2021.. عام غيّر وجه التوظيف وبيئات العمل حول العالم | الشرق للأخبار

2021.. عام غيّر وجه التوظيف وبيئات العمل حول العالم

time reading iconدقائق القراءة - 15
 شهدت بيئات العمل تحولات جوهرية خلال جائحة كورونا - Getty Images
شهدت بيئات العمل تحولات جوهرية خلال جائحة كورونا - Getty Images
القاهرة-

على مدار عامين من الجائحة شهدت بيئات العمل واتجاهات التوظيف حول العالم، لاسيما لدى ذوي الياقات البيضاء، عمليّة إعادة تعريف جذرية، بلغت أوجها في 2021، إذ يستعد العام للرحيل وفي يده الملايين من الموظفين المستقيلين في أكثر من قُطر حول العالم، فيما عُرف بموجة الاستقالات الكبرى.

غير أن تلك الموجة ليست الظاهرة الوحيدة التي بصمت عاماً فارقاً في مجال التوظيف والعمل، نستعرض أبرزها في هذا التقرير.

تراجع شعبية "الهجين"

لا يشهد الجيل الواحد تحولات عديدة في بيئة العمل، فعلى مدار الـ3 قرون الأخيرة، شهدت بيئات العمل تحولات جوهرية معدودة، إبان الثورة الصناعية، والحروب العالمية، وثورة الاتصالات والرقمنة، وأخيراً بالتزامن من الجائحة التي أرسلت الموظفين في بادئ الأمر للعمل من منازلهم، ثم ما لبثت أن أعادت بعضهم إلى العمل من المكاتب، وأبقت على آخرين يعملون عن بُعد، فيما عُرف بصيحة "العمل الهجين".

وعلى الرغم من أن تصاعُد الحديث عن "العمل الهجين"، كمستقبل لبيئات العمل في ظل الجائحة وما بعدها قد بدأ أواخر العام الماضي، إلا أن تراجُع شعبية ذلك النموذج من بيئات العمل بالنسبة للموظفين والمدراء تُعد من ظواهر عام 2021.

وفي حين تُعد المشاكل اللوجيستية، أحد أبرز عوائق النموذج الهجين، فإن التحدي الأبرز تمثّل في صعوبة متابعة الموظفين مسارهم المهني المرسوم في هذا السياق الفوضوي.

وبحسب دراسة أجرتها مجلة هارفارد بيزنس ريفيو، فإن الجائحة أسهمت في تقليص الشبكة الاجتماعية والمهنية للفرد الواحد بنسبة 16% (أو بما يعادل 200 شخص)، ما يعني تراجُعاً حاداً في المهارات الإبداعية والمعرفية لدى الموظفين، فضلاً عن اضطرار الراغبين في الترقي للتواجد بالمكاتب بشكل أكبر، حتى يتذكرهم المدراء.

ولم ينقض النصف الأول من العام، حتى أصبح الحديث في أوساط الإدارة عالمياً عن مساوئ "العمل الهجين" أعلى صوتاً، ففي تدوينة نشرت يوليو الماضي بمدونة ماكينزي، أقر باحثون بشركة الاستشارات الإدارية الأميركية بأنه أكثر تعقيداً من العمل عن بُعد، وأن تصحيح وضع ذلك النموذج قد يستغرق أعواماً، كما أنه يدفع المزيد من الموظفين لحالة من عدم الرضا الوظيفي.

وفي حديثه لـ"الشرق"، أرجع خبير الإدارة المصري، محمد حسام خضر، صعوبة تخلي الشركات عن نموذج العمل الهجين في المستقبل القريب، إلى أنه ينطوي على المزيد من أساليب الراحة، ودرجة أكبر من التوازن بين العمل والحياة الاجتماعية، ومن ثم يُصعب التخلي عنه، لا سيّما أنه أصبح أحد عناصر التنافسية بين الشركات في سياق الفوائد غير المادية التي يتلقاها الموظفون.

واعتبر خضر، أن نجاح ذلك النموذج يتطلّب أن يجري تدريب وتطوير المدراء والمشرفين على أعلى مستوى، وتزويدهم بما يستجد من أدوات لتنظيم العمل، بحيث يستطيعوا التنسيق بكفاءة في ذلك "الوضع الفوضوي".

أكثر من وظيفة

عاد قسم من الموظفين إلى مكاتبهم، بينما واصل آخرون العمل عن بُعد، على الأقل لنصف الأسبوع في نموذج "العمل الهجين"، فكيف استفاد الذين واصلوا العمل من المنزل من دوامهم المرن؟ لقد لجأوا للالتزام تجاه وظيفتين أو أكثر.

