
رغم صدور النتائج الأولية للانتخابات البرلمانية، في وقت سابق من الشهر الجاري، فإن العراق لا يزال في "مرحلة المخاض"، في ظل اتهامات بـ"عدم الحياد" من الأطراف الخاسرة، رغم صدور تقرير لمجلس الأمن هنأ فيه بنجاح العملية الانتخابية، قبل حسم نتائج الطعون.
اندلعت احتجاجات طالبت بإعادة الفرز والعد اليدوي للنتائج، فضلاً عن رفض المفوضية العليا، 322 طعناً، السبت، من بين 340 طعناً عُرضت على مجلس المفوضين، لأسباب عدة، أهمها خلو الطعن من الدليل، بينما وافقت على إعادة العد والفرز اليدوي لـ234 مركزاً انتخابياً مطعون بها، بناءً على 18 طعناً، "كونها جاءت مدعمة بالأدلة".
وأجريت الانتخابات في العاشر من أكتوبر الجاري، إذ اختار العراقيون 329 نائباً جديداً في انتخابات تشريعية مبكرة، لكن ما أن تم إعلان النتائج، حتى ظهرت اعتراضات ساهمت في زيادة المخاوف على استقرار البلاد، وزادت من ارتباك المشهد السياسي.
ولا زالت المفوضية تنظر في الطعون التي قدمت إلى مجلسها، بعد أن أعلنت في نتائج أولية تحقيق التيار الصدري، الكتلة التابعة لرجل الدين الشيعي مقتدى الصدر، تقدماً كبيراً.
وصنفت مفوضية الانتخابات الشكاوى الانتخابية إلى 3 أقسام، أولها الحمراء التي يتعلق موضوعها بمخالفات خطيرة قد تؤثر على نتائج الانتخابات، إذا ما ثبت صحتها، أما الخضراء فهي لا تؤثر على النتائج، لكن يجب التحقيق فيها، فيما الصفراء التي يتم رفضها فوراً لافتقارها لشروط شكلية وموضوعية.
وأوضحت المفوضية في بيان، السبت، أنها ستكمل النظر بجميع الطعون خلال يومين، بعد الانتهاء من نظر ثلثي الطعون التي تم تقديمها.
وقال مسؤولون في مفوضية الانتخابات، إن حجم تأثير الطعون التي سيتم فرزها بالعد اليدوي لا يزال غير معروف، حتى انتهاء عملية العد والفرز، موضحين أن تلك العملية تكون بحضور ممثلي المرشحين المتنافسين في هذه المحطات، وفق مواعيد وإجراءات وآليات يتم تحديدها لاحقاً والإبلاغ عنها قبل مدة مناسبة.
مراحل الطعون
من جانبه، قال عماد جميل، عضو الفريق الإعلامي لمفوضية الانتخابات، في تصريحات صحافية، أوردتها وكالة الأنباء العراقية "واع" إن المفوضية قبلت "الطعون التي تضمنت وثائق وأدلة، وهي بذلك أصبحت قانونية، وسيتم إعادة فرزها وعد أصواتها يدوياً، وأكملنا النظر بثلثي الطعون المقدمة من أصل 1400 طعن، وسنكمل النظر بالعدد الكلي خلال يومين".
وأوضح جميل أن توصيات مجلس المفوضين بشأن قبول الطعون أو ردها "تُرفع إلى الهيئة القضائية بمفوضية الانتخابات، في حين تُعرض على 3 قضاة في الهيئة القضائية، لاتخاذ قرارات ملزمة"، مشيراً إلى أن العملية ستستغرق 20 يوماً، بما فيها مدة الأيام الثلاثة الأولى الخاصة بتلقي الطعون.
وأكد أنه في حال وجود تلاعب بالنتائج، فإن الموظفين "سيحالون للقضاء، وقد يُتخذ قرار بإلغاء جميع أصوات المركز الانتخابي، حال وجود تلاعب فيها".
ولفت إلى أن نتائج الفزر اليدوي "ستعتمد" في حال ظهر اختلاف بناءً على الطعون، وربما يحدث تغيير بنتائج المراكز المطعون بها إن ثبت وجود تلاعب.
وبدأت المفوضية، قبل 4 أيام، باستقبال أدلة الطعون التي قدمها ممثلو الكتل السياسية والأحزاب والكيانات والمرشحين المستقلين، على نتائج الانتخابات البرلمانية العراقية.
في حين أوصت المفوضية، السبت، برفض 322 طعناً على نتائج الانتخابات، من بين 340 طعناً عرضت على مجلس المفوضين، لأسباب عدة أهمها خلو الطعن من الدليل، وفق بيان للمفوضية نقلته وكالة الأنباء العراقية (واع).
اعتصام المعترضين
في المقابل، احتشد المئات من أنصار ومؤيدي الكتل السياسية الشيعية الخاسرة في الانتخابات البرلمانية، قرب إحدى بوابات المنطقة الخضراء في بغداد، السبت، مطالبين بإعادة العد والفرز اليدوي في جميع المراكز الانتخابية.
وينظم مؤيدو تلك الكتل اعتصاماً مفتوحاً، منذ 6 أيام، احتجاجاً على نتائج الانتخابات، رافعين شعارات مفادها أن أمام الحكومة الحالية مهلة لإعلان نتائج الانتخابات، وهددوا باقتحام المنطقة الخضراء حيث مقر مفوضية الانتخابات العراقية إن لم تعلن النتائج قبل انتهاء المهلة.
