
لم يكن الداعية الذي أطلق على نفسه اسم "عظيم عبدالله"، بحاجة إلى قدر كبير من الأموال لإنشاء موقع إلكتروني لحساب تنظيم الدولة الإسلامية "داعش"، يتم من خلاله بث مقاطع فيديو مروعة لعمليات قطع رؤوس. كل ما كان يحتاج إليه هو السرية التامة، لذلك قرر في عام 2014 أن يتجه إلى العملة الرقمية المشفرة "بيتكوين".
قام عبدالله بدفع ما يزيد قليلاً على سعر "بيتكوين" واحد، أي ما يقرب من 400 دولار في ذلك الوقت، لتسجيل اسم النطاق في أيسلندا، واستضافته على خوادم في جميع أنحاء العالم. وطلب موقعه من الزوار التبرع للمساعدة في دفع تكاليف صيانة الموقع، وكان ذلك أيضاً باستخدام "بيتكوين"، وذلك حسبما نقل موقع "باز فيد نيوز"، الثلاثاء.
التحايل على القانون
وسمح إرسال التبرعات بالعملة المشفرة للمتبرعين بإخفاء هوياتهم خلف سلسلة من الحروف والأرقام، وهو أسلوب مفضل يجعل من الصعب على البنوك وسلطات إنفاذ القانون، ووزارة الخزانة الأميركية تتبع تدفق الأموال التي تدعم الإرهاب.
تم كشف اعتماد عبدالله على "بيتكوين" في تقييم استخباراتي أجرته وزارة الخزانة الأميركية في عام 2017، وحصل عليه موقع "باز فيد نيوز"، كجزء من ذاكرة تخزين مؤقتة للوثائق التي تتضمن رسائل إلكترونية داخلية وتقارير عن العملات المشفرة.
وكشف التقييم الاستخباراتي أيضاً أدلة على وقوع 9 حوادث أخرى، استخدم فيها داعمو الإرهاب العملة المشفرة لتمويل نشاطاتهم، مثل شراء تذاكر طيران، أو تعطيل مواقع سياسية، أو ترتيب عمليات سفر إلى سوريا.
غالباً ما تستخدم المعاملات التجارية بالعملات المشفرة في عمليات شراء مشروعة. لكن الوثائق تقدم فكرة عميقة عن المعركة التي تخوضها الحكومة الأميركية التي تدور رحاها بصورة مستمرة في بعض الأحيان، وتتعطل في بعضها الآخر، لمواجهة استخدام التكنولوجيا المشفرة لدعم الإرهاب والجريمة، إلى جانب طرق عديدة يمكن من خلالها استخدام التشفير، بكل ما ينطوي عليه من حجب للهوية وسهولة النقل حول العالم، من أجل تحقيق أغراض خبيثة.
على سبيل المثال، في عام 2016، قرع المحللون في "شبكة مكافحة إنفاذ الجرائم المالية"، التابعة لوزارة الخزانة الأميركية (FinCEN) ناقوس الخطر بشأن ما يسمى بـ"شركات الخلط"، وهي الشركات التي تقوم بعملية تفكيك المعاملات المشفرة إلى أجزاء أصغر لتوفير مزيد من الحماية لهوية المالك.
عندما تعمل هذه الشركات في الولايات المتحدة، من المفترض أن تسجل في شبكة FinCEN، وتقدم معلومات عن العملاء والمعاملات المشبوهة. لكن التقرير، الذي كان ضمن الوثائق وجد أنه "من بين أكبر 30 شركة خلط، لم تسجل شركة واحدة، أو تظهر أي دليل على وجود برامج الامتثال لقواعد الشبكة"، في إشارة إلى تقديم معلومات عن العملاء.
تجاوزات وغرامات
انقضت حوالي أربع سنوات حتى اتخذت الحكومة إجراء ضد هذه الشركات. ففي العام الماضي، فرضت FinCEN غرامة قدرها 60 مليون دولار على إحدى الشركات لعدم قدرتها على "جمع، والتحقق من، أسماء العملاء وعناوينهم وغير ذلك من محددات الهوية في أكثر من 1.2 مليون معاملة".
