
تصاعدت المخاوف في لبنان من أن تنشط عمليات "غسل الأموال" في البلاد، إثر تراجع المعاملات المصرفية والتحول باتجاه التعاملات النقدية الورقية، وهي واحدة من تداعيات الأزمة المالية التي تضرب بيروت، والإجراءات المصرفية التي تتخبط بين تعاميم المصرف المركزي، وتخلي الحكومة عن مسؤولياتها، وتأخر البرلمان في إقرار قانون تنظيم السحوبات والتحويلات، ما نتج عنه فوضى عارمة.
وزادت المخاوف من ارتفاع نسبة النشاط الإجرامي في القطاع المالي لجهة غسل الأموال، بعد تحول القسم الأكبر من التداولات النقدية اللبنانية إلى العملة الورقية.
ورأى الخبير الاقتصادي وليد أبو سليمان، في حديث لـ"الشرق"، أن "غسل الأموال"، الذي وصفه بـ"التصرّف الإجرامي"، "نشط في الآونة الأخيرة في لبنان بسبب غياب معايير الامتثال والتدقيق من قبل أجهزة المصارف لمعرفة مصادر تلك الأموال"، لافتاً إلى أن "هذا الأمر بات مؤكداً بعد زيارة وفد الخزانة الأميركية، الذي شدد على مكافحة غسل الأموال وانعكاسه السلبي على الاقتصاد".
وأشار أبو سليمان إلى أن مكافحة غسل الأموال "تتم عبر أجهزة الرقابة المصرفية ودائرة الامتثال في المصارف العاملة، وفي المصرف المركزي".
تقوم هذه الجهات بالتحقيق والتحري عن مصادر الأموال وطرق الوصول إليها والاطلاع على المعايير الدولية والامتثال بها وتطبيقها في هذا المجال، مثل لوائح مكتب مراقبة الأصول الأجنبية "OFAC".
وتكون العملية النقدية الضخمة، التي يتم اليوم التداول بها خارج هذه الأجهزة ودون المرور بالمصارف، عرضةً للمزيد من عمليات الغسل، التي تتمثل أيضاً بصفقات وتهرب ضريبي وغيرها من الأمور، ولا يمكن الإشارة إليها من خلال الأرقام التسلسلية الواردة على الأوراق النقدية.
من جانبه، قال الخبير الاقتصادي الدكتور نسيب جبريل إن "الاقتصاد اللبناني قبل الأزمة، التي اندلعت في عام 2019، كان اقتصاداً موازياً بنسبة 30% ويتضمن عمليات نقدية غير خاضعة للرقابة المصرفية، إلا أن النسبة ارتفعت اليوم إلى 50%".
وأضاف أن ذلك "يشكل صعوبة في تطبيق معايير الامتثال ومعرفة الزبون وتطبيق المعايير الدولية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب"، مشيراً إلى أن "الاقتصاد النقدي سيسهّل هذه العمليات".
ويرى جبريل أن الحل يكمن في "اتخاذ الإجراءات اللازمة من الدولة اللبنانية لإعادة الثقة إلى القطاع المصرفي والاقتصاد اللبناني وانتظامه من أجل جذب تدفقات رؤوس الأموال الخارجية، من خلال اتفاق تمويلي إصلاحي اقتصادي شامل مع صندوق النقد الدولي".
الاقتصاد النقدي
وزادت نسبة الاقتصاد النقدي في لبنان بعد فقدان الثقة بالمصارف نتيجة التضييق على المودعين، ومصادرة أموالهم بالعملات الأجنبية، حسبما قال الخبير الاقتصادي وليد أبو سليمان لـ"الشرق".
وأشار أبو سليمان إلى أن القطاع المصرفي "هو المحرك للقطاعات الاقتصادية، ووظيفته تزويد القطاعات كافة بالأموال النقدية والقروض"، لافتاً إلى أن "هذا الأمر غير متوفر حالياً، ما انعكس سلباً على الحركة الاقتصادية وأدى إلى ركود وتباطؤ العجلة الاقتصادية".
وأضاف: "كذلك انعكس سلباً على المستهلك، الذي بات مجبراً على التعامل بالنقد حصراً، ونتيجة هذا الأمر توجّه المواطن إلى السوق الموازي المعروف بالسوق السوداء للحصول على النقد".
وفي ظل عملية تجفيف السوق من الكتلة النقدية، بات المودع غير قادر على الحصول على أمواله بالليرة اللبنانية أسوةً بما جرى بالدولار، إذ أوضح أبو سليمان أن "هذا الأمر يؤدي إلى المزيد من التباطؤ في العجلة الاقتصادية، وينشّط المضاربة في سوق الشيكات المحرّرة بالليرة اللبنانية، بحيث أصبح المودع مجبراً على سحب أمواله من المصرف بالعملة اللبنانية وصرفها في السوق الموازي نقداً بعد إسقاط الحسومات عليها فيخسر بذلك من قيمة أمواله بهدف الحصول عليها نقداً".
ويرى أبو سليمان أن الحل الأمثل لتصحيح الوضع الاقتصادي القائم في البلاد يتمثّل في "إعادة هيكلة المصارف لتكون قادرة على العمل لإعادة السيولة وتنشيط الدورة الاقتصادية".
شح في السيولة
وبات الاقتصاد اللبناني يعاني من الشح في السيولة النقدية بالعملات الصعبة والمحلية.
ويرجع سبب شح العملات الأجنبية إلى إحجام المستثمرين عن الاستثمار في لبنان، وضعف تصدير المنتجات، أما الشح في العملة المحلية فيعود إلى سياسة مصرف لبنان المركزي التي اتجهت إلى تقليص التضخم من الأسواق، عبر سحب الكتلة النقدية الحارة التي يتداولها الصرافون، ما يؤدي إلى ارتفاع سعر صرف الدولار.
ويرى الخبير الاقتصادي الدكتور نسيب غبريل أن سياسة "الكاش" ظهرت منذ سبتمبر 2019، بسبب تراجع تدفق رؤوس الأموال الخارجية إلى لبنان، ما أدى إلى تشكّل سوق موازٍ للصرف للمرة الأولى من 27 عاماً".
وأضاف أن "السيولة الأجنبية توقفت نهائياً في مارس 2020، بعد قرار حكومة حسان دياب الامتناع عن تسديد ما يتوجّب عليها للخارج من اليوروبوند وغيرها".
وتابع أن هذا الأمر "تسبّب في تخفيض التصنيف الائتماني اللبناني، ولم تعد تقبل المصارف المراسلة في الخارج بفتح الاعتمادات للشركات اللبنانية المستوردة أو المصدرة".
وبات المصدرون الأجانب يتعاملون بالدفع النقدي المباشر على خلاف الوضع، الذي كان قائماً في السابق أي إعطاء مهل للإيفاء، ما شكّل أزمة سيولة وعدم إمكانية المصارف بالعمل بشكل سليم خصوصاً خلال عمليات الاستيراد والتصدير.
"سقف السحوبات"
وخلال الفترة الماضية، وضعت المصارف سقفاً للسحوبات بالليرة اللبنانية، على أن يستفيد المودع بباقي القيمة من خلال البطاقة الائتمانية، إلا أنه ومع تغيّر الواقع اليوم بفعل رفض المحال التجارية على أنواعها والسوبرماركت ومحطات المحروقات التقاضي إلا بالعملة النقدية، فتح هذا الأمر الباب أمام أزمة سيولة.
ويرجع جبريل القرارات الأخيرة، التي اتخذتها المحال التجارية والسوبرماركت، إلى "الحاجة لفتح الاعتمادات المصرفية خارجياً للتمكّن من استيراد السلع، في ظل سقف السحوبات النقدية المحددة من المصارف اللبنانية".
وقال جبريل، في حديثه لـ"الشرق"، إن هناك كمّية من "الكاش" في السوق اللبناني، خصوصاً لدى الشركات والمؤسسات التجارية، كاشفاً أن "الكاش مجمّد ولا يتم التداول به في الحركة الاقتصادية، والدليل على ذلك أن العديد من الجهات حصرت التعامل بالعملة النقدية منذ مدة، لا سيما موزعي مادة المازوت وأصحاب المولدات الخاصة وغيرهم".
وأشار جبريل إلى أن "الحركة الاقتصادية المبنية على النقد ليست أمراً صحياً، إذ تنعكس سلباً على الاقتصاد اللبناني، وبالتالي تخالف التوجهات العالمية، التي تذهب إلى العمليات الإلكترونية".
أما الجهات المستفيدة من تحوّل الاقتصاد اللبناني إلى التداول النقدي، فكشف جبريل عن "وجود فئة من المستفيدين لمنافع خاصة، رغم أنهم غير مجبرين على ذلك، علماً بأن بحوزتهم كتلة نقدية كبيرة بخلاف مؤسسات أو شركات أخرى باتت مجبرة على التعامل بالعملة النقدية، ويأتي هذا الأمر في ظل استمرار جباية الرسوم والضرائب على سعر الصرف الرسمي".
اقرأ أيضاً: