر رصيدها اللغوي، بل تثريه".
وحذرت حنون من التسرع في استبدال لغة بأخرى من دون توفير المتطلبات التعليمية والكوادر البشرية اللازمة، معتبرة أن مثل هذه الخطوات قد تؤدي إلى "إضعاف مستوى التعليم".
إرث تاريخي
وتحظى اللغة الفرنسية بحضور واسع في الحياة اليومية للجزائريين، بوصفها أحد أبرز الموروثات التي خلفها الاستعمار الفرنسي للبلاد، الذي بدأ عام 1830 واستمر حتى استقلال الجزائر عام 1962.
وبعد الاستقلال، حافظت الفرنسية على حضورها في الإدارة والتعليم والجامعات وقطاعات مهنية مختلفة، وتعلّمت بها أجيال من الجزائريين وراكمت من خلالها خبراتها الأكاديمية والمهنية، لتظل بالنسبة إلى شريحة واسعة لغة مرتبطة بالتعليم والعمل والمسار المهني.
وفي المقابل، يرتبط التوجه نحو تعزيز تدريس الإنجليزية بمساعٍ لتقليص الاعتماد على الإرث اللغوي والثقافي الفرنسي الذي ترسخ على مدى 132 عاماً من الاستعمار، وتوسيع انفتاح الجزائر على اللغة الأكثر استخداماً في مجالات البحث العلمي والتواصل الدولي.








