
بدأت مصر والصين مناورات "نسور الحضارة 2026"، السبت، بمشاركة مقاتلات صينية متطورة، للعام الثاني على التوالي، في خطوة تعكس تنامي التقارب العسكري بين الجانبين، في وقت تبحث فيه القاهرة عن بدائل لتحديث أسطولها الجوي.
وسبق أن شاركت الصين، وفق المتحدث السابق باسم وزارة الدفاع الصينية وو تشيان، في النسخة الأولى من معرض مصر الدولي للطيران، بدعوة من القوات الجوية المصرية في 2024، حيث أرسل سلاح الجو الصيني 7 طائرات مقاتلة من طراز J-10 عالية الأداء تابعة لفريق "بايي" للاستعراضات الجوية، وطائرة نقل من طراز Y-20 للمشاركة في المعرض، وفق صحيفة "China Daily".
ويشغل وو تشيان حالياً منصب الملحق العسكري للسفارة الصينية بالقاهرة.
التقارب العسكري المصري الصيني
لم تكن هذه المناورات ملمح التقارب العسكري الوحيد بين مصر والصين في سلاح الجو، ففي العام 2024، كان قائد القوات الجوية المصرية آنذاك الفريق محمود فؤاد عبد الجواد، مع وفد رسمي رفيع المستوى، في زيارة إلى معرض بكين، والتقى قيادات سلاح الجو الصيني، وفق بيان لوزارة الدفاع المصرية.
وحسب تقارير إعلامية صينية، جاءت الزيارة بدعوة من قائد القوات الجوية في الجيش الصيني الفريق أول شانج دينج تشيو، وشملت الزيارة تفقد مقر شركة AVIC الصينية، حيث اطلع الوفد المصري على أحدث نسخ من مقاتلة الجيل الرابع المعزز J-10C، ومقاتلة J-31 المعروفة أيضاً باسم FC-31، وهي مقاتلة شبحية من الجيل الخامس، ومن المقرر تصديرها لباكستان باسم J-35.
وفي 2025 زار قائد القوات الجوية المصرية شركة كاتيك الصينية، خلال معرض صيني للصناعات الدفاعية، واحتفل بمرور 45 عاماً على التعاون المشترك بين البلدين في مجال الدفاع.
نسور الحضارة 2026
تأتي النسخة الثانية من التدريبات الجوية المشتركة بين مصر والصين (نسور الحضارة) لتضيف بعداً جديداً لمسار التعاون العسكري بين البلدين، خاصة في مجال القوات الجوية. إذ تشارك الصين بمقاتلات من طراز J-10C، وهي المقاتلات التي تصدرها الصين بنسخ متنوعة لعدد من الدول منها باكستان. كما تمثل المقاتلة الصينية من الجيل الرابع المعزز، المنافس الرئيس للمقاتلات الأميركية من الجيل الرابع من طراز F-16 التي تشكل العمود الفقري لسلاح الجو المصري.
وحسب المتحدث باسم وزارة الدفاع الصينية الفريق تشن شي، فإن التدريبات المشتركة التي من المقرر أن تستمر إلى أوائل سبتمبر، تشمل التدرب على تكتيكات القتال الجوي، وفرض التفوق، ومهام البحث والإنقاذ في المناطق التي تشهد أعمالاً قتالية، بالإضافة للعديد من التدريبات المشتركة بين القوات الجوية المصرية والصينية.
وأكد المتحدث الصيني أن التدريب في نسخته الثانية يستهدف "تعميق التعاون العملي والثقة المتبادلة بين الجيشين".
مصر وتنويع مصادر التسليح
منذ العام 2015، تستهدف القاهرة تنويع مصادر تسليح قواتها المسلحة التي تعد الأكبر عربياً، فرغم اعتمادها على أسلحة غربية أميركية، إلا أن قواتها الجوية تضم مزيجاً من المقاتلات الفرنسية (رافال) والروسية من طراز MIG29M2، فضلاً عن مروحيات روسية من طراز كاموف.
