
مع استمرار النزاع في سوريا وهجرة نحو 6 ملايين شخص إلى الخارج، ونزوح نحو 6 ملايين آخرين إلى مناطق الداخل، باتت المواقع الأثرية في البلاد ملجأ النازحين ومكان استقرارهم مع اكتظاظ المناطق السكنية في شمال غربي سوريا بالفارين من النزاع.
وقالت صحيفة "نيويورك تايمز" ، إن عدداً كبيراً من الأشخاص توجه إلى بلدة الكفير، حيث المواقع الأثرية البيزنطية التي هجرت قبل أكثر من ألف عام، ليعيد لها النازحون الحياة ويستقر معظمهم بين بقايا الجدران التاريخية والأسطوانات المزينة.
ونقلت الصحيفة عن أبو رمضان (38 عاماً)، أحد القاطنين في البلدة، أنه "لا يعبأ كثيراً بتاريخ هذا المكان كمركز للتجارة والزراعة"، لكنه يقدر "الجدران القوية التي منعت عنهم الرياح العاتية" والأحجار الوفيرة التي يمكن لعائلته التي فقدت كل شيء أن تنتشلها "لتبني من خلالها حياة جديدة".
وقال الرجل الثلاثيني للصحيفة: "بنينا كل هذه الأشياء من تلك الأطلال"، مشيراً إلى قن دجاج وموقد يعمل بالحطب، ومضيفاً: "صرنا أيضاً أطلالاً بين هذه الأطلال".
ودفعت الحرب الأهلية السورية المستمرة منذ 10 سنوات وتسببت في نزوح ملايين الأشخاص، بأسر، مثل أسرة أبو رمضان، إلى الاحتماء من جحيم الحرب الحديثة خلف جدران عشرات القرى القديمة المتناثرة عبر الوديان الممتدة في شمال غربي سوريا، وهي المنطقة التي لا تزال خارج نطاق سيطرة النظام السوري.
وظلت هذه الأطلال، منذ أن غادرها سكانها في الفترة بين القرنين الثامن والعاشر الميلاديين، في حالة جيدة لأكثر من ألف عام، قاومت خلالها هياكلها الحجرية تعاقب الإمبراطوريات وصروف الرياح والأمطار.
لكن الصراع السوري الحالي يفرض تهديدات جديدة على هذه المواقع، "فكنائسها ذات الأعمدة، ومنازلها متعددة الطوابق، وحماماتها الأنيقة التي صمدت لأعوام تشوهت واجهاتها بفعل رصاص البنادق، وتهدمت أعمدتها بفعل الغارات الجوية، وتحولت جدرانها المصنوعة من الحجر الجيري إلى سواتر للجنود والمتمردين والجماعات المسلحة"، وفقًا لـ "نيويورك تايمز".
وتركت الحضارات القديمة من العصور الهلنستية والرومانية والبيزنطية والعثمانية، مواقع تاريخية قبل آلاف الأعوام، حددت منها منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "اليونسكو" 6 مواقع للتراث العالمي، بما في ذلك الأطلال الموجودة في الشمال الغربي التي يطلق عليها "القرى القديمة في شمال سوريا".
وبحسب الصحيفة الأميركية، يخشى علماء الآثار من أن يمثل استخدام هذه القرى كمخيمات لاجئين غير رسمية تهديداً خطيراًعلى مستقبلها، إذ تضيف الأسر المقيمة فيها جدراناً جديدة، وتقود السيارات في مواقع الخيام، وتتخلص من الحجارة.
في هذا السياق قال عبد العزيز حسن (45 عاماً)، والذي يعيش مع أسرته في خيمة داخل أطلال معبد زيوس بوموس، الذي يعود تاريخه إلى 1800 عام، بالقرب من قرية بابوتا للصحيفة: "هذه الجدران تدفع عنا الرياح والبرد وغيرهما".
وانتقل حسن، الذي كان يعمل بستانياً قبل الحرب، مراراً مع أسرته للهرب من مناطق النزاع بين الحكومة السورية والمعارضة، واستقر به المقام في المواقع الأثرية، لعدم اضطرارهم لدفع الإيجار، مقارنة بمن نصبوا خيامهم في أراض خاصة.
ويقول حسن للصحيفة الأميركية: "أين يمكننا الذهاب؟ في كل مكان تذهب إليه يتعين عليك أن تدفع".
وكانت الحرب المستمرة في سوريا منذ 2011، دمرت المواقع التاريخية في أماكن أخرى من البلاد، مثل قلعة "كراك دي شوفالييه" والمعروفة بـ"قلعة الحصن"، إحدى أفضل قلاع الصليبيين المحفوظة، والتي كانت مليئة بالأنقاض بعد اشتباكات بين النظام والمعارضة المسلحة.
