
يُرجَّح أن يقر الاتحاد الأوروبي العام المقبل قانون "Artificial Intelligence Act"، الذي يهدف إلى كبح جماح عصر الخوارزميات، فيما نشرت الولايات المتحدة خطة مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، كما تدرس كندا احتمال اللجوء إلى قانون في المجال ذاته، بعدما اجتاح مجالات الحياة العصرية.
وقبل المباشرة بهذا التحرّك، تواجه الهيئات الناظمة مهمّة شاقة، تتمثل في تحديد المفهوم الدقيق للذكاء الاصطناعي، وبينما يعتبر مروّجوه أنه يحدث ثورة في حياة البشر، يؤكّد مَن ينتقده أنّ هذه التكنولوجيا تنطوي على خطر أن تتولّى الآلات مهمة اتّخاذ قرارات مصيرية في الحياة، وهنا يبرز قلق من جانب الهيئات الناظمة في أوروبا وأميركا الشمالية.
مسودّة مشروع القانون الخاص بالاتحاد الأوروبي تحدد المقاربات التي يُشار إليها على أنّها تمثل الذكاء الاصطناعي، ومن ضمنها أي نظام كمبيوتر يتضمّن التشغيل الآلي.
لكنّ المشكلة تنبع من استعمالات مصطلح الذكاء الاصطناعي المتغيّرة، إذ ارتبط ذلك على مدى عقود بمفهوم يقدمه على أنّه محاولات لإنشاء آلات تحاكي التفكير البشري، إذ خلص كل من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة إلى أنّ أي تعريف للذكاء الاصطناعي ينبغي أن يكون شاملاً قدر الإمكان.
"إشكالية كبيرة"
لكن انطلاقاً من هذه النقطة، اتّخذت كلّ من القوّتين الغربيتين، مساراً مختلفاً عن الأخرى.
ويأتي مشروع قانون الاتحاد الأوروبي المتعلق بالذكاء الاصطناعي في أكثر من مئة صفحة، ومن بين أكثر المقترحات الملفتة فيه، حظر كامل لبعض التقنيات "عالية الخطورة"، كأدوات المراقبة البيومترية المستخدمة في الصين.
ويقترح المشروع كذلك الحدّ بشكل كبير من استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي من المسؤولين عن ملف الهجرة والشرطة والقضاة.
ومن ناحية ثانية، يشكل مشروع القانون الأميركي مجموعة مبادئ مختصرة صيغت بلغة طموحة، مع نصائح بينها مثلاً، ما يندرج تحت فكرة "ضرورة أن تكون محمية من الأنظمة غير الآمنة أو غير الفعالة"، حيث صدر مشروع القانون، الذي يستند إلى القوانين المعمول بها حالياً، عن البيت الأبيض.
ويعتبر الخبراء أنه من غير المحتمل وجود قانون خاص بالذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة قبل عام 2024، لأنّ الكونجرس وصل إلى "طريق مسدود" في هذا الشأن.
تنظيم مفرط
وتتعدّد الآراء في شأن مزايا كل مقاربة خاصة بكلا الجانبين، إذ يرى جاري ماركوس من جامعة نيويورك أنّ موضوع الذكاء الاصطناعي "بحاجة ماسة إلى قانون ينظّمه".
وأشار إلى أن "النماذج اللغوية الكبيرة"، بينها الذكاء الاصطناعي المسؤول عن روبوتات المحادثة وأدوات الترجمة وبرامج النصوص التنبؤية، قد تُستخدم لنشر معلومات مضللة.
أما ميريديث ويتكر، الموظفة السابقة في "جوجل" والمشاركة في تأسيس معهد "أرتيفشل إنتلجنس ناو" التابع لجامعة نيويورك، فأبدت شكوكاً في قيمة القوانين الرامية إلى التصدّي للذكاء الاصطناعي، بدلاً من مكافحة "نماذج المراقبة" التي تقوم عليها.
وأضافت: "إذا لم يعالج القانون الموضوع بشكل جوهري، فأعتقد أنّ الأمر سيمثّل معالجة موقتة، كأن نضع ضمادة على جرح في الجسم".
من جهة ثانية، رحّب خبراء آخرون بالمقاربة الأميركية، حيث أشار الباحث شون ماكجريجور الذي يتولى تسجيل الأعطال التقنية لدى قاعدة بيانات "أرتيفشل إنتالدجنس إنسيدنت"، إلى أنّ الذكاء الاصطناعي كان هدفاً أفضل للهيئات الناظمة من مفهوم الخصوصية الذي ينطوي على إبهام أكبر.
لكنه حذّر من احتمال التوصل إلى قوانين تفرط في تنظيم الذكاء الاصطناعي، قائلاً إنّ "السلطات الحالية يمكنها تنظيم موضوع الذكاء الاصطناعي"، معدّداً أمثلة بينها لجنة التجارة الفدرالية الأميركية ووزارة الإسكان والتنمية الحضرية.
أما النقطة التي يتّفق عليها الخبراء فهي الحاجة إلى تبديد الترويج المفرط للذكاء الاصطناعي والغموض المحيط به.
"خطوة حمقاء"
جري هسيلباك، الباحثة الدنماركية التي تقدّم مشورة للاتحاد الأوروبي في شأن التكنولوجيا المثيرة للجدل، أشارت إلى أنّ الغرب "يخاطر في إنشاء بنى أساسية شمولية"، قائلة: "أرى أنّ هذه الخطوة تمثّل تهديداً كبيراً أياً تكن الفوائد".
وقال المشارك في إعداد تشريع الحقوق الخاصة بالذكاء الاصطناعي سوريش فينكاتاسوبرامانيان، إنّ "محاولة تحديد مفهوم الذكاء الاصطناعي يعد خطوة حمقاء".
وأشار في تغريدة عبر حسابه في تويتر إلى أنّ "أي تقنية تؤثر على حقوق الناس ينبغي أن تكون ضمن نطاق مشروع القانون"، إلا أنّ الاتحاد الأوروبي الذي يضم 27 بلداً، يأخذ المسار الأكثر تعقيداً في محاولة لتحديد هذا المجال الواسع.
وفي أوائل القرن الـ21، جفّ إلى حد كبير التمويل المتعلّق بهذا البحث، فيما ترافق بروز شركات "سيليكون فالي" العملاقة، مع تجدّد في مصطلح الذكاء الاصطناعي كشعار جذاب لبرامج هذه الشركات وخوارزمياتها.
وأتاح هذا التشغيل للشركات استهداف المستخدمين بالإعلانات والمحتوى، ما ساعدها على جني مئات المليارات من الدولارات.
بدورها، أشارت ميريديث ويتكر، إلى أنّ "الذكاء الاصطناعي كان وسيلة للشركات كي تستفيد بصورة أكبر من بيانات المراقبة، وتخفي ما كان يجري".