الالتزام تجاه وظيفتين، بالتأكيد، ليس بظاهرة مستحدثة ترتبط بظروف العمل التي خلقتها الجائحة فحسب، غير أن ما استجد خلال عام 2021، أن العمل في وظيفتين، خلسةً، تحوّل إلى ثقافة يدين بها العديدون حول العالم، ويتبادلون النصائح والوصايا للتكيُف والاستفادة من ذلك الوضع قدر الإمكان، والخروج بأقل خسائر إذا افتضح أمرهم.

فخلال العام الجاري، أطلق أحدهم، من الولايات المتحدة الأميركية، إلى جميع الرفاق حول العالم العالقين في وضع الوظيفتين، منصته Over-employed، التي تخدمهم وتمُدهم بالنصائح والخبرات من آخرين أظهروا مهارة في التكيُف مع الوضع وأصبحوا أصحاب خبرة وفلسفة، عبر سلسلة من التدوينات المكثفة التي تناسب جداولهم الضيقة، كما تقدم المنصة استشارات فردية للمتعثرين، إذا لزم الأمر.

"العطاء المحسوب"

"اعمل في وظيفتين عن بُعد، تحظى بالحرية المالية" شعار المنصة الذي يشي بالفوائد المادية الجديرة بتلك المخاطرة، ونمط الحياة السرية التي يحياها أصحاب الوظيفتين في زمن الجائحة، فهم يبقون على الأمر سراً داخل نطاق العائلة، ويحتفظون بحسابات غير مُحدّثة على لينكد إن ومنصات التوظيف، ويستخدمون حاسوبين، ويجتهدون إلى حد بعيد لتنسيق مواعيدهم وجداول الاجتماعات.

ويُعد "العطاء المحسوب"، النصيحة الأبرز والأكثر تكراراً بين تدوينات المنصة، التي اهتمّت بها وسائل إعلام عالمية فكُتب عنها في "وول ستريت جورنال" و"فوربس"، وهي موجهة للملتزمين تجاه الوظيفتين.

وتقول النصيحة إنه كل ما كان أداء الموظف متوسطاً كان أفضل. إذ أن الأداء الاستثنائي يعني أن يكون الموظف أكثر قابلية للتذكُر، ومن ثم تزداد فرصة تكليفه بالمزيد من المهام التي تثقل كاهله في وضع الوظيفتين.

آثار جانبية

ترسخت عام 2021 المخاوف بشأن الخطر الذي يتهدد الصحة النفسية والجسدية للموظفين حول العالم بسبب ظروف العمل، رُبما بشكل أكثر من العام الأول للجائحة.

على الصعيد الجسدي، ظهرت مُصطلحات مثل "Pandemic Posture" أو "وضع الجائحة" (وتشير إلى آلام الظهر المرتبطة بأوضاع الجلوس غير الصحية خلال الجائحة)، و"Quarantine 15" (وتشير إلى الكيلوجرامات الزائدة التي راكمها كثيروت بسبب الحجر المنزلي والإغلاق)، وهي مصطلحات أضحت أكثر تداولاً في بيئات العمل، بوصفها ضرائب جسدية للعمل عن بُعد.

أما على الصعيد النفسي، فبحسب دراسة نشرتها الرابطة الأميركية للطب النفسي في مايو الماضي، فإن الغالبية العظمى من الموظفين الذين يعملون من المنزل جابهوا آثاراً نفسية سلبية، تتراوح من العزلة والوحدة إلى صعوبة الابتعاد عن العمل في نهاية اليوم، فضلاً عن تزايد معدلات القلق المرضي من التعرض للتنكيل المهني إذا سعوا لطلب المساعدة النفسية المختصة، أو طالبوا بالحصول على إجازة لاسترداد عافيتهم العقلية، لا سيما عند الشرائح الأصغر سناً.

 وبالرغم من أن تطبيق الاجتماعات "زووم" كان بطلاً بوصفه التطبيق الأساسي الذي سهل الاجتماعات الافتراضية في ظل الإغلاق، إلا أنه ارتبط في عام 2021 بأحد أشكال اضطرابات تشوه الجسم النفسية، التي أطلق عليها "ديسمورفيا زووم".

وتشير الدراسة إلى أن الساعات الطويلة من التحديق لصورة الشخص في كاميرا حاسوبه الأمامية أثناء الاجتماعات الافتراضية، كانت كفيلة بإصابة الكثيرين بحالة من عدم الرضا عن مظهرهم، والرغبة في إجراء تعديلات عليه، والشعور بالاكتئاب والرغبة في إيذاء الذات إذا لم يتسنى لهم ذلك.

وفي حديث لـ"الشرق"، ربط استشاري الطب النفسي جمال فرويز، الشكل الجديد من اضطراب تشوه الجسم بصورة الجسم في المخ، التي قال إنها تختلف إلى حد بعيد عن صورة الجسم الواقعية، لذا فإن الفترات الطويلة من الجلوس أمام كاميرا الحاسوب تعزز فرصة ظهور أمارات اضطراب تشوه الجسم، لاسيما لدى الشخصيات الوسواسية العصابية، والتي تميل للمُبالغة في تلك العيوب، ورُبما ينتهي بها الأمر للاكتئاب نتيجة عدم الرضا عن الذات.

وتابع الأخصائي النفسي، أن أنماطاً أخرى من الشخصيات وفقاً للتصنيف النفسي اختبرت على خلفية العمل عن بُعد متاعب نفسية من نوع آخر، فالضغوط المهنية خلال تلك الفترة أدت بالعديدين لحالة من الاحتراق النفسي، إذ سبب لهم طول المكوث في المنزل متاعب جسدية واسعة النطاق، ولكنها ذات منشأ نفسي، تتحكم فيها الزيادة والنقصان في كميات النواقل العصبية السيروتونين والأدرينالين.

جيل "زد" في سوق العمل

قبل 2021، كانت التكهُنات تتوقع تأثيراً ضئيلاً لجيل "زد" على بيئة العمل، غير أن الجيل الذي وُلد أفراده في النصف الثاني من التسعينيات وعاشوا ذروة ثورة الاتصالات والإنترنت فكانت طوع بنانهم، بصم سوق العمل بوضوح هذا العام.

على صعيد التوظيف، استدرج أفراد جيل "زد" أقسام الموارد البشرية إلى منصتهم الأثيرة "تيك توك"، التي أضحت تلقب "لينكد إن الجيل زد".

وتحت وسم #TikTokResumes يمكن العثور على العديد من السير الذاتية المصوّرة والفريدة، الموجهة لصائدي المواهب والعاملين في مجال التوظيف، بينما يزخر وسم #CareerTok بآلاف المقاطع المصوّرة، التي يشارك أصحابها الخبرات والنصائح المهنية، على طريقة الجيل "زد".

ليس هذا فحسب، فتأثيرات هذا الجيل على ثقافة العمل حول العالم آخذة في الاتساع، إذ أضحت كافة مناحي الحياة المهنية (بما فيها عدد ساعات العمل) قابلة لمُساءلة جدواها عند أبناء هذا الجيل. كما استبدلوا لغة المخاطبات الرصينة المميزة للعمل داخل المؤسسات الكبرى، بالتهكُم على المدراء و استخدام رموز الإيموجي واختصارات تطبيقات الدردشة في مراسلات البريد الإلكتروني، وتطبيقات تنظيم العمل مثل "سلاك".

وعبر صفحته على فيسبوك "سفير الشغل" والتي يفوق عدد متابعيها المليون، يتقاطع أندرو أشرف بصفة يومية مع أبناء الجيل "زد" الذين يستهدفهم بمنشوراته وإعلاناته عن فرص التوظيف، فضلاً عن نصائح حول سوق العمل.  

وفي حديثه لـ"الشرق"، يفرق أندرو، بين جيل الألفية والجيل "زد" قائلاً: "مواليد الثمانينيات الذين أتعامل معهم أكثر مرونة وقبولاً لظروف العمل، بينما مواليد التسعينات لا يعنيهم أحد، ولديهم أولوياتهم التي لا يتنازلون عنها، فهم لا يقبلون سوى بوظيفة تنطبق عليها الشروط الموضوعة من قبلهم، سواء أكانت ساعات عمل مرنة، أو إمكانية العمل عن بُعد، والرواتب المقبولة حتى مع افتقار سنوات الخبرة".

وبحسب "سفير الشغل"، فإن مدراء هؤلاء الشباب في أوائل عشرينياتهم، يواجهون صعوبة كُبرى في التواصل معهم، فيما تقع على عاتقهم مهمّة إدماج أبناء ذلك الجيل بثقافتهم في النظام، وتفهُم أولوياتهم.

غير أن أندرو يستبعد أن تلقى طُرق الجيل "زد" في التوظيف والإعلان عن ذواتهم عبر سير تيك توك الذاتية رواجاً في الشرق الأوسط في المستقبل القريب، ويتابع: "مازلنا نتعامل مع تيك توك على أنه منصّة نستطيع العثور من خلالها على المؤثرين لأغراض تسويقية، ولم يتحول التطبيق بعد ليصبح منصة لفحص السير الذاتية والفصل بين المتقدمين على الوظائف".

الاستقالة والاستلقاء

رغم أن فقدان الوظائف القسري وعمليات تسريح الموظفين والعاملين حول العالم على خلفية الإغلاق والبقاء في المنازل كانت من مفردات الأشهر الأولى من الجائحة، إلا أن موجة الاستقالات الطوعية المتتالية ونقص العمالة المهنية تعد الظاهرة الأبرز في عام 2021، في الولايات المتحدة، وقطاعات واسعة من أوروبا، والصين.

حينما صك أنتوني كلوتز، أستاذ إدارة الأعمال بجامعة تكساس إي آند إم، في مايو الماضي مصطلح "موجة الاستقالات الكُبرى"، لم يُكن يعلم أنه بحلول أغسطس ستصل الموجة لأوجها بحسب ما نقلت بلومبيرغ، إذ استقال نحو 4.3 مليون موظف خلال الشهر (يمثلون 2.9% من القوى العاملة وفقاً لوزارة العمل الأميركية)، فيما كان أبريل من العام ذاته قد شهد رقماً قياسياً آخر من الاستقالات (4 ملايين)، لم يكُن يتوقع أحد أن يجري تجاوزه.

أوروبا هي الأخرى لم تسلم من تلك الموجة، ولكن رُبما على نحو أخف وطأة، فبحسب ما نقلت منصة بوليتيكو أوروبا، تشير بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، التي تضم تحت لوائها الاقتصاديات الكبرى بأوروبا، إلى أن أسواق العمل فقدت 20 مليون شخص مقارنة بما قبل الجائحة، بينهم 14 مليوناً مصنفون تحت بند "لا يعملون، ولا يبحثون عن عمل". 

غير أن تلك الاستقالات المليونية ليست مُجرد انعكاس للدخول الضئيلة وارتفاع مستويات التضخم فحسب، إذ ربطتها تحليلات عديدة بعوامل أخرى، منها إعادة نظر الموظفين خلال أشهر العمل عن بُعد في توازن الحياة مع العمل، بالتزامن مع حالة من تغير الأولويات، أطلقت عليها صحيفة نيويورك تايمز وصف "اقتصاد.. إنك لا تعيش إلا مرة واحدة".

وفي الصين، اتخذت موجة التخلي عن العمل منحى أكثر روحانية، في الموجة التي وجدت صدى إعلامياً محدوداً على المستوى المحلي، ففي يوليو الماضي نشط الحديث عن مبدأ "تانغ بينغ" على مواقع التواصل الصينية، وفقاً لما نقلت بي بي سي، وتعني بالصينية الاستلقاء بشكل مسطّح.

تناهض "تانغ بينغ" ثقافة العمل شديدة التنافسية، وتتساءل حول جدوى العمل 12 ساعة يومياً على مدار 6 أيام في الأسبوع، قبل أن تكبح وسائل الإعلام الرسمية في الصين تلك التساؤلات، وتعلن عن إغلاق النقاشات في ذلك الصدد.

بدوره، يُقر خبير الإدارة، محمد خضر، أن موجة الاستقالات والتخلي عن العمل قد طالت بالفعل الشرق الأوسط، ولكن بأقل حدّة، ومن ثمّ قد لا يلحظها إلا أرباب عالم الأعمال، لا سيّما في غياب الإحصائيات في هذا السياق، أو التعتيم عليها.

وأرجع ما سبق ذكره إلى قلّة الفرص خاصة في المستويات الوظيفية العُليا، وخوف هؤلاء من عدم العثور على وظيفة بديلة.

من ناحية أخرى، وذكر خضر، أن دوافع مستقيلي الشرق الأوسط تتمثل في الخلل الذي حدث في العقد الضمني بين المؤسسات والموظفين خلال فترة الجائحة، بسبب اهتزاز ثقة الموظفين وشعورهم بالولاء جراء تسريح بعض الموظفين أو تقليل الأجور.

وأضاف: "بعدما أصبح توازن العمل والحياة أولوية، باتت دعوة المؤسسات موظفيها للعودة للعمل من المقار حافزاً للاستقالة"، متابعاً: "فضلاً على أن الجائحة تسببت في تقدير أكبر من قِبل الموظفين لقيمة الفوائد المادية، ومن ثم، أصبحت الفرص الأعلى مادياً لاتحتمل التردد".

وتظل قابلية ذلك السيناريو لإعادة الاستنساخ والامتداد لمناطق أخرى حول العالم خلال العام المقبل رهينة وفقاً لاستشاري الطب النفسي جمال فرويز، بتراجع الضغوط المهنية ومُعدلات الاكتئاب والاحتراق الوظيفي، بصرف النظر عن الأحوال الاقتصادية.

ويعتبر أن موجة الاستقالات تلك "واردة الحدوث في أي مكان، فاتخاذ قرار انفعالي اندفاعي، كالتخلي عن العمل دون تروي وبدون خطط بديلة، سلوك اكتئابي يشي بأن الشخص لم يعُد معنياً بهرم الاحتياجات، المعتمد في تلبية عناصره على المادة".

تصنيفات