
بعد أيام من مساومات سياسية صعبة عقب الانتخابات التي أجريت السبت الماضي، تستعد ماليزيا أخيراً للكشف عن حكومتها الجديدة، بعدما أدى رئيس وزرائها الجديد أنور إبراهيم اليمين الدستورية الخميس.
ووفقاً لـ"بلومبرغ"، فإن مستقبل الحكومة الجديدة لا يزال غير مؤكد، إذ سيتعين على إبراهيم العمل مع مجموعة من "الحلفاء الصعبين" مع وجود تحديات اقتصادية كبيرة تلوح في الأفق.
كيف وصلت البلاد إلى هنا؟
بعد 5 أيام من الانتخابات، كان لملك ماليزيا عبد الله أحمد شاه، القول الفصل في اختيار أنور إبراهيم، لمنصب رئيس الوزراء، وقد اضطر إلى اتخاذ هذا القرار، بعد فشل كل التحالفات السياسية الرئيسة في البلاد في الفوز بأكثر من 111 مقعداً للحصول على الأغلبية البرلمانية.
وكان الملك طلب أولاً من قادة أكبر كتلتين في البلاد، وهما تحالف "باكاتان هارابان" بقيادة أنور إبراهيم، وتجمع "بيريكاتان ناسيونال" بقيادة رئيس الوزراء السابق محي الدين ياسين، تشكيل حكومة وحدة وطنية، لكن الأخير رفض، ما دفع العملية نحو طريق مسدود، وأجبر الملك على استخدام سلطاته الدستورية لاتخاذ القرار النهائي.
التحالفات الرئيسة
- تحالف "باكاتان هارابان": فاز بالكتلة الأكبر في الانتخابات الأخيرة بـ 82 مقعداً من أصل 220، لكنه فشل في الفوز بالأغلبية، ما أدى إلى برلمان معلق لأول مرة في تاريخ البلاد. يحظى التحالف المذكور بالدعم من الناخبين في المناطق الحضرية من خلال أجندته التقدمية والتزامه بمعالجة المشكلات الاقتصادية في البلاد.
- تحالف "بيريكاتان ناسيونال": يضم حزبين رئيسيين هما سكان ماليزيا الأصليين المتحدين "بيرساتو" و"بارتي إسلام سي ماليزيا"، ويقود التحالف رئيس الوزراء السابق محي الدين ياسين، الذي كان له دور فعَال في إسقاط حكومة "باكاتان هارابان" بعد انسحابه من التحالف عام 2020، وقد تمكن الائتلاف من زيادة عدد مقاعده إلى 73 هذا العام، من 39 مقعداً في آخر برلمان.
- تحالف "باريسان ناسيونال": يخضع لسيطرة المنظمة الوطنية الماليزية المتحدة (UMNO)، ولطالما لعب دوراً كبيراً في السياسة الماليزية، حيث شكَل كل الحكومات في البلاد منذ الاستقلال وحتى عام 2018، ولكنه حصل على 30 مقعداً فقط في انتخابات السبت الماضي، في أسوأ أداء له حتى الآن.
- أحزاب جزيرة بورنيو: هناك ثلاثة أحزاب صغيرة تهيمن على الجزيرة التي طالما شكت إهمال صانعي السياسة في البلاد. فاز حزب "ائتلاف حزب ساراواك" بـ 23 مقعداً، أما "جابونجان راكيات صباح" ففاز بـ 6 مقاعد، فيما فاز حزب "واريسان" بـ 3 مقاعد فقط، ولكن الدعم من مثل هذه الأحزاب، التي غالباً ما تدافع عن المصالح المحلية، قد يكون حاسماً في برلمان معلق.
ماذا بعد؟
بعد تعيين أنور إبراهيم رئيساً للوزراء، سيتعين عليه حشد الدعم من الأحزاب ذات الاهتمامات المختلفة، وهذا يعني أنه سيواجه معضلة حول الأحزاب أو التحالفات التي سيختار إشراكها في ائتلافه الحاكم، إذ سيكون من الصعب التغلب على العداء طويل الأمد بين هذه الأحزاب، رغم طلب الملك منه ومن أحزاب أخرى تشكيل حكومة وحدة.
وعلى الرغم من إعلان تحالف "باريسان ناسيونال" عن دعمه لحكومة وحدة، فإنه استبعد السماح لـ "بيريكاتان ناسيونال" بقيادة هذه الحكومة، فيما قال أنور إبراهيم إنه حصل حتى الآن على دعم "باريسان ناسيونال" وبعض أحزاب جزيرة بورنيو لتشكيل الحكومة، ولذا فإنه يبقى رؤية ما إذا كانت الرغبة المعلنة في ضم أعضاء تحالف محي الدين في الحكومة ستتحقق.
تحديات
ستتوقف الكثير من الأمور على قدرة تحالف أنور إبراهيم على معالجة المشكلات الاقتصادية التي كانت لها مكانة أساسية في الحملة الانتخابية الأخيرة. وبينما يشهد الاقتصاد انتعاشاً هشاً، فإن الناخبين يكافحون مع ارتفاع تكاليف المعيشة وضعف العملة، وسط مخاوف من حدوث تباطؤ اقتصادي عالمي العام المقبل.
وسيتعين على أنور إبراهيم، أيضاً معالجة مخاوف الناخبين من مجموعة الملايو الشباب في المناطق الريفية، والذين كانوا مصدراً رئيسياً لدعم "باريسان ناسيونال"، ومع ذلك، فإن التوجه نحو المزيد من السياسات التي تتمحور حول العرق، والتي يمكن أن تساعده، قد يأتي بنتائج عكسية مع الأعضاء الأكثر تقدمية في تحالفه.
وستبدأ إدارة إبراهيم على أرضية متزعزعة، إذ ستواجه ضغوطاً كبيرة لإبقاء الأحزاب الأخرى، التي لطالما تصادمت معها، على استعداد لبدء عمل الهيئة التشريعية، خصوصاً أن البلاد خضعت لتغيير العديد من الحكومات منذ انهيار إدارة مهاتير محمد في عام 2020، بسبب الانقسامات.
دور الأحزاب الإسلامية
برز الحزب الإسلامي الماليزي في الانتخابات باعتباره "الحزب المستقل"، الذي حصل على أكبر عدد من المقاعد، إذ انتزع ما مجموعه 49 مقعداً، بينما كان يروَج لأهمية الدين بين الجماعات الموالية للملايو.
ووجد الحزب دعماً في معظم المناطق الريفية، بسبب ترويجه لأجندة تتضمن فرض الشريعة، وتقييد بيع الكحول في جميع أنحاء البلاد.
وبينما لا يزال الحزب يفكر في الانضمام إلى حكومة أنور إبراهيم، فإنه حتى لو اختار عدم القيام بذلك، من المرجح أن يمارس ضغوطاً كبيرة على إدارة رئيس الوزراء الجديد، وذلك من خلال معارضة السياسات الليبرالية التي يتردد صداها مع قاعدة الناخبين المتنامية للحزب.
وسبق لإبراهيم أن قال إنه يعتزم اختبار دعم المشرعين لقيادته من خلال اقتراع على الثقة سيجرى 19 ديسمبر المقبل، حيث يسعى لإثبات أنه يتمتع بأغلبية برلمانية. وكشف في أول مؤتمر صحافي له كرئيس للوزراء، الخميس، إنه "سيقدم ميزانية 2023 خلال جلسة البرلمان في ديسمبر المقبل".
إنجاز ولكن..
ورأت "بلومبرغ" أن وصول إبراهيم إلى رئاسة الحكومة في ماليزيا يمثل "إنجازاً حاسماً"، إذ كان يُنظر إليه على أنه خليفة رئيس الوزراء السابق مهاتير محمد في التسعينات، وكان مقرراً أن يحل محله بعد انتخابات 2018، ولكن الأمر لم ينجح في المرتين.
وأشارت إلى أن ذلك يمثل "لحظة مهمة للديمقراطية الماليزية"، بعد أن رفض الناخبون بشدة عودة "الحرس القديم الحاكم" منذ فترة طويلة في البلاد.
لكن الوكالة أوضحت أن حاجة إبراهيم إلى تكوين تحالفات جديدة لتأمين الأغلبية ستجعل من الصعب عليه تحقيق تعهداته الانتخابية، والتي تشمل معالجة ارتفاع تكاليف المعيشة، وإجراء الإصلاحات الرئيسية اللازمة، فضلاً عن اتخاذ موقف حازم بشأن قضايا الفساد.