وتمتلك مصر واحداً من أكبر الأساطيل الجوية العسكرية في المنطقة، لكن العماد الرئيس لسلاح الجو المصري يتمثل في أكثر من 200 مقاتلة أميركية من الجيل الرابع من طراز F-16، وهي مقاتلات خفيفة ذات محرك واحد، لكنها تتميز بقدرات هائلة في القتال الجوي، فضلاً عن مرونتها التشغيلية العالية ومدة خدمتها الطويلة.
وتعد مصر رابع أكبر دولة في العالم امتلاكاً لهذه المقاتلة، من طرازات متنوعة. وطلبت القاهرة باستمرار تطوير وتحديث النسخ القديمة من المقاتلة الأميركية الأكثر انتشاراً في العالم، لكن طلبات التحديث العميق، لا تزال تقتصر على بضع عشرات من المقاتلات التي تمت ترقيتها إلى معيار بلوك 52، فيما سمحت الولايات المتحدة بتطوير مقاتلات F-16 لدول أخرى مثل المغرب والإمارات إلى معيار بلوك 60 وحتى المعيار الأقصى للمقاتلة، وهو معيار Viper Block 70/72، وهو ما يجعل المقاتلة تصل رسمياً إلى مستوى الجيل الرابع المعزز 4.5.
تجديد شباب المقاتلات المصرية
وتطالب مصر، باعتبارها حليفاً رئيسياً من خارج حلف شمال الأطلسي (الناتو) للولايات المتحدة، بالوصول إلى تحديثات أعلى لموازنة التهديدات الناشئة، ومنع اختلال ميزان القوى حولها؛ إذ تسعى القاهرة للوصول إلى موافقة أميركية على تطوير قدراتها لمعايير viper، وهو ما يعني تطوير كومبيوتر المهام بمعالجات فائقة السرعة لربط المستشعرات ببعضها، وتقديم صورة قتالية شاملة وموحدة للطيار، فضلاً عن حزمة حرب إلكترونية تشمل منظومات تشويش عالية القدرة، ومنظومة Viper shield لحماية المقاتلة ذاتياً في الميدان، والتعامل مع طيف واسع من التهديدات الصاروخية.
ومن المفترض أن التطوير المطلوب، يشمل تمديد العمر الافتراضي لهيكل المقاتلة إلى أكثر من 12 ألف ساعة طيران، ما يماثل زيادة بنحو 50% عن النسخ القديمة، ما يعني مد عمر المقاتلة 40 عاماً تقريباً.
كذلك تشمل التحديثات تطوير أنظمة التهديف والتعليق وحزماً موسعة من الصواريخ الدقيقة، خاصة صواريخ القتال الجوي خلف مدى الرؤية، وإضافة رادارات المسح الإلكتروني النشط من طراز AN/APG-83 (SABR)، وهو رادار دقيق متعدد الأهداف يعمل في مختلف الظروف الجوية، ويمتلك مقاومة عالية ضد التشويش، ويوفر كشفاً رادارياً يتفوق على الرادارات الكلاسيكية.
وتعتبر تحديثات معيار Viper مشتقة من التحديثات التي نفذتها الشركات الأميركية على مقاتلات الجيل الخامس، مثل مقاتلات F-22، وF-35، والتي تتمتع بمحركات أكثر قدرة وتطوراً.
ورغم ذلك، لا يزال معظم الأسطول المصري من F-16 يعمل بطرازات قديمة، إذ بدأت مصر استخدام المقاتلة بدايةً مع مشروع "شعاع السلام"، في ثمانينيات القرن العشرين، عبر برنامج المساعدات العسكرية الأميركية، فحصلت على block 15، وهو أقدم الطرازات الأميركية التي وصلت إلى مصر والأقدم في أسطولها، وتلاه في منتصف الثمانينيات طراز block 32، ثم جاءت الكتلة الأكبر من block 40، وهي مزودة بمحركات General Electric F110، كما تحمل حواضن ملاحة وتهديف ليلي LANTIRN.
وفي الفترة من 2013 حتى 2015، وضمن صفقة Peace Vector VII، تسلمت مصر مجموعة من مقاتلات F-16 المطورة إلى معيار block 52، التي تتميز بالقدرة على حمل خزانات وقود إضافية ممتدة على الهيكل CFTs، وتشمل كذلك تحديثاً في نظم الملاحة وأنظمة التحكم.
ورغم ذلك، لا تتضمن النسخ المصرية صواريخ AIM-120 AMRAAM للقتال الجوي بعيد المدى، وتعتمد على صواريخ أقدم مثل AIM-9 Sidewinder، ما يجعلها في وضع متأخر أمام المقاتلات الأميركية المزودة بصواريخ القتال خلف مدى الرؤية.
F-15 المصرية.. رفض أميركي مستمر
بخلاف F-16، التي تمتلك إسرائيل نحو 175 مقاتلة محدثة منها، تطلب مصر من واشنطن، منذ عقود، الحصول على مقاتلات ثقيلة من طراز F-15 التي تعتبر واحدة من أقوى وأنجح المقاتلات الأميركية في العالم، إذ تمتلك مدى قتالياً أوسع بكثير من F-16، وقدرات تقنية عالية، تمكنها من فرض السيادة الجوية، والقيام بمهام متعددة في الدفاع، أو الهجوم وحماية العمق الاستراتيجي، وتنفيذ الضربات بعيدة المدى.
ورغم تصريحات الجنرال فرانك ميكنزي، قائد القيادة المركزية الأميركية في 2022، أمام لجنة الخدمات العسكرية بمجلس الشيوخ الأميركي، بأن بلاده تتجه للموافقة على تقديم المقاتلة الثقيلة F-15 إلى مصر، لم تحصل القاهرة عليها، خاصة مع وجود قيود قانون التفوق العسكري النوعي لإسرائيل QME الذي يمنع الحكومة الأميركية من بيع معدات عسكرية لدول قد تهدد تفوق إسرائيل العسكري في المنطقة، بالإضافة إلى قيود المواصفات للنسخ التصديرية، التي قد تفرغ المقاتلة من مكونات رئيسية، وتقيد تشغيلها بشكل كبير.
وتمتلك إسرائيل نحو 86 مقاتلة F-15 منذ عقود، فضلاً عن عقد جديد لإضافة 25 مقاتلة من الطراز F-15IA، وهو الأحدث عالمياً، ومكافئ لمعيار f-15EX Eagle II مع حزمة ترقيات شاملة لعدد مماثل من الأسطول الإسرائيلي لتصل إلى المعيار نفسه.
وتعد إسرائيل أول دولة في العالم، بعد الولايات المتحدة، تمتلك مقاتلات الجيل الخامس الأميركية من طراز F-35 بعدد 50 مقاتلة شبحية من طراز F-35I ADER، وهي نسخة معدلة خصيصاً لسلاح الجو الإسرائيلي، وطلبت تل أبيب صفقة إضافية من 25 مقاتلة جديدة من الطراز نفسه.
وتسمح واشنطن لإسرائيل بدمج أنظمة حرب إلكترونية، وأجهزة اتصالات، وذخائر، وصواريخ موجهة إسرائيلية الصنع في مقاتلاتها، والتعامل مع برمجيات المقاتلات الأميركية لديها.
الخيارات الصينية.. تغيير قواعد اللعبة
وتشهد التكنولوجيا العسكرية الصينية تحولاً استراتيجياً متسارعاً يثير اهتمام ومراقبة الدوائر الدفاعية في العالم، ليس فقط في الدول النامية، لكن بشكلٍ أكبر الدول الغربية الكبرى؛ إذ تؤكد وزارة الحرب الأميركية (البنتاجون)، في تقريرها السنوي لعام 2023، أن الصين تعمل بخطى حثيثة على تحديث قواتها الجوية وتوسيع نطاق حضورها العسكري.