ووجدت الحكومة الأميركية، أن هذه المعاملات ساعدت الجناة المتورطين في جرائم مخدرات واحتيال وتزوير واستغلال أطفال، وكذلك النازيون الجدد، وغيرهم من الجماعات العنصرية التي تؤمن بتفوق الجنس الأبيض.
في هذا السياق، قالت شبكة FinCEN، وفقاً لما نقله "باز فيد نيوز"، إنها تعقبت معاملات تتجاوز قيمتها 2000 دولار من شركة إلى موقع يحمل اسم Welcome to Video عرض مواد تتعلق بالاعتداء الجنسي على الأطفال.
وتتبع الوثائق مخاوف وزارة الخزانة بشأن تكنولوجيا التشفير منذ 10 سنوات على الأقل. وتحاول FinCEN الآن تغيير قواعدها بحيث يتعين على أي شركة تتعامل مع العملة المشفرة الحصول على معلومات أكثر وضوحاً بشأن عملائها ومعاملاتهم.
وقال يايا فانوسي، محلل سابق في وكالة المخابرات المركزية الأميركية "سي أي إيه"، والخبير في تداعيات الأمن القومي المرتبطة بالعملات المشفرة، لـ"باز فيد نيوز"، إنه يعتقد أن المسؤولين الأميركيين يتقدمون على نظرائهم الأوروبيين في مجال معالجة هذا النوع من القضايا.
تحقيقات مالية
لكن فانوسي، شأنه شأن سائر الخبراء الذين تواصل معهم موقع "باز فيد نيوز"، قال إنه يرى أن هناك حاجة ملحة إلى توافر فئة جديدة من المحققين الماليين لمنع سوء استخدام العملات المشفرة من قبل الإرهابيين ومهربي المخدرات وغيرهم من المجرمين.
وقال فانوسي، الذي يعمل الآن زميلاً أول في "مركز نيو أميريكان سيكيوريتي": "بالنسبة للعاملين على الأرض، تمثل العملات الرقمية أمراً يصعب فهمه مقارنة بوسائل غسيل الأموال التقليدية". وأضاف: "لم يتم نشر المهارات والموارد على المستوى الميداني إلا مؤخراً".
وفي ظل تباطؤ وتيرة التعديلات التي يتم إجراؤها على الجهات التنظيمية والصناعة، تبقى جاذبية العملة المشفرة قوية وأخاذة، إذ يجد فيها الإرهابيون وسيلة سانحة لطلب تبرعات لتمويل عملياتهم.
ففي أغسطس الماضي، أعلنت وزارة العدل الأميركية، أن تحقيقاً أجري بالتعاون مع وزارة الخزانة تمكن من ضبط ملايين الدولارات كجزء من "أكبر عملية مصادرة على الإطلاق لحسابات العملات الرقمية التابعة لتنظيمات إرهابية".
ووصفت إحدى لوائح الاتهام كيف نفذ تنظيم القاعدة والجماعات التابعة له عملية غسيل أموال استقطبت تبرعات مشفرة عبر حسابات تواصل اجتماعي، ثم استخدامهم لهذه الشبكة في جمع تبرعات "لتعزيز أهدافهم الإرهابية".
"نقاط ضعف"
وتلقت إحدى الشبكات التابعة لتنظيم القاعدة، والتي تتبعتها الحكومة الأميركية، أكثر من 15 "بيتكوين" بآلاف الدولارات في 187 معاملة في الفترة من 5 فبراير 2019 إلى 25 فبراير 2020.
وتلعب تكنولوجيا التشفير على نفس نقاط الضعف التي يعاني منها النظام المالي، والتي تم اكتشافها لأول مرة من قبل مشروع FinCEN Files، وهو مشروع عالمي أسسه "باز فيد نيوز" والاتحاد الدولي لصحافيي التحقيقات في نهاية عام 2020.
ووجدت المؤسستان الإخباريتان أن المؤسسات المالية الغربية الكبرى سمحت بتداول "الأموال القذرة" في جميع أنحاء العالم على مرأى ومسمع من السلطات الأميركية.
وكما هو الحال مع العملات التقليدية، تستطيع "بيتكوين والعملات الافتراضية الأخرى اختبار قدرة المؤسسات المالية على تتبع معاملاتها، وقدرة السلطات الأميركية على منع الجريمة".
وفي جلسة الاستماع الخاصة بترشيحها أمام اللجنة المالية بمجلس الشيوخ، قالت وزيرة الخزانة جانيت يلين، إن العملة المشفرة تتمتع بالقدرة على "تحسين كفاءة النظام المالي".
وتابعت: "في الوقت نفسه، يمكن استخدامها في تمويل الإرهاب، وتسهيل غسيل الأموال، ودعم الأنشطة الخبيثة التي تهدد مصالح الأمن القومي الأميركي وسلامة الأنظمة المالية الأميركية والدولية".
ويعد نقل العملات المشفرة أسهل بكثير من الأدوات المالية الأخرى، ما يسمح للخارجين عن القانون بنقل الأصول سريعاً إلى أجزاء مختلفة من العالم، وهي ميزة عند محاولة تجنب تدقيق سلطات إنفاذ القانون الأميركية، أو عندما يكون الكشف عنهم وشيكاً.
"آلية الحماية"
من جهته، قال باول كوسكوفسكي، الرئيس التنفيذي لشركة "كوينفيرم": "يمكنك الهروب إلى حيث لا تكترث الولايات القضائية أو الكيانات الرقابية كثيراً بأمور كهذه"، وأضاف أنها "آلية صمموها خصيصاً لحماية أنفسهم، لأنهم يعلمون أنهم سيتلقون أموالاً غير مشروعة".
يوجد حالياً آلاف العملات الافتراضية المختلفة التي يتم تداولها في سوق متطورة تتسم بالسرية. وعادة ما يحصل مالكو العملات المشفرة على هذه الأموال في بورصات، ويقومون بادخارها في محافظ افتراضية بعناوين يجري تحديدها خصيصاً بترتيبات معينة للأرقام والحروف، فيما يمثل مستوى آخر من إخفاء الهوية للتعتيم على هوية المالك الحقيقي للأموال.
ومثلما تتحمل البنوك مسؤولية مراقبة معاملات عملائها، فإن بورصات العملات المشفرة يجب أن تفي أيضاً بالتزامات قانونية معينة. ومن ثم، فهم يرسلون للحكومات تقارير عن أنشطة مشبوهة (SARs)، وهي نفس الصيغ التي تستخدمها البنوك عندما تواجه معاملة تشير إلى أنشطة إجرامية.
انتهاك الخصوصية
لكن بعض البورصات تدفع عكس اتجاه مقترحات FinCEN لتشديد اللوائح، وتصف متطلباتها بأنها أكثر تشدداً من تلك التي تتعامل بها الصناعة المصرفية.
في هذا السياق قالت شركة "سكوير"، وهي شركة المدفوعات التي أسسها الرئيس التنفيذي لشركة تويتر، جاك دورسي، وبعض شركات الاستثمار، مثل أندريسن هورويتز، إن القواعد الجديدة ستمثل عبئاً عليها، وربما تنتهك حقوق الخصوصية للعملاء.
كما كتبت مؤسسة "إلكترونيك فرونتير فاونديشن" في رسالة تعليق عامة في وقت سابق من هذا العام، أنها تعتقد أن اللوائح التنظيمية المقترحة من قبل شبكة FinCEN سوف "تقوض الحريات المدنية لمستخدمي العملات المشفرة"، و"تمنح الحكومة الوصول إلى مجموعات بيانات مالية حساسة".




