وثائق سرية: بريطانيا سعت لزعزعة استقرار الشرق الأوسط وإفريقيا | الشرق للأخبار

وثائق سرية: بريطانيا سعت لزعزعة استقرار الشرق الأوسط وإفريقيا

time reading iconدقائق القراءة - 8
الأمين العام للجنة المركزية للحزب الشيوعي للاتحاد السوفيتي ليونيد بريجنيف (يمين) ووزير الدولة للشؤون الخارجية وشؤون الكومنولث جيمس كالاهان (الثاني)، ورئيس وزراء المملكة المتحدة هارولد ويلسون (على اليسار) خلال الاتفاقيات السوفيتية البريطانية في موسكو 1975. - AFP
الأمين العام للجنة المركزية للحزب الشيوعي للاتحاد السوفيتي ليونيد بريجنيف (يمين) ووزير الدولة للشؤون الخارجية وشؤون الكومنولث جيمس كالاهان (الثاني)، ورئيس وزراء المملكة المتحدة هارولد ويلسون (على اليسار) خلال الاتفاقيات السوفيتية البريطانية في موسكو 1975. - AFP
دبي-

كشفت وثائق رُفعت عنها السرية، أن الحكومات البريطانية على مدى عقود، شنت حملة "دعاية سوداء" بشكل سري، استهدفت خلالها إفريقيا والشرق الأوسط وأجزاء من آسيا، عبر منشورات وتقارير من مصادر مُزيفة تهدف إلى زعزعة استقرار المنطقة.

وأوردت الوثائق أن الاستهداف جاء عبر "تشجيع التوترات العرقية، وبث الفوضى، والتحريض على العنف، وتعزيز الأفكار المناهضة للشيوعية"، بحسب آلاف الوثائق التي عثر عليها روري كورماك، الخبير في تاريخ العمليات التخريبية والمخابراتية، أثناء إجرائه أبحاثاً من أجل كتاب جديد كان يعمل عليه بعنوان "كيف تُدبر انقلاباً: و10 دروس أخرى من عالم فنون الحكم السرية"، المقرر نشره الشهر المقبل، وفق ما أوردت صحيفة "ذا أوبزرفر" البريطانية. 

واستمرت الجهود البريطانية من منتصف الخمسينيات وحتى أواخر السبعينيات من القرن الماضي، من قبل وحدة كانت تابعة لوزارة الخارجية في لندن، ركزت على "أعداء" المملكة المتحدة إبان الحرب الباردة، مثل الاتحاد السوفييتي والصين، وجماعات التحرير اليسارية، وقادة اعتبرت أنهم يمثلون تهديداً لمصالحها.

وسعت الحملة إلى حشد المسلمين ضد موسكو، وتشجيع انتشار الفكر الديني المُحافِظ والأفكار المتشددة، كما أنها شجعت على كراهية إسرائيل من أجل أن تظهر وكأن هذه المنشورات حقيقية.

"دعاية سوداء"

ونقلت الصحيفة عن كورماك، قوله: "تعد الوثائق أحد أهم الإصدارات في العقدين الماضيين، إذ بات من الواضح أن بريطانيا شاركت في دعاية سوداء، بشكل أكبر مما يفترض المؤرخون، وبشكل منهجي وطموح وهجومي، رغم النفي الرسمي للأمر، فإنه ذهب إلى ما هو أبعد من مجرد خطة ضد السوفييت".

وذكرت أن حكومة "حزب العمال" البريطانية بعد الحرب العالمية الثانية، أنشأت "إدارة أبحاث المعلومات" (IRD)، لمواجهة الدعاية السوفييتية التي تهاجم البلاد. وكانت أنشطتها تشبه العمليات الدعائية لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية "سي آي إيه" أثناء الحرب الباردة، وكذلك الجهود المكثفة لاتحاد السوفييتي. 

"عمليات تضليل"

ووفقاً للصحيفة، فإن آلاف الوثائق التي رفعت عنها السرية، وراجعها كورماك، توفر الرؤية الأكثر شمولاً حتى الآن لعمليات التضليل التي كانت إدارة أبحاث المعلومات تقوم بها.

ويضيف كورماك، وهو أستاذ العلاقات الدولية في "جامعة نوتنجهام": "كانت بريطانيا مجرد لاعب واحد فقط من بين الكثيرين، حتى إنها كانت لاعباً ثانوياً إلى حد ما، وذلك مقارنة بكمية المواد التي كان يتم إنتاجها ونشرها من قبل اللاعبين الكبار، إذ لم تختلق المملكة المتحدة المواد، كما فعل السوفييت بشكل منهجي، لكنها أرادت بالتأكيد خداع الجماهير من أجل إيصال رسالة معينة".