في قلب هذا التحول، تقف مقاتلتان تعكسان مرحلتين مختلفتين من تطور سلاح الجو الصيني: المقاتلة J-10C، التي تمثل ذروة جيلها كرأس سهم متعدد المهام، والمقاتلة J-35 التي تمثل دخول بكين عالم الشبحية البحرية والبرية.
وتضاف إليهما المقاتلة الأثقل حمولة والأطول مدى J-16، وهي مقاتلة ثقيلة متخصصة في الضربات العميقة والقدرات التكنولوجية الفائقة.
ودخلت J-16 الخدمة لأول مرة عام 2014، لتملأ فراغاً مهماً بين مقاتلات الجيل الرابع الصينية القديمة وأسطولها الصاعد من الطائرات الشبحية، وتجمع بين المدى والحمولة وأجهزة الاستشعار، ما يجعلها مثالية لمهام الضربات البحرية.
وفي حال نشوب صراع مفتوح في الصين، من المرجح استخدام J-16 في العمليات الجوية المبكرة، بما في ذلك التفوق الجوي والاعتراض والتشويش الإلكتروني.
ورغم أنها من الجيل الرابع وتفتقر إلى تقنيات التخفي المتقدمة، إلا أن قدراتها الاستشعارية تُعتبر على نطاق واسع الأقوى في العالم، إذ يجمع رادارها بين الحجم الهائل، والتطور المعقد بشكل لا مثيل له في أي طائرة مقاتلة غير صينية.
ويبلغ حجم رادار هذه الطائرة 4 أضعاف، أو أكثر، من رادارات طائرات F-16 وMiG-29 وRafale التابعة للقوات الجوية المصرية، كما أنه أكثر تطوراً بشكل ملحوظ.
كما تُعد J-16 من أطول الطائرات المقاتلة مدى في العالم، إذ يتجاوز مداها بالوقود الداخلي أي طائرة مقاتلة أخرى من الجيل نفسه في العالم الغربي.
وتُصنف المقاتلة J-10C (الملقبة بـ"التنين الجريء") وفق تقييمات المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS) كمقاتلة من الجيل المعزز "4.5" خفيفة الوزن ومتعددة المهام، وتتميز بتصميم جناحي يدمج بين جناح دلتا والأجنحة الأمامية الصغيرة (Canards) لمنحها قدرة عالية على المناورة فائقة المرونة.
بحسب البيانات التقنية التي نشرتها الشركة الصينية لصناعة الطيران (AVIC)، تمتلك المقاتلة الصينية راداراً للمسح الإلكتروني النشط (AESA)، ومحركات WS-10 صينية الصنع، بالإضافة إلى قدرتها على حمل صواريخ "جو - جو" بعيدة المدى من طراز PL-15.
وترى تحليلات أميركية أن المقاتلة J-10C لم تعد مجرد مقاتلة للدفاع الجوي المحلي، بل أصبحت منصة تصديرية استراتيجية أثبتت جدارتها بعد دخولها الخدمة فعلياً لدى سلاح الجو الباكستاني، ما يجعلها منافساً مباشراً للمقاتلات الغربية مثل F-16 الأميركية وRafale الفرنسية في سوق السلاح العالمي.
في المقابل، تمثل المقاتلة J-35 (التي طورتها شركة شنيانج) الخطوة الأكثر طموحاً للصناعات الجوية الصينية.
وبحسب التقييم الصادر عن وزارة الحرب الأميركية (البنتاجون)، فإن J-35 مقاتلة شبحية متوسطة الوزن من الجيل الخامس، جرى تطويرها لتعمل من على متن حاملات الطائرات الصينية المزودة بنظام الإطلاق الكهرومغناطيسي (EMALS)، مثل الحاملة "فوجيان"، إلى جانب وجود نسخ تعمل من القواعد الجوية التقليدية براً.
ويعتمد تصميم J-35 على تقليل البصمة الرادارية، عبر تحسين زوايا جسم المقاتلة، ومنافذ الهواء، ما يمنحها قدرة شبحية عالية تمكنها من اختراق المجال الجوي المعادي دون اكتشافها بسهولة.
التناغم التكتيكي.. تكامل الجيلين
وتبرز أهمية هذين الطرازين (J-10C وJ-35) في عقيدة بكين الجوية من خلال مفهوم التناغم والتكامل العسكري؛ حيث نقلت صحيفة "Global Times" الصينية الرسمية عن خبراء عسكريين ومحللين في معاهد الطيران ببكين، أن سلاح الجو لا يعتمد فقط على الطائرات الشبحية الثقيلة، بل يحتاج إلى توزيع أدوار، يتكامل فيه الجيل الخامس مع الجيل الرابع المتطور.
وفي هذا السيناريو التكتيكي، تستطيع المقاتلة J-35 قيادة اختراق الدفاعات الجوية والرصد المبكر بفضل شبحيتها وأنظمتها التي تدمج المستشعرات، بينما تقوم مقاتلات مثل J-10C بحمل حمولات أثقل من الذخائر والصواريخ للمشاركة في فرض السيطرة الجوية وتدمير الأهداف المتبقية بتكلفة تشغيلية واقتصادية أقل.
وتتجاوز القفزة التقنية في المقاتلتين مجرد التصميم الخارجي لتلامس استقلالية الصين التكنولوجية؛ حيث تشير أبحاث مؤسسة "راند" الأميركية إلى أن نجاح الصين في تزويد طائراتها الحديثة بمحركات سلسلة WS الوطنية يشير إلى تجاوز عقبة الاعتماد التاريخي على المحركات الروسية. وهي المحركات التي طالما اعتمدت عليها القوات الجوية الصينية حتى تمكنت من صناعة محركاتها المحلية.
وهذا التحول لا يمنح بكين مرونة عالية في الإنتاج والتحديث السريع أثناء الأزمات فحسب؛ بل يعزز قدرتها على تصدير سلاحها دون الخضوع لقيود خارجية، مما يجعل التنافس على السيادة الجوية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ يدخل مرحلة جديدة من التكافؤ التكنولوجي.
بالإضافة لذلك، سمحت الصين لحليفتها باكستان بالوصول إلى بعض شفرات المصدر، أو بإضافة واجهات برمجية خاصة بها على الأسلحة، وهو ما ترفضه كل الدول الغربية للحلفاء في الشرق الأوسط، مع استثناء وحيد لإسرائيل.
كما أن تكلفة ساعة طيران المقاتلة الصينية الخفيفة J-10C تتراوح ما بين 15 و20 ألف دولار، وهو مستوى اقتصادي مكافئ تقريباً لمقاتلة F-16 الأميركية التي ترتفع تكلفة ساعة الطيران بها إلى نحو 27 ألف دولار للساعة، في الطرازات الأكثر تطوراً.
كما تتميز المقاتلات الصينية بالتركيز على نمط "الوحدات المعيارية القابلة للاستبدال Line Replaceable Units – LRUs ، خاصة في الرادارات وأنظمة التحكم الإلكترونية في الطيران، وهو ما يقلل وقت بقاء المقاتلة في حظيرة الطيران، ويسمح للفرق الفنية المحلية بتبديل وحدات إلكترونية دقيقة بشكلٍ سريع.
الرهان الصيني.. مغامرة معقدة
ورغم القفزة التكنولوجية التي حققتها بكين في مجال إنتاج وتطوير الأصول العسكرية الأكثر تعقيداً، مثل المقاتلات، لا تزال متأخرة كثيراً عن منافسيها الغربيين في الاعتمادية.
والاعتمادية، عسكرياً، معيار رئيسي في التسليح، ويتضمن اطمئنان الدولة المشغلة لجاهزية الدولة المصنعة بقطع الغيار اللازمة، وكون الأصل العسكري مجرب مسبقاً في ميادين حقيقية وبدرجة تشغيل كافية ليصبح بديلاً.
