دراسة حديثة تعيد فهم كيفية ثوران البراكين وتتنبأ بأخطارها | الشرق للأخبار

دراسة حديثة تعيد فهم كيفية ثوران البراكين وتتنبأ بأخطارها

نموذج علمي جديد يعيد تفسير نظام الصهارة في بركان "يلوستون"

time reading iconدقائق القراءة - 6
رسم توضيحي للتصور التقليدي عن كيفية ثوران البراكين (يسار) والنموذج الجديد الذي يوضح أن القوى التكتونية هي التي تمدد الغلاف الصخري كاملاً (يمين) - https://www.linkedin.com/in/zebin-cao-1293b8264
رسم توضيحي للتصور التقليدي عن كيفية ثوران البراكين (يسار) والنموذج الجديد الذي يوضح أن القوى التكتونية هي التي تمدد الغلاف الصخري كاملاً (يمين) - https://www.linkedin.com/in/zebin-cao-1293b8264
القاهرة -

كشفت دراسة حديثة أجراها باحثون بالأكاديمية الصينية للعلوم عن نموذج جديد لنظام الصهارة أسفل بركان "يلوستون"، يشير إلى أن القوى التكتونية داخل القشرة الأرضية تلعب الدور الرئيسي في تحريك الصهارة، بدلاً من الاعتماد على فكرة "العمود الحراري العميق" من أعماق الأرض، وهو ما قد يساهم في تحسين دقة التنبؤ بالأخطار البركانية مستقبلاً.

و(نظام الصهارة) هو شبكة ديناميكية تحت سطح الأرض تشمل خزانات عميقة على عمق ما بين 10 و20 كيلومتراً، وضحلة، حيث تنصهر الصخور بفعل الحرارة الشديدة وتتراكم وتتنقل، ما يغذي البراكين، وتشمل مكوناته الصهارة السليكاتية السائلة، والغازات، والبلورات الصلبة، وتتحكم حركتها وضغطها في ثورات البراكين. 

ويعد بركان "يلوستون" من أبرز وأضخم الأنظمة البركانية في العالم، ويقع تحت متنزه "يلوستون" الوطني في الولايات المتحدة، ويتميز بأنه "بركان عملاق" إذ تشكلت في موقعه "كالديرا" واسعة نتيجة ثورات بركانية هائلة وقعت قبل مئات الآلاف من السنين.

و(الكالديرا) هي إحدى الظواهر الأرضية المصاحبة للبراكين، وهي عبارة عن فوهات بركانية ضخمة تبدو في شكل أحواض واسعة في قمم البراكين، أو منخفض بركاني واسع يشبه الحوض، يتشكل عندما يثور البركان بثوران هائل يؤدي إلى تفريغ كميات كبيرة من الصهارة من باطن الأرض، ما يسبب انهيار السطح فوقه وتمثل قلب النظام البركاني في المنطقة، حيث تنتشر حولها الظواهر الحرارية مثل الينابيع الساخنة والنافورات البخارية، ما يعكس استمرار النشاط الجيولوجي تحت سطح الأرض.

وفي حالة بركان "يلوستون"، تقع هذه "الكالديرا" داخل متنزه "يلوستون"، وتمتد على مساحة شاسعة تُقدّر بعشرات الكيلومترات، وهي تمثل قلب النظام البركاني في المنطقة، حيث تنتشر حولها الظواهر الحرارية مثل الينابيع الساخنة والنافورات البخارية، ووقوع هزات أرضية متكررة وارتفاعات وانخفاضات في سطح الأرض، ما يعني استمرار النشاط الجيولوجي تحت سطح الأرض؛ رغم عدم حدوث ثوران كبير في العصر الحديث.

ويجعل هذا النشاط المستمر من "يلوستون" واحداً من أكثر البراكين مراقبة في العالم، نظراً لما قد يشكله من أخطار في حال حدوث نشاط بركاني كبير مستقبلاً.

