
بعد عقود من التهميش وطمس الهوية الثقافية، يستعد أكراد سوريا لاستقبال عام دراسي جديد، سيشهد للمرة الأولى في تاريخ البلاد إدراج لغتهم الأم ضمن المناهج التعليمية الحكومية.
وتأتي هذه الخطوة غير المسبوقة بعد مرسوم أصدره الرئيس السوري أحمد الشرع في يناير الماضي، ينص على أن "اللغة الكردية لغة وطنية، ويُسمح بتدريسها في المدارس الحكومية والخاصة في المناطق التي يُشكّل الأكراد فيها نسبةً ملحوظة من السكان، كجزء من المناهج الاختيارية أو كنشاط ثقافي تعليمي".
ومنذ سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، تعيش سوريا سلسلة تحولات سياسية وقانونية وثقافية، كان لملف حقوق الأكراد السوريين حصة وافرة فيها، حيث مُنحت الجنسية لآلاف الأكراد الذين كانوا محرومين منها، واعترفت الحكومة بـ"عيد النوروز" عطلة رسمية. كما تم الإعلان مؤخراً عن حل قوات سوريا الديمقراطية "قسد" التي يُشكل الأكراد عمودها الفقري، ودمجها في المؤسسات العسكرية والأمنية.
وفي ضوء التغييرات التي طالت النظام التعليمي، تواجه وزارة التربية والتعليم السورية تحديات تتجاوز إصدار قرار إدراج الكردية في النظام التعليمي إلى وضع المناهج، وتوفير المعلمين، وتحديد آليات التطبيق داخل المدارس.
ترحيب كردي
وفي حديث لـ"الشرق" بشأن التحولات التي يشهدها المكون الكردي في سوريا، اعتبرت سوسن حرستاني، منسقة المناهج بوزارة التربية، أن "جميع أطياف الشعب السوري "أمانة في ذمة الدولة السورية. وبالتالي تأتي مهام الوزارة بإدراج اللغة الكردية في المدارس".
من جانبها، قالت سمر ديركي، وهي معلمة من أكراد سوريا، "لا يمكن وصف مدى سعادتنا، فنحن كشعب كردي عانينا كثيراً حتى حافظنا على لغتنا وثقافتنا وهويتنا الكردية. ومع هذا القرار بإدراج اللغة الكردية في المناهج، لا يمكن أن نصف قدر فرحتنا بأن الدولة نفسها باتت تساعدنا في إثبات هويتنا كمواطنين سوريين نعيش تحت سقف سوريا واحدة، لنحافظ على ثقافتنا وتراثنا".
أما أحمد معاذ يعقوب، الباحث المختص بالشأن الكردي، فوصف إدراج اللغة الكردية عقب صدور المرسوم رقم 13 الذي اعتبرها لغة وطنية كسائر اللغات، بـ "إنجاز عظيم، ليس للأكراد فحسب، بل لجميع المكونات السورية، وللتعددية ولسوريا جديدة حرة لكل مكوناتها".
وأضاف يعقوب: "في السابق خلال عهد النظام البائد وخاصة بعد انقلاب عام 1963 ومجيء حزب البعث إلى السلطة، كانت اللغة الكردية ممنوعة منعاً باتاً، حتى مجرد التحدث بها في المدارس وأحيانا في الوظائف العامة. فجاء المرسوم الرئاسي باعتبار الكردية لغة وطنية، وأصبحت بذلك لغة يُسمح بالتحدث بها والتعبير من خلالها عن الثقافة والكتابة".
إجراءات تنفيذية
في 26 يناير الماضي، أصدرت وزارة التربية والتعليم السورية، التعليمات التنفيذية الأولى لتطبيق المرسوم الرئاسي.
ونصت الخطة حينها على تدريس اللغة الكردية كمادة اختيارية بمعدل حصتين أسبوعياً في جميع الصفوف، مع تسجيل درجاتها ضمن المجموع العام، دون أن تؤثر نتيجتها في النجاح أو الرسوب، كما كلفت الوزارة المركز الوطني لتطوير المناهج بإعداد كتب ومناهج اللغة الكردية لجميع المراحل التعليمية، وحددت مهلة مدتها 6 أشهر لإعدادها واعتمادها وطباعتها.