وفي المقابل، تتمتع مقاتلات غربية مثل F-16 وF-15 وF-35، وكذلك الرافال وداسو ميراج الفرنسيتين، والتايفون الأوروبية، بسلسلة طويلة من التجارب الفعلية في ميدان المعركة، وعقود من التطوير المستمر وسلاسل إمداد موثوقة من ناحية قطع الغيار، والحزم التسليحية، وأعمال العمرة والصيانة العميقة لأكثر من 4 عقود في دول عديدة.
بينما لم تخض المقاتلات الصينية حرباً واضحة يمكن على أساس نتائجها تقييم الأداء الفعلي، باستثناء المواجهات الجوية والصاروخية بين الهند وباكستان العام الماضي، وهي المواجهات التي أثبتت فيها مقاتلة J-10C الباكستانية قدرات كبيرة في مواجهة الرافال الفرنسية وسوخوي وميج الروسيتين.
الخبرة المفقودة.. أزمة الطواقم الفنية
العائق الثاني أمام إحلال منتجات صينية محل المنتجات الأميركية هو عمق الاعتماد طيلة نحو 40 عاماً على مخازن قطع غيار وورش فنية وتدريبات متنوعة في مصر على الطرازات الأميركية التي تشغلها القاهرة.
لذلك فإن الانتقال إلى تشغيل مقاتلات صينية، سوف يخفف العبء كثيراً على المقاتلات الأميركية المتقادمة، لكنه في الوقت نفسه سيلقي ضغطاً هائلاً على البنية التحتية للقواعد الجوية المصرية، وورش الصيانة وبرامج تخزين الذخائر وقطع الغيار، فضلاً عن بناء خبرة من الصفر تقريباً، لطواقم الدعم الفني والطيارين أنفسهم.
وتستخدم القوات الجوية حول العالم معيار MRO الذي يشير إلى Maintenance, Repair, and Overhaul، وهو معيار يركز على توافر مراكز صيانة وإصلاح وعمرة للمحركات، لتحديد جدوى وجود مقاتلة من عدمه. فعدم وجود بنية تحتية مترابطة مخصصة للمقاتلات الصينية، قد يجعلها عبئاً كبيراً على الطواقم الفنية والأرضية، بدلاً من تحويلها إلى ميزة قتالية في الجو.
في المقابل، تطرح الصين نموذج باكستان كتصور عام، وهو النموذج الذي أقامت فيه الصين خطوط دعم فني متزامنة في إطار شراكة مع مجمع الطيران الباكستاني العسكري PAC Kamra، ما سمح للطواقم الفنية الباكستانية بإجراء صيانة عميقة محلياً دون الحاجة لإعادة الطائرات، أو أجزاء منها للصين لإجراء الفحص الفني والصيانة.
وعلى الرغم من وضع "الحليف القريب" لإسلام آباد بفضل القرب الجغرافي بين باكستان والصين والعلاقات المتراكمة منذ عقود، إلا أن ذلك لم يعن استغناء باكستان عن المقاتلات الأميركية F-16 التي تبقيها في قواعد منفصلة بطلبٍ أميركي، وتشارك تحت قيود في العمليات العسكرية.
عقبة التدريبات المطولة
ويحتاج الطيار، الذي يقود المقاتلات الأميركية التي تشغلها مصر، إلى 5 أنواع من التدريبات، منها التدريب الأساسي والمتقدم، وهو تدريب عام على الطيران، وتستخدم مصر طائرات تدريب مثل k-8E الصينية وAlpha jet لتدريب طياريها المبتدئين أكاديمياً.
بعدها تبدأ عمليات فرز واختيار الطيارين، وتحديد الطرازات التي سوف يستخدمونها، وتجري مصر باستمرار دورات تأهيل لطياريها المخصصين للتحليق بمقاتلات F-16 في مراكز تدريبية معدة مسبقاً، وكذلك عبر دورات تدريبية مشتركة في مصر وخارجها، وتشمل نحو 90 ساعة طيران فعلية، ونحو 70 ساعة على المحاكيات.