كما شهدت مدينة تدمر التاريخية، والتي يعود تاريخها إلى ألفي عام من الزمان، دماراً كبيراً بعد سيطرة تنظيم "داعش" عليها وتنفيذه عمليات إعدام في مسرحها الروماني.
ولم تحظ المواقع التاريخية في شمال غربي سوريا، بالقرب من حدودها مع تركيا، باهتمام كبير قبل اندلاع الحرب، فكانت المنطقة أشبه بمتحف مفتوح، بحسب الصحيفة الأميركية.
وبحسب "اليونسكو"، تقدم هذه المواقع، التي تم تشييدها في الفترة بين القرنين الأول والسابع الميلادي، "شهادة حية على الحياة الريفية" في الحقبة الانتقالية بين الإمبراطورية الرومانية الوثنية والمسيحية البيزنطية، بحسب ما نقلت "نيويورك تايمز".
ونقلت الصحيفة عن عمرو العظم، مسؤول الآثار السوري السابق الذي يعمل حالياً أستاذاً لتاريخ الشرق الأوسط بجامعة "شوني ستيت" في أوهايو، أن المدن القديمة هُجرت على مدى القرون التالية بسبب التغيرات المناخية، وتحول طرق التجارة والهيمنة السياسية، ولكن "ليس بسبب الحرب، ما جعلها محفوظة بشكل جيد".
وتوقفت جهود حماية هذه المواقع عندما اندلعت الحرب السورية في عام 2011، وبدأت المجموعات المسلحة استخدامها كقواعد لها.
وفي عام 2016، ألحقت الغارات الجوية أضراراً جسيمة بكنيسة القديس سمعان، وحطمت بقايا الأعمدة التي يقال إن القديس الذي حملت هذه الكنيسة اسمه عاش فوقها لما يقرب من 40 عاماً قبل موته في عام 459 ميلادية.
وتتسم مناطق شمال غرب سوريا، الواقعة تحت سيطرة المعارضة بصغر حجمها وازدحامها بالسكان، إذ يُحاصر سكانها بجدار بطول الحدود مع تركيا في الشمال لمنعهم من المرور، وبينما يتنقل الوافدون الجدد للعثور على مأوى في المباني المتصدعة وبساتين الزيتون والمخيمات مترامية الأطراف، استقر بعضهم في المواقع العتيقة.
وقال أيمن نابو، مسؤول الآثار في الإدارة المحلية بمحافظة إدلب، لـ "نيويورك تايمز"، إن القصف والغارات الجوية أضرا بالكثير من المواقع التاريخية، بينما شجعت حالات الفقر والفوضى التي خلفتها الحرب على القيام بعمليات تنقيب غير قانونية من قبل الباحثين عن الكنوز.
لكن نابو أكد أن التهديد الأخطر الذي يواجه هذه المواقع يكمن في "نزع الحجارة، أو تكسيرها من قبل اللاجئين لبناء منشآت جديدة". وأضاف: "في حال استمر هذا الوضع، فإن موقعاً أثرياً بأكمله يمكن أن يختفي".
وتفتقر الإدارة الحالية إلى الموارد لحماية هذه المواقع، لكن نابو أعرب عن أمله في أن تتجاوز هذه المواقع "محنة الحرب وما خلفته من فوضى ودمار، وأن تظل باقية من أجل الأجيال القادمة" ومن أجل الأشخاص الواقعين حالياً في شرك ما يطلق عليه "السجن الكبير"، حيث تسيطر القوات الحكومية على الطرق المؤدية إلى ساحل البحر الأبيض المتوسط وبقية أنحاء سوريا.
وتابع نابو: "لم يعد لدينا بحر، ولم يعد لدينا نهر، ولم يعد لدينا غابة ليزورها الأطفال"، لذلك يحتاج الناس إلى هذه المواقع كمتنفس.
وفي الوقت الراهن، وبحسب الصحيفة الأميركية تمثل هذه المواقع "الملاذ الأخير للأسر المنكوبة".
وقالت سيحان جاسم (26 عاماً)، والتي اضطرت أسرتها للتنقل 3 مرات منذ أن فرت من بيتها الأصلي، وانتهى بها المطاف في خيمة من البطاطين والأقمشة وسط أطلال دير عمان، وهو قرية من العصر البيزنطي لـ "نيويورك تايمز": "عندما يسقط المطر، يصيبنا البلل"، مضيفة: "الأطفال يلعبون في الأطلال، ونخشى أن تنهار الصخور فوق رؤسهم".




