
نجح فريق من الباحثين في إنجاز علمي غير مسبوق، إذ تمكّنوا من محاكاة خلية حية تنمو وتنقسم على الحاسوب، ليعيدوا بذلك دورة حياتها الكاملة من البداية وحتى الانقسام.
وأتاح هذا النموذج للباحثين متابعة العمليات الحيوية داخل الخلية لحظة بلحظة، بدءاً من تضاعف المادة الوراثية، مروراً بإنتاج البروتينات وتفاعلات الطاقة، وصولاً إلى الانقسام الخلوي.
وتفتح هذه الدراسة نافذة جديدة لفهم الحياة على مستوى الخلية الأساسية، إذ يمكن للعلماء الآن مراقبة ما يحدث داخل الخلية وكأنهم ينظرون إليها من الداخل.
واستندت الدراسة إلى ما يُعرف بـ"الخلية الدنيا"، وهي خلية بكتيرية مبسطة صُممت لتحتوي على الحد الأدنى فقط من الجينات الضرورية للحياة.
وبما أن الجينات هي الوحدات الوراثية التي تتحكم في بناء مكونات الخلية ووظائفها، فإن هذه الخلية المبسطة تسمح بفهم العناصر الأساسية للنمو والانقسام دون التشويش الناتج عن آلاف الجينات الإضافية الموجودة في الكائنات الأكثر تعقيداً.
وتمكن الباحثون من بناء نموذج حاسوبي ثلاثي الأبعاد وديناميكي للخلية، لا يقتصر على تصوير شكلها فحسب، بل يرصد أيضاً حركة مكوناتها وتغيراتها مع مرور الزمن.
ويشمل ذلك تتبع انتقال الجزيئات، ونسخ التعليمات الوراثية، وتكوين البروتينات، واستهلاك الموارد لإنتاج الطاقة، على مستوى دقيق للغاية، إذ تصل المقاييس إلى أجزاء من المليار من المتر.
المادة الوراثية
وشملت المحاكاة كل ما يدور داخل خلية حية تقريباً، بدءاً من المادة الوراثية مروراً بالحمض النووي الريبي والبروتينات وصولاً إلى التفاعلات الكيميائية الحيوية.
وتُعد المادة الوراثية الشفرة الأساسية التي تحفظ معلومات الحياة داخل الخلية، بينما ينقل الحمض النووي الريبي التعليمات اللازمة لإنتاج البروتينات، وهي الأدوات التنفيذية الرئيسية التي تؤدي معظم الوظائف الحيوية.
واعتمد الباحثون على حساب دور كل جين وكل بروتين وكل تفاعل كيميائي تقريباً لإعادة بناء التوقيت الدقيق للأحداث التي تسمح للخلية بالنمو والانقسام.
وكشفت الدراسة تفاصيل "تضاعف المادة الوراثية" أثناء نسخ كامل التعليمات الوراثية، وضمان حصول كل خلية جديدة على نسخة كاملة، كما ركزت على "ترجمة البروتينات"، العملية التي تقرأ فيها الخلية التعليمات من الحمض النووي الريبي لصنع البروتينات اللازمة للبقاء والنمو.
وشملت المحاكاة أيضاً عمليات الأيض، أي التفاعلات الكيميائية التي تحوّل المواد الغذائية إلى طاقة ومواد بنائية، وهي أساس كل حياة خلوية.
وأشار الباحثون إلى أن الخلية المستخدمة لا تحتوي على نواة، وهي الجزء الذي يحيط بالمادة الوراثية في خلايا الإنسان والحيوانات والنباتات، وفي البكتيريا، تكون المادة الوراثية حرة داخل السائل الداخلي للخلية، الذي يسمى "السيتوبلازم" أوالوسط الداخلي الذي تسبح فيه مكونات الخلية وتتم فيه معظم التفاعلات الحيوية
كما درس الفريق البحثي غشاء الخلية الخارجي الذي ينظم تبادل المواد مع البيئة المحيطة، مشيرين إلى أن محاكاة العلاقة بين الغشاء والمادة الوراثية شكلت تحدياً كبيراً بسبب حركة كلاهما المستمرة داخل خلية صغيرة ومزدحمة.
سلوك الخلية
وكانت عملية نسخ المادة الوراثية الأكثر تعقيداً، إذ استهلكت قدراً هائلاً من القدرة الحاسوبية، فخصص الباحثون معالجاً رسومياً مستقلاً لها، فيما تولى معالج آخر متابعة باقي ديناميكيات الخلية.
ونتيجة لذلك، تمكّن الباحثون من محاكاة دورة خلوية كاملة تستغرق في الواقع نحو 105 دقائق خلال ستة أيام فقط من وقت الحاسوب.
ورغم أن المحاكاة لم تتتبع كل ذرة على حدة، فإنها قدمت صورة دقيقة للغاية لسلوك الخلية، مع فارق زمني متوسط لا يتجاوز دقيقتين مقارنة بالدورة الحقيقية، مما يعكس موثوقية عالية للنموذج الحاسوبي.
وتوفر هذه المحاكاة نافذة جديدة لفهم الأنظمة الحية من الداخل، إذ يمكن للباحثين متابعة مئات العمليات الحيوية في الوقت نفسه، وملاحظة أثر تعديل عملية واحدة على بقية وظائف الخلية، مما يوفر الوقت والجهد، ويساعد على تفسير ما يحدث عند تعطل وظيفة معينة أو تعديل الخلية وراثياً.
ويؤكد الباحثون أن هذه الخطوة تُمثّل مرحلة جديدة في علم الأحياء، إذ يتحول الحاسوب إلى أداة لرؤية الحياة نفسها، لا مجرد تحليل بياناتها، وهو ما قد يفتح آفاقاً لتطوير أدوية أكثر دقة، وفهم الأمراض على المستوى الخلوي، وتصميم كائنات دقيقة تؤدي وظائف مفيدة في الطب والصناعة والبيئة.
كما يعزز هذا العمل فكرة أن فهم الحياة لم يعد يقتصر على الملاحظة المجهرية، بل يمتد إلى إعادة بنائها رقمياً بدقة متزايدة، بما يسمح للعلماء بطرح أسئلة جديدة لم يكن من الممكن اختبارها سابقاً.