بعد هذه الدورة تأتي دورة MQT وهي التأهيل للقتال في تشكيلات الأسراب، ويطير الطيار المصري خلالها عشرات الساعات للتدرب على تكتيكات القتال الخاصة بسلاح الجو المصري لهذه الفئة من المقاتلات.
وبعد ذلك، يحتاج الطيار عادةً إلى ما بين 200 و250 ساعة طيران على مقاتلة F-16 لاستكمال التأهيل العملياتي الأولي والانتقال إلى مهام القتال. كما يتطلب الحفاظ على مستوى عالٍ من الجاهزية أن ينفذ الطيار ما بين 120 و150 ساعة طيران سنوياً.
بالمقابل، تعتمد الصين جدولاً زمنياً أقصر وأكثر كثافة لتدريب الطيارين على مقاتلات J-10C إذ تبدأ بالتدريب المتقدم المباشر، مع إلغاء المراحل التمهيدية والمتوسطة، وتستخدم فوراً طائرات تدريب متقدمة من طراز JL-10 ومقاتلات J-10 ثنائية المقعد لاختصار وقت التدريب المطول.
وحسب التجربة الباكستانية مع الصين، يتلقى الطيار المقاتل من الدول الأجنبية قرابة 100 ساعة طيران على مقاتلات J-10C تغطي مهارات التحكم والطيران والقتال الجوي القريب والبعيد والهجوم الأرضي.
أما الوصول لدرجة الاحتراف فيفرض على الطيار ما يتراوح بين 180 و220 ساعة طيران ليعتبر جاهزاً للمهمة. وكذلك تلزم القوات الجوية الصينية طياريها بالطيران بمعدل 160 إلى 200 ساعة طيران سنوياً لحفظ التكتيكات القتالية الصينية وترسيخ مهارات القتال المشترك.
ورغم أن خبرة الطيار على المقاتلات النفاثة تقلص بشكلٍ كبير عدد الساعات المطلوبة للانتقال إلى طرازات مختلفة، إلا أن التدريب العميق يعد إلزامياً بشكلٍ متزايد، خاصة مع إدخال منظومات قتالية جديدة بالكامل إلى قوات جوية يمثل التسليح الغربي عمودها الفقري، مثل القوات الجوية المصرية.
التجارب الدولية.. الاعتمادية تتجه غرباً
حتى الآن لا تزال الصناعات الجوية الأميركية والأوروبية والروسية هي الأكثر اعتمادية لدى الغالبية الكاسحة من الجيوش حول العالم، إذ لم تلجأ أي قوات جوية ذات قدرات معتبرة حول العالم لاستبدال كامل سلاحها الجوي من السلاح الغربي إلى الصيني مباشرة.
ولا تزال صادرات الصين في هذا المجال بطيئة الخطى، خاصة مع استهلاك القطاع الدفاعي المحلي في الصين لغالبية المنتجات العسكرية، مع التشكيك الغربي المتزايد في المواصفات المعلن عنها من جانب بكين.
وبالمقابل هناك تجارب دولية لتشغيل مقاتلات متنوعة المصدر، مثل تجارب مصر التي تشغل بالفعل مقاتلات روسية وأميركية وفرنسية مع طائرات تدريب صينية وإيطالية في الوقت نفسه لعقود.
وقد تبدو المقاتلات الصينية إضافة حقيقية للقوات الجوية المصرية، خاصة المقاتلات ذات القدرات "جو – جو" العالية مثل J-10C التي تمتلك واحداً من أنجح صواريخ "جو - جو" في الترسانة الصينية PL-15.
وكذلك اقتناء مقاتلات سيادة جوية بقدرات تسليحية وتكنولوجية هائلة مثل J-35 ، فضلاً عن احتمالية وجود مقاتلات شبحية ولو بمواصفات أقل من F-35 الأميركية، فإن هذه الخطوات سوف تقلص كثيراً فارق القدرات بين مصر وجارتها إسرائيل. وتضع فكرة "التفوق الجوي الإسرائيلي الكامل"، تحت اختبار شديد الصعوبة.
ورغم هذه المزايا، فإن الإقدام على هذه الخطوة قد يضع القوات الجوية المصرية أمام تحديات معقدة. فعلى الصعيد السياسي، قد يعرّض القاهرة لعقوبات بموجب قانون "كاتسا" (CAATSA)، الأمر الذي قد يقيّد التعاون العسكري مع الولايات المتحدة، ويؤثر في إمدادات قطع الغيار والدعم الفني اللازمة للحفاظ على جاهزية المقاتلات الأميركية التي تشكل العماد الرئيس لسلاح الجو المصري، فضلاً عن مروحيات الأباتشي. كما قد يعقّد أي صفقات مستقبلية لشراء أو تطوير منظومات وتسليح أميركية متقدمة.
ويكمن السبب الثاني، فنياً، في أن افتقار سلاح الجو المصري لقوته الضاربة، إذا توقفت سلاسل الإمداد الأميركية، سيلقي على الجانبين الصيني والمصري عبء القيام بمجهود هائل لتعويض أكثر من 200 مقاتلة أميركية في وقتٍ قياسي، وداخل منطقة تعيش فعلياً تحت شبح الحروب الشاملة.
ويجري الحديث هنا عن اختبار للجانبين، أولاً لقدرة الصين التصنيعية في هذا القطاع الحساس على إنجاز هذا العدد الذي قد يستغرق إنتاجه وتسليحه والتدريب عليه سنوات طويلة.
وثانياً، اختباراً لقدرة سلاح الجو المصري على العمل في اتجاهين متعاكسين، الأول العمل تحت ضغط قطع الإمداد الأميركي الذي تعتمد عليه القوات الجوية لعقود، والثاني إنشاء ورش صيانة ومخازن وتدريب آلاف العاملين العسكريين على التكنولوجيا الصينية، التي لم تتعرض لاختبار استدامة على نطاقٍ واسعٍ بعد.
التفاوض بالورقة الأصعب
وقد تستخدم القاهرة تنامي العلاقات مع بكين عسكرياً، كورقة للتفاوض من الحد الأقصى لإقناع واشنطن بعواقب استمرار رفضها المزمن لتوريد مقاتلات F-15 لها، وكذلك استمرار تعطيل التحديثات المطلوبة لمقاتلات يعمل بعضها بتكنولوجيا تعود لأربعين عاماً مضت.
وسبق أن استخدمت القاهرة مثل هذا السلاح للتخلص من الضغوط الأميركية، فرغم أنها لم تحصل على SU-35 الروسية بعد اتفاقٍ مع موسكو، فإنها حصلت على نحو 50 مقاتلة MIG29MM بمواصفات خاصة، جعلت موسكو تصدر ذات المقاتلة باسم MIG-35، وذلك بعد توتر العلاقات العسكرية بين القاهرة وواشنطن بعد 30 يونيو 2013.
وتبحث القاهرة بشكلٍ مكثف عن تجديد شباب سلاحها الجوي، وتبقى المقاتلات الأميركية المتقادمة هي العقدة الأصعب، والحل الأسهل في الوقت نفسه.
فإذا حصلت القاهرة على ترقيات موسعة لأسطولها الضخم، سوف تفتح الباب لإزاحة عبء كبير عن كاهلها، كونها تملك بالفعل الخبرة والعدد والموارد البشرية واللوجيستية للتعامل مع الطرازات الأميركية، سواء بترقية F-16 أو بالطموح الأكبر بترقية المقاتلات القديمة، والحصول على حزمة من المقاتلات الأميركية الثقيلة F-15 التي تحافظ لسلاح الجو المصري على مكانته القوية في المنطقة.









