
طور باحثون جهازاً لاسلكياً صغيراً يلتصق بالصدر، ويراقب مؤشرات فسيولوجية دقيقة للتوتر، بما قد يتيح استخدامه في كشف إشارات مرتبطة بالكذب أثناء المقابلات، أو رصد اضطرابات النوم لدى الأطفال الرضع.
ويطرح الابتكار بديلاً أقل إزعاجاً من الأجهزة التقليدية المليئة بالأسلاك، مع إمكانات تمتد من الطب السريري إلى التدريب في مواقف الطوارئ.
تقوم الفكرة على مبدأ معروف في أجهزة كشف الكذب والدراسات السريرية للنوم، فالجسم يترك آثاراً فسيولوجية عندما يتعرض للضغط أو الاضطراب، فمعدل ضربات القلب، والتنفس، ودرجة حرارة الجلد، كلها مؤشرات يمكن أن تتغير عندما يواجه الإنسان موقفاً مرهقاً، أو عندما يعاني اضطراباً في النوم.
لكن المشكلة أن الأجهزة المستخدمة عادة لالتقاط هذه الإشارات تكون كبيرة، ومعقدة، وتتطلب توصيل أسلاك وحساسات بأجزاء متعددة من الجسم، وهو ما قد يسبب إزعاجاً للمستخدم، ويؤثر في دقة القياس نفسه.
وفي الدراسة الجديدة المنشورة بدورية Science Advances، طور الباحثون نظاماً صغيراً وغير مزعج نسبياً، يمكن تثبيته على الصدر مثل لاصقة قابلة للارتداء.
ويراقب الجهاز بشكل مستمر تغيرات نبض القلب، ودرجة حرارة الجلد، والتنفس، ثم يستخدم تقنيات تعلم الآلة لتحليل هذه المتغيرات بوصفها مؤشرات على الإجهاد النفسي والفسيولوجي.
بديل أخف من أجهزة كثيرة الأسلاك
تُعرف أجهزة كشف الكذب تقليدياً باسم "البوليجراف" وهي لا تكشف الكذب مباشرة، بل تقيس مؤشرات التوتر التي قد تصاحب الخداع، مثل تغير التنفس أو النبض أو الاستجابة الجسدية للضغط.
وبطريقة مشابهة، تستخدم بعض الأجهزة السريرية مؤشرات فسيولوجية متعددة للمساعدة في تشخيص اضطرابات النوم، لكن هذه الأنظمة غالباً ما تكون مرهقة للمستخدم، لأنها تعتمد على حساسات وأسلاك موزعة على الجسم.
يشير الباحثون إلى أن هذا التكوين المعقد قد يسبب عدم راحة للمستخدم، بل قد يولد توتراً ثانوياً يؤثر في القياسات.
وهذا أمر مهم، لأن جهازاً مصمماً لقياس التوتر قد يضيف هو نفسه مصدراً جديداً للتوتر، ما يجعل البيانات أقل نقاء. لذلك فإن تقليل حجم الجهاز وعدد الأسلاك ليس مجرد تحسين في الراحة، بل قد يكون خطوة لتحسين جودة القياس.
ويحاول الجهاز الجديد تجاوز هذه المشكلة عبر تصميم لاسلكي صغير يلتصق بالصدر، وهي منطقة تسمح بالتقاط إشارات مرتبطة بالقلب والتنفس وحرارة الجلد. وبدمج هذه القراءات مع خوارزميات تعلم الآلة، يمكن للنظام البحث عن أنماط لا تظهر بالضرورة في قراءة واحدة منفصلة، بل في تفاعل مجموعة من المؤشرات معاً.
اختبار الجهاز كـ"بوليجراف" قابل للارتداء
في المرحلة الأولى اختبر الباحثون النظام بوصفه جهازاً قابلاً للارتداء لرصد مؤشرات التوتر أثناء مقابلات حساسة، شملت التجربة 6 مشاركين، ونجح الجهاز في رصد تغيرات في الجهاز العصبي الذاتي أثناء خطوط معينة من الأسئلة.
والجهاز العصبي الذاتي هو الجزء المسؤول عن تنظيم وظائف لا إرادية مثل ضربات القلب والتنفس والتعرق، وهي وظائف تتأثر غالباً بحالات الضغط النفسي.
ولم يقتصر الاختبار على المقابلات، فقد استطاع الجهاز أيضاً تحديد علامات التوتر عندما وضع المشاركون أيديهم في ماء مثلج، أو عندما نفذوا مهاماً تتطلب تفكيراً مكثفاً.
وهذه الاختبارات مهمة، لأنها تميز بين أنواع مختلفة من الضغط: ضغط جسدي مباشر، وضغط ذهني، وضغط نفسي محتمل أثناء السؤال والجواب.
مع ذلك، ينبغي التعامل مع فكرة "كشف الكذب" بحذر، فالجهاز يرصد مؤشرات فسيولوجية للتوتر، وليس الكذب كحقيقة مستقلة، فالتوتر قد يحدث لأسباب كثيرة، منها الخوف، أو القلق، أو الألم، أو العبء الذهني، أو طبيعة الموقف نفسه.
لذلك فإن القيمة العلمية للجهاز تكمن في قدرته على قياس مؤشرات الإجهاد بطريقة مريحة ومستمرة، لا في تحويله إلى حكم نهائي على صدق الشخص أو كذبه.
أما الاستخدام الثاني الذي اختبره الباحثون قد يكون أكثر أهمية من الناحية الطبية، ويتعلق بدراسة اضطرابات النوم لدى الأطفال. والرضع لا يستطيعون وصف أعراضهم، ولا يمكنهم إخبار الطبيب بأنهم يستيقظون مراراً، أو يعانون صعوبة في التنفس أثناء النوم. لذلك يعتمد الأطباء على القياسات الفسيولوجية لرصد اضطرابات مثل نقص التنفس، وانقطاع النفس، والاستيقاظات المتكررة.
وأظهر الجهاز قدرة ثابتة على تشخيص نقص التنفس، وانقطاع النفس، والاستثارات أو لحظات الاستيقاظ الجزئي.
كما رصد توقيعات فسيولوجية محددة مرتبطة بمتلازمة داون. هذه النتيجة تشير إلى أن لاصقة صغيرة قد توفر طريقة أقل إزعاجاً لمراقبة الأطفال خلال النوم، مقارنة بأنظمة تقليدية قد تكون ثقيلة أو مربكة، خصوصاً في الفئات العمرية الصغيرة.
ولا تتعلق أهمية ذلك بالراحة فقط، فكلما كان الجهاز أقل إزعاجاً، زادت فرصة أن يعكس النوم الطبيعي للطفل بدل أن يغيره.
وفي دراسات النوم، قد تؤدي الحساسات الكثيرة والأسلاك إلى حركة أقل طبيعية أو استيقاظات إضافية، وهو ما قد يربك تفسير النتائج. لذلك فإن جهازاً لاسلكياً صغيراً يمكن أن يساعد على جمع بيانات أقرب إلى الواقع اليومي.
من غرف النوم إلى تدريبات الطوارئ
استكشف الباحثون أيضاً قدرة الجهاز على تتبع توقيعات التوتر لدى أشخاص يشاركون في تدريبات تحاكي مواقف الطوارئ.
ووفقاً للنتائج، عمل النظام جيداً في هذه البيئات، وأظهرت البيانات أن مستويات التوتر الأعلى ارتبطت بأداء أضعف.
وهذه النتيجة تفتح احتمال استخدام مثل هذه الأجهزة في تدريب العاملين في مجالات تتطلب قرارات سريعة تحت الضغط، مثل الطوارئ الطبية أو الإنقاذ أو البيئات عالية المخاطر.
ولا يكون الهدف مراقبة الأشخاص من أجل الحكم عليهم، بل فهم كيف يؤثر الضغط في الأداء، ومتى يحتاج المتدرب إلى دعم أو إعادة تصميم للسيناريو التدريبي، فإذا استطاع المدربون معرفة اللحظات التي يرتفع فيها الضغط الفسيولوجي بدرجة تؤثر في القرار، فقد يساعد ذلك على تحسين التدريب وبناء قدرة أفضل على العمل في ظروف صعبة.
ويقترح الباحثون أن استخدامات الجهاز قد تمتد مستقبلاً إلى مجالات أخرى، مثل رصد علامات الإجهاد المرتبط بالإنتان لدى مرضى العناية المركزة.
والإنتان حالة خطيرة قد تتطلب تدخلاً سريعاً، وأي وسيلة تساعد على رصد تغيرات فسيولوجية مبكرة قد تكون ذات قيمة، لكن هذا الاستخدام يظل احتمالاً يحتاج إلى دراسات مخصصة قبل اعتماده سريرياً.
وعود واختبارات لا تزال مطلوبة
رغم تنوع التطبيقات التي يعرضها البحث، فإن النتائج لا تعني أن الجهاز أصبح جاهزاً للاستخدام الواسع في المحاكم أو المستشفيات أو وحدات العناية، فاختبار كشف التوتر في المقابلات شمل 6 مشاركين فقط، وهو عدد محدود لا يكفي وحده لتعميم النتائج. كما أن استخدام مؤشرات التوتر للاستدلال على الكذب يظل مجالاً حساساً علمياً وأخلاقياً، لأن التوتر ليس مرادفاً للخداع.
كذلك، يحتاج استخدام الجهاز في اضطرابات النوم لدى الأطفال إلى تقييمات أوسع، تشمل فئات عمرية وحالات مرضية مختلفة، ومقارنة دقيقة مع المعايير السريرية المعتمدة. أما التطبيقات في الطوارئ والعناية المركزة، فتتطلب اختبارات واقعية أكبر لتحديد مدى دقة الجهاز في ظروف مزدحمة ومعقدة، حيث تتداخل عوامل كثيرة في تغير النبض والتنفس وحرارة الجلد.