وفي 27 أغسطس الفائت، عدّلت الوزارة التعليمات التنفيذية، مشيرةً إلى أن اللغة الكردية ستُدرّس بواقع 3 حصص أسبوعياً إلى جانب اللغتين العربية والإنجليزية، مع إدخال درجتها في المجموع النهائي للدرجات، كما أضيفت حصة أسبوعية للأنشطة باللغة الكردية.
ومنح هذا القرار الطلاب خلال أول عام دراسي يطبق فيه هامشاً إضافياً، إذ أتاح لهم حرية اختيار دراسة مواد التاريخ والجغرافيا والفلسفة باللغة العربية أو الكردية، وفق المناهج المعتمدة، وحدد القرار هذا الخيار بالسنة الدراسية الأولى بوصفها مرحلة انتقالية.
أين ستُدرس اللغة الكردية؟
لم يفرض القرار تدريس اللغة الكردية في جميع المدارس السورية، إنما ربط تطبيقه بالمناطق التي يشكل فيها الأكراد "نسبة ملحوظة من السكان".
وبحسب القرار، يشمل ذلك المدارس الحكومية والخاصة وفي جميع المراحل التعليمية، على أن تُحدد الجهات التربوية المدارس، والحاجة إلى الكوادر، وفق الواقع المحلي.
ويتوزع الأكراد السوريون في عدد من مناطق سوريا، حيث يتركزون بشكل رئيسي في شمال وشمال شرق البلاد، ولا سيما الجزيرة وعفرين ومنطقة عين العرب "كوباني"، إضافة إلى وجود كردي كبير في مدينتي حلب ودمشق، وتُقدر مصادر حقوقية نسبتهم بنحو 10% من سكان سوريا، لكنها تؤكد في الوقت نفسه عدم وجود إحصاء رسمي موثوق للمكونات السورية.
ولذلك فإن تحديد المدارس المشمولة بالقرار لا يتعلق بالهوية فقط، بل يحتاج أيضاً إلى آلية إحصائية وإدارية حتى لا يتحول معيار "النسبة الملحوظة" إلى مصدر جديد للخلاف.
ورغم تقديم القرار بوصفه تحولاً جديداً في التعليم السوري الرسمي، فإن تدريس الكردية لم يبدأ من الصفر داخل سوريا. فبعد عام 2011، وضعت الإدارة الذاتية الكردية في شمال وشرق سوريا نظاماً تعليمياً خاصاً بها، وأدخلت اللغة الكردية في العملية التعليمية، إلى جانب العربية والسريانية في بعض المناطق، لكنها بقيت منفصلة عن نظام التعليم الحكومي السوري من حيث المناهج والإدارة والاعتماد.
لعل من أكبر التحديات التي يواجهها قرار إدراج الكردية ضمن المناهج هو إنتاج منهج كردي رسمي قادر على العمل داخل منظومة التعليم السورية.
وفي 29 يناير الماضي، بدأ المركز الوطني لتطوير المناهج التربوية العمل على إعداد مناهج اللغة الكردية لمختلف المراحل، بعد تشكيل لجنة متخصصة من خبراء لغويين وتربويين.
وأعلنت وزارة التربية والتعليم السورية أن عملية الإعداد والاعتماد والطباعة يفترض أن يتم إنجازها خلال 6 أشهر، كما فتح المركز باب المشاركة أمام الراغبين في تأليف المناهج، واشترط في المتقدمين الحصول على إجازة جامعية ودبلوم تأهيل تربوي، وإتقان اللغة الكردية كتابة وقراءة وقواعد، إلى جانب الخبرة في تأليف المناهج واستخدام برامج الحاسوب.
وكلفت الوزارة مديرية التعليم ومديرية الإشراف التربوي بتوفير الكوادر اللازمة، مع فتح الباب أمام مدرسين من داخل الإطار الحكومي أو خارجه.
وشملت الشروط الحاصلين على إجازة جامعية أو شهادة معهد إعداد المدرسين ممن يتقنون الكردية، مع إمكانية الاستعانة بحملة الشهادة الثانوية عند الضرورة وبحسب الحاجة الفعلية. كما اشترطت الوزارة اجتياز اختبارات كتابية وشفهية للتأكد من مستوى إتقان اللغة.
وفي 17 أغسطس الفائت، أعلنت الوزارة رسمياً استقطاب معلمين لتدريس الكردية، وأكدت أن التحقق من الكفاءة اللغوية سيتم عبر اختبارات كتابية وشفهية وفق معايير موحدة.