ولفتت الصحيفة إلى أن "إدارة أبحاث المعلومات" وظفت 360 شخصاً في منتصف الستينيات، إلا أن "وحدة التحرير الخاصة"، شديدة السرية، التي كانت مسؤولة عن جهود "الدعاية السوداء"، كانت أصغر بكثير، كما استخدمت الوحدة، من مقرها الذي كان يقع في أحد المكاتب في "وست منستر"، مجموعة متنوعة من التكتيكات للتلاعب بالرأي العام.

انتقائية الحقائق

وأوضحت الصحيفة أن أحد هذه التكتيكات كان إصدار تقارير تهدف لتحذير الحكومات الأخرى، وبعض الصحافيين ومراكز الأبحاث من عمليات "تخريب سوفييتي" أو تهديدات مماثلة. 

وأضافت: "تضمنت التقارير حقائق وتحليلات منتقاة (..) غالباً يتم الحصول عليها من المعلومات الاستخباراتية المقدمة من أجهزة الأمن البريطانية، وتبدو كأنها صادرة عن محللين ومؤسسات مستقلة ظاهرياً تم إنشاؤها وإدارتها في الواقع من قبل إدارة أبحاث المعلومات، وأحد أولى هذه المؤسسات هي اللجنة الدولية للتحقيق في منظمات الجبهة الشيوعية، والتي تم تأسيسها في 1964". 

وتابعت: "كان هناك تكتيك آخر، يتمثل في تلفيق تصريحات للمؤسسات والوكالات السوفييتية الرسمية، إذ قامت إدارة بحوث المعلومات بين عامي 1965 و1972، بتلفيق 11 تصريحاً على الأقل لوكالة الأنباء السوفييتية (نوفوستي) التي تديرها الدولة، وكان من بينها تصريح جاء بعد هزيمة مصر في حرب 1967، أبرز الغضب السوفييتي من إهدار القاهرة الكثير من الأسلحة والعتاد التي زودتها بها موسكو"، وفقاً للصحيفة.

منشورات ملفقة

وقامت إدارة أبحاث المعلومات بتلفيق منشورات زُعم أنها صادرة عن جماعة "الإخوان المسلمين"، إذ اتهم أحد المنشورات موسكو بتشجيع حرب عام 1967، وانتقدت جودة المعدات العسكرية السوفييتية.

وأنشأت الإدارة منظمة "إسلاموية راديكالية"، مزيفة بشكل كامل، تُسمى "رابطة المؤمنين"، التي هاجمت الروس باعتبارهم غير مؤمنين، وألقت باللّوم في الهزائم العربية على الافتقار إلى الوازع الديني، حسب الصحيفة. 

ادعاءات وتزييف

وقال كورماك إن "هذه الادعاءات كانت دقيقة من ناحية مدى حقيقتها، كما هو الحال مع الكثير من البيانات الأخرى الصادرة عن إدارة أبحاث المعلومات، ولكن النبرة المُستخدمة وتزييف المصادر كان مُصمماً للتضليل".

وسلّطت مواد أخرى الضوء على النظرة الضعيفة التي تبنتها موسكو تجاه "منظمة التحرير الفلسطينية"، والمساعدات المحدودة التي قدمها السوفييت للجماعات المسلحة الفلسطينية، وهو ما قالت إنه يتناقض مع الموقف الأكثر دعماً للصينيين، وهو التكتيك الذي كان يُستخدم كمحاولة لتوسيع الانقسام بين القوتين الشيوعيتين، حسب الصحيفة. 

وذكرت الصحيفة أن محاولات الإدارة عزل القوميين الأفارقة تضمنت أحياناً التحريض على التوترات العرقية، إذ إنها قامت، في أوائل عام 1963، بتلفيق بيان للاتحاد العالمي للشباب الديمقراطي، وهو منظمة سوفييتية، تم التنديد فيه بالأفارقة باعتبارهم "غير متحضرين وبدائيين"، وهو البيان الذي حظي بتغطية صحافية في جميع أنحاء القارة، وأعربت العديد من الصحف عن غضبها منه. 

استهداف بعلم الحكومة

ونقلت الصحيفة عن كورماك قوله، إنه ليس هناك شك في أن كبار صانعي السياسة البريطانيين كانوا على عِلم بعمل "إدارة أبحاث المعلومات"، مشيرة إلى أنه في عام 1964، طلب رئيس الوزراء أليك دوجلاس هوم، من الإدارة أن تستهدف غانا بسبب الخوف من ميل رئيسها في ذلك الوقت كوامي نكروما نحو موسكو.

وبعد مرور أشهر، شجع وزير خارجية "حزب العمال" باتريك جوردون والكر، على "الحفاظ على إمكانات الدعاية السوداء وإنتاج مثل هذه المواد من وقت لآخر"، إذ كان مهتماً بشكل خاص بإثارة التوترات العرقية بين الأفارقة والصينيين.

ورغم إغلاق "إدارة أبحاث المعلومات" في عام 1977، فإن الباحثين يجدون الآن دلائل على استمرار جهود مماثلة لعقد آخر تقريباً. 

اقرأ أيضاً:

تصنيفات