وبحسب مصدر أمني عراقي لـ"الشرق"، فإن "القوات الأمنية تفرض طوقاً أمنياً مشدداً، لحماية المنطقة الخضراء، مع إغلاق جميع بواباتها تحسباً لأي طارئ قد يقع".
من جانبه، قال زعيم التيار الصدري، السبت، إن "جرّ البلد إلى الفوضى وزعزعة السلم الأهلي" من جانب المعترضين على نتائج الانتخابات التشريعية العراقية يُعد "أمراً معيباً" يزيد من تعقيد المشهد السياسي والوضع الأمني، مؤكداً أن القبول بالنتائج سيؤدي إلى استقرار وأمن العراق.
وأوضح في بيان على صفحته في "تويتر"، أن تأييد مجلس الأمن لنتائج الانتخابات العراقية "يعكس صورة جميلة للديمقراطية العراقية من جهة، ويعطي الأمل بإذعان الأطراف التي تدعي التزوير في تلك العملية الديمقراطية من جهة أخرى".
"خروج عن الحيادية"
انتقد تحالف الفتح، السبت، البيان الصادر عن مجلس الأمن الدولي بشأن الانتخابات العراقية، مؤكداً رفضه لأي تدخل خارجي في كل ما يتعلق بالانتخابات.
وقال التحالف في بيان أوردته وكالة الأنباء العراقية (واع): "فوجئنا ببيان مجلس الأمن الذي هنأ بنجاح الانتخابات قبل أن تحسم الطعون القانونية، على الرغم من الاعتراضات الكثيرة من غالبية القوى السياسية والمرشحين".
وأشار إلى أن ذلك "يُخرج المنظمة الدولية وبعثتها عن الحيادية، ويثير التساؤلات حول دورها فيما جرى ويجرى، خاصة أن المراقبين الدوليين والمحليين، لا سيما بعثة الاتحاد الأوروبي، قد سجلت العديد من المخالفات في يوم الانتخابات واعلان النتائج".
وأكد التحالف أن الاستجابة لمطالب الجماهير والقوى السياسية بإعادة العد والفرز اليدوي لجميع المحطات "حق لن نتنازل عنه أبداً، كما أشار إليه القانون ونرفض أي تدخل خارجي في كل ما يتعلق بالانتخابات".
"اقتراع سلمي"
وكان مجلس الأمن أصدر بياناً، الجمعة، هنأ فيه العراقيين، مثنياً على دور المفوضية لإجرائها انتخابات سلمية.
وجاء في البيان: "يرحب أعضاء المجلس بالتقارير الأولية التي تفيد بأن الانتخابات المبكرة سارت على نحو سلس، وتميزت عن جميع الانتخابات التي سبقتها بإصلاحات فنية وإجرائية مهمة".
وأثنى أعضاء مجلس الأمن، وفق البيان، على المفوضية لـ"إجرائها انتخابات سليمة من الناحية الفنية، وعلى حكومة العراق لتحضيراتها للانتخابات، وكذلك على بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي) لتقديمها المساعدة الفنية للمفوضية وتوفير فريق لمراقبة الانتخابات، لتعزيز العملية الانتخابية والشفافية".
في حين هنأ الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، العراقيين بإجراء الانتخابات، مؤكداً في بيان نُشر في 13 من الشهر الجاري، أن "احترام النتائج مهم لاستقرار العراق".
من جانبه، قال الناطق الرسمي للاتحاد الأوروبي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لويس ميجيل بوينو، في تغريدة عبر حسابه في تويتر: "أنتجت جهود السلطات الانتخابية والقوات الأمنية اقتراعاً سلمياً ومنظماً بقدرٍ كبير".
وأضاف ميجيل: "من المهم أن تتقبل جميع الأطراف الفاعلة النتائج، وأن يتم التعامل مع كافة الدعاوى بشأن ارتكاب مخالفات بشكل سريع من خلال الإجراءات المتوفرة".
النتائج الأولية
وكان التيار الصدري أعلن تصدره نتائج الانتخابات العراقية بـ73 مقعداً في البرلمان الجديد، من بين إجمالي 329 مقعداً في البرلمان، مقابل 54 في عام 2018، وفق تعداد لعدد المرشحين الفائزين والنتائج الأولية للمفوضية العليا للانتخابات.
وبحسب المؤشرات الأولية للنتائج، فقد حصدت كتلة "تقدم" السنية برئاسة محمد الحلبوسي، رئيس البرلمان الحالي، المركز الثاني بواقع نحو 38 مقعداً، تليها كتلة رئيس الوزراء السابق نوري المالكي "ائتلاف دولة القانون" في المركز الثالث، والتي حصدت 37 مقعداً.
وتعد تلك الانتخابات الخامسة من نوعها، منذ الغزو الأميركي للعراق في عام 2003، إذ أجريت الانتخابات في وقت مبكر عن موعدها، استجابة لمظاهرات حاشدة شهدتها البلاد لعدة أشهر وطالبت بإصلاح سياسي.
ودُعي نحو 25 مليون شخص يحق لهم التصويت للانتخاب من بين أكثر من 3200 مرشح، ولكن نسبة المشاركة الأولية بلغت نحو 41% وفق ما أعلنت المفوضية العليا للانتخابات، مستندة إلى نتائج 94% من مراكز الاقتراع.
وتمت الدعوة لانتخابات هذا العام قبل موعدها الأساسي في عام 2022، بهدف تهدئة غضب الشارع بعد الاحتجاجات الشعبية، التي اندلعت في خريف 2019 ضد الفساد وتراجع الخدمات العامة والتدهور الاقتصادي، في بلد غني بالثروات النفطية.