وتعتبر الثورات البركانية التي تشكل مثل هذه "الكالديرات" من أخطر الكوارث الطبيعية على الإطلاق، نظراً لقدرتها على إحداث دمار واسع النطاق؛ ورغم ذلك، فإن نشاط "يلوستون" لا يقتصر على الانفجارات الضخمة، بل يشمل أيضا تدفقات بركانية أقل عنفا وأكثر استمرارية.

شبكة عمودية معقدة للصهارة

ويقترح النموذج الجديد وجود شبكة عمودية معقدة من القنوات والخزانات التي تنقل الصهارة من طبقات عميقة نسبيا في باطن الأرض إلى السطح، ولا تعتمد هذه الشبكة على مصدر واحد عميق، بل تتشكل نتيجة تفاعل عدة عوامل، أبرزها الحرارة الزائدة في الطبقات العليا من الوشاح الأرضي، إضافة إلى انخفاض الضغط، وهي عوامل تحفز تكون الصهارة.

لكن العنصر الحاسم في هذه العملية، وفق الدراسة المنشورة في دورية Science، هو القوى التكتونية التي تعمل على شد الغلاف الصخري للأرض، ما يفتح مسارات تسمح للصهارة بالصعود عبر القشرة ويسهل انتقال المواد المنصهرة من الأعماق إلى مستويات أقرب للسطح، حيث يمكن أن تتجمع أو تثور.

لطالما اعتقد أن نشاط "يلوستون" يعتمد بشكل أساسي على عمود صهاري عميق يصعد من أعماق الوشاح الأرضي، لكن النتائج الجديدة تشير إلى أن هذا العامل قد يكون أقل أهمية مما كان يعتقد. وبدلا من ذلك، يبدو أن العمليات القريبة نسبيا من سطح الأرض، المرتبطة بحركة الصفائح التكتونية، تلعب الدور الأكبر في تشكيل سلوك البركان.

ويشير النموذج إلى وجود منطقة تمدد مائلة باتجاه الجنوب الغربي داخل الغلاف الصخري، وهي منطقة تتوافق مع مسارات الصهارة التي جرى رصدها في دراسات سابقة، ما يعزز من مصداقية النتائج ويقدم تفسيراً أكثر تكاملاً لبنية النظام البركاني.

تحسين فهم الأخطار البركانية

وتكمن أهمية هذا النموذج في قدرته على توفير صورة أكثر دقة وشمولية لكيفية تكون الصهارة وانتقالها وتخزينها تحت "يلوستون"، ويمكن أن يساعد هذا الفهم المتقدم العلماء في تفسير النشاط البركاني السابق، وكذلك في تحسين التوقعات المستقبلية، سواء من حيث احتمالات الثوران أو طبيعة النشاط المتوقع.

ويرى الباحثون أن دمج البيانات الجيوفيزيائية المختلفة ضمن نماذج ثلاثية الأبعاد يتيح فهماً أعمق للأنظمة البركانية المعقدة، وهو ما قد يطبق لاحقاً على براكين أخرى حول العالم.

وفي ظل الأخطار الكثيرة التي تمثلها البراكين العملاقة، يعد تطوير نماذج دقيقة لفهم سلوكها خطوة أساسية في تقليل الأخطار وحماية المجتمعات، ومن المتوقع أن يسهم هذا النموذج الجديد في تعزيز قدرة العلماء على مراقبة التغيرات تحت سطح الأرض، والتنبؤ بأي نشاط غير طبيعي قبل وقوعه.

ويرى الباحثون أن هذا التقدم يعكس تحولاً في فهم كيفية عمل الأنظمة البركانية، إذ لم تعد الأعماق السحيقة وحدها هي المحرك، بل أصبحت القوى التكتونية القريبة من السطح جزءاً أساسياً من الصورة، ما يفتح آفاقاً جديدة لدراسة واحدة من أكثر الظواهر الطبيعية تعقيداً وخطورة.

تصنيفات

قصص قد تهمك