
طور باحثون شاشة زجاجية جديدة قادرة على تحويل الأشعة إلى ضوء مرئي بكفاءة كبيرة، ما يعني أن صور الأشعة السينية ربما تصبح أكثر وضوحاً وأقل اعتماداً على الجرعات العالية من الإشعاع.
وقال الباحثون إن هذه المادة القابلة للتشكيل قد تفتح الباب أمام تطبيقات تمتد من التصوير تحت الماء؛ إلى أجهزة الماموجرام - التي تستخدم لفحص الثدي - أكثر راحة للمريضات.
وأفادت الدراسة التي نشرتها دورية ACS Energy Letters، بأن الباحثين طوروا شاشة زجاجية محسنة تعمل كوسيط حساس داخل أنظمة التصوير بالأشعة السينية، بحيث تلتقط الأشعة التي تمر عبر الجسم أو المادة المراد فحصها، ثم تحولها إلى ومضات من الضوء المرئي يمكن للكاميرات الرقمية تسجيلها وتحويلها إلى صورة.
وعلى الرغم من أن هذه الفكرة ليست جديدة في حد ذاتها، إلا أن الجديد في الدراسة هو رفع كفاءة هذا التحويل داخل مادة زجاجية قابلة للتشكيل، ما يسمح بالحصول على صور عالية الدقة مع تقليل كمية الإشعاع المطلوبة.
وتعتمد كثير من أنظمة التصوير بالأشعة السينية على مادة تسمى "المتلألئ" والتي لا تنتج الصورة مباشرة، لكنها تستقبل الأشعة السينية غير المرئية، ثم تحول جزءاً من طاقتها إلى ضوء مرئي؛ وكلما كانت هذه العملية أكثر كفاءة، زادت جودة الصورة النهائية، وانخفضت الحاجة إلى تعريض الجسم أو العينة لكمية أكبر من الإشعاع.
وأوضح الباحث عثمان بكر أن كفاءة شاشة الزجاج في تحويل الأشعة السينية إلى ضوء مرئي تعني إمكانية التقاط صور تشخيصية باستخدام جرعات إشعاعية أقل، وبعبارة أخرى، فإن تحسين المادة نفسها قد ينعكس مباشرة على جودة التصوير وسلامته، خاصة في التطبيقات الطبية التي تتطلب تكرار الفحوص أو تصوير أنسجة حساسة.
ولتحسين أداء الشاشات الزجاجية، دمج الباحثون عناقيد نانوية مكونة من النحاس واليود ورابط عضوي داخل الزجاج، وبعد ذلك شكلوا المادة الجديدة في صورة شاشات، واستخدموها لالتقاط صور بالأشعة السينية لأجسام صغيرة، من بينها بطاقة ذاكرة وحشرة، وأظهرت الصور تفاصيل داخلية دقيقة.
ووصف المؤلف المشارك في الدراسة، محمد بايندير، المادة الجديدة بأنها نوع من "الزجاج الكمي" الذي يحتل منطقة وسطى مثالية بين الجزيئات والبلورات النانوية.
وأضاف أن تصميم المادة من الأساس على هذا المستوى الدقيق سمح لها بالجمع بين ميزتين يصعب الجمع بينهما عادة؛ هما قابلية التشكيل المشابهة للبلاستيك، والأداء العالي في التصوير الذي يقترب من المواد البلورية الصلبة.
واعتبر بايندير أن هذه النقطة مهمة؛ لأن الشاشات عالية الأداء غالباً ما تكون صلبة ومحدودة من حيث الشكل الهندسي، بينما المواد المرنة قد لا تقدم دائماً جودة التصوير نفسها، أما المادة الجديدة، فقد توفر مساراً مختلفاً: شاشة يمكن تشكيلها في أسطح منحنية دون التضحية بالأداء التصويري.
تصوير واضح حتى تحت الماء
واستطاعت الشاشة الجديدة التقاط صورة واضحة لذيل سمكة داخل الماء؛ ويعد هذا الاختبار مهماً لأن وجود الماء يجعل التصوير بالأشعة السينية أكثر صعوبة في العادة، نتيجة تداخل الوسط المحيط مع مرور الأشعة وتكوين الصورة التي كانت شديدة الوضوح، إلى درجة أنها لم تكن قابلة للتمييز عن صورة مماثلة التقطت في الهواء ما يشير إلى كفاءة المادة الجديدة، والتي لا تقتصر على الظروف القياسية الجافة، بل قد تمتد إلى بيئات أكثر تعقيداً، وهو ما قد يكون مفيداً في تطبيقات غير طبية أيضاً، مثل فحص أجسام أو مواد في بيئات مائية أو رطبة.
لا تقتصر أهمية الزجاج الجديد على دقة الصورة أو تقليل الإشعاع فقط، بل تمتد إلى قابليته للتشكيل عند درجات حرارة منخفضة نسبياً، إذ وجد الباحثون أن المادة تصبح شبه مطاطية عند تسخينها إلى 107 درجات فهرنهايت (نحو 42 درجة مئوية) ما يسمح بتشكيلها في صورة شاشة منحنية.
وأوضح الباحثون أن هذه الخاصية ربما تكون ذات أهمية خاصة في تصوير الثدي بالأشعة، أو الماموجرام؛ فالأنظمة الحالية تعتمد غالباً على ضغط نسيج الثدي بين لوحين مسطحين للحصول على صورة مناسبة، وهو ما يسبب انزعاجاً بدنياً لكثير من المريضات. وإذا أمكن مستقبلاً تطوير شاشات تصوير منحنية تتوافق بشكل أفضل مع تشريح الجسم، فقد يساعد ذلك في جعل الفحص أكثر راحة، وربما يشجع على الالتزام المنتظم ببرامج الكشف المبكر.
وقال بكر إن الهدف المستقبلي هو تخفيف الانزعاج المرتبط بفحوص منقذة للحياة مثل الماموجرام، بما قد يشجع مزيداً من النساء على المشاركة المستمرة في الفحوص الدورية.
ويرى الباحثون أن كفاءة الشاشة العالية في تحويل الأشعة إلى ضوء مرئي قد تسمح أيضاً بإجراء تصوير تشخيصي بجرعات أقل من الإشعاع، وهي نقطة مهمة عند التفكير في الفحوص المتكررة أو المبكرة.
أهمية محتملة وقيود يجب الانتباه لها
تقدم الدراسة خطوة واعدة في مجال تحسين مواد التصوير بالأشعة السينية، خاصة أنها تجمع بين 3 عناصر والتي تشمل دقة أعلى، وجرعة إشعاعية أقل، وإمكانية تشكيل الشاشة في أسطح منحنية. وإذا انتقلت هذه التقنية من المختبر إلى الأجهزة العملية، فقد تساعد في تطوير أنظمة تصوير أكثر ملاءمة لتشريح الجسم، وأكثر قدرة على العمل في بيئات غير تقليدية.
مع ذلك، فإن النتائج الحالية لا تعني أن أجهزة الماموجرام أو أنظمة التصوير الطبي ستتغير فوراً، فالدراسة تعرض مادة جديدة واختبارات إثبات مبدأ على نماذج مثل بطاقة ذاكرة وحشرة وذيل سمكة في الماء، لكنها لا تقدم بعد بيانات سريرية على المرضى، ولا