
شدد خبراء في هندسة العمارة على أن أزمة تغير المناخ وبلوغ درجات الحرارة مستويات غير مسبوقة صيفاً وشتاء يفرضان ضرورة إحداث تحول جذري في تصميم المنازل وأماكن العمل، مؤكدين أن المباني الحالية لم تعد قادرة على توفير الحماية الكافية لسكانها في ظل عالم يزداد حرارة وتطرفاً مناخياً.
وأشار الخبراء أن الناس يقضون نحو 90% من حياتهم داخل المباني التي تمثل "الجلد الثالث" الواقي من تقلبات الطقس، إلا أن هذا الدور بات مهدداً مع تكرار موجات الحر الشديدة والعواصف الباردة القاسية.
وأوضحوا، في كتاب "الراحة الحرارية التكيفية في مواجهة التطرف"، أن كثيرا من المساكن والمكاتب القائمة حالياً لم تصمم لتحمل هذه الظروف المتطرفة، ما يؤدي إلى ارتفاع درجات الحرارة داخلها إلى مستويات خطرة خلال فترات الحر، أو يجعل بعضها غير صالح للسكن عند انقطاع التيار الكهربائي، لافتين إلى أن المشكلة لا تقتصر على محدودي الدخل، إذ يواجه حتى أبناء الطبقات المتوسطة في الدول المتقدمة صعوبات متزايدة في تحمل تكاليف الطاقة اللازمة للحفاظ على درجات حرارة آمنة داخل منازلهم، فضلاً عن تحقيق مستوى مقبول من الراحة.
أخطار ارتفاع درجات الحرارة
يرى مؤلفو الكتاب أن القرن العشرين شهد تصدير نموذج ضيق لتعريف "الراحة الحرارية" من الغرب إلى بقية أنحاء العالم، تمثل في مبان خفيفة البنية ذات واجهات زجاجية واسعة تعتمد كلياً على التكييف الاصطناعي، وغالباً ما تكون نوافذها غير قابلة للفتح، لافتين إلى أن هذا النموذج يستهلك كميات كبيرة من الطاقة ويسهم في زيادة الانبعاثات الكربونية، ما يجعله أكثر عرضة للخطر عند حدوث أي اضطراب في إمدادات الكهرباء.
أشار المؤلفون إلى عدد من المشكلات الشائعة في التصميمات الحديثة، من بينها أخطار ارتفاع درجات الحرارة الزائدة في الشقق ذات الواجهة الواحدة ضعيفة التهوية، والمباني الواقعة في المدن الكثيفة التي تحتفظ بالحرارة ليلاً ونهاراً خلال فترات الحر.
ونبهوا إلى أن المساحات المفتوحة الواسعة والجدران الزجاجية الكبيرة دون ستائر أو مظلات تؤدي إلى تسرب الحرارة بسهولة شتاءً واختراقها سريعاً صيفاً، ما يسبب تقلبات حادة في درجات الحرارة داخل الغرف ويؤثر سلباً على الصحة.
حذر المؤلفون من أن أساليب القياس والتصميم الحالية تقود إلى إنشاء مبان غير قابلة للتكيف، تحتاج إلى كميات ضخمة من الطاقة لتظل صالحة للسكن، وربما يقتصر العيش فيها مستقبلاً على القادرين مالياً فقط، داعين إلى أن تكون مباني المستقبل، ولا سيما المنازل، قادرة على الحفاظ على درجات حرارة مريحة بشكل شبه مستقل عن شبكة الكهرباء، مع الاستفادة من مصادر الطاقة المحلية والنظيفة مثل الشمس والرياح وحرارة الأرض.
وقالت أحد مؤلفي الكتاب سوزان روف، الأستاذة الفخرية في هندسة العمارة بجامعة هيريوت وات الأسكتلندية، إن قطاع البناء يقف عند مفترق طرق، بين الاستمرار في تشييد مبان معزولة عن مناخها الخارجي وتعتمد على آلات لضبط حرارتها، أو تبني توجه جديد يعيد ربط المناخ الداخلي بالمحيط الخارجي عبر التهوية الطبيعية وكسب الحرارة الشمسية شتاء وتقنيات التبريد صيفاً، بما يقلل استهلاك الطاقة والانبعاثات بشكل جذري.
تجارب مبتكرة لمواجهة الحر
أوضح الكتاب أن البشرية تمكنت تاريخياً من التكيف مع مناخات متنوعة من خلال مبان تطورت محلياً بما يتناسب مع بيئاتهاـ واستعرض عدة أمثلة من خيام "اليورت" في منغوليا، وفلسفات الماوري حول الرفاه الإنساني، وتجارب في السويد أظهرت دور المجتمع في حماية الأفراد خلال البرد، إضافة إلى نماذج معمارية مبتكرة في جنوب شرق آسيا تعتمد على الموارد الطبيعية المحلية.
وأشار المؤلفون إلى أن مواجهة الطقس المتطرف ترتبط بعوامل اجتماعية، لافتين إلى دراسة أجريت في الولايات المتحدة أظهرت أن بعض الوفيات خلال موجات الحر في المدن تعود إلى خوف السكان من الجريمة، ما يمنعهم من فتح النوافذ ليلاً، وفي السويد، تبين أن كبار السن الذين يجتمعون في قاعات مجتمعية يشعرون براحة فسيولوجية ونفسية أكبر مقارنة ببقائهم بمفردهم في منازلهم عند الدرجة نفسها من الحرارة.
ودعوا إلى التحرك، مؤكدين أن المناخين العالمي والمحلي يتجهان بسرعة نحو مزيد من التطرف، وأن مسألة ضمان بقاء السكان في ظروف حرارية آمنة ومريحة وبتكلفة معقولة أصبحت من أكثر القضايا إلحاحاً على الأجندة السياسية عالمياً في ظل عالم يزداد سخونة.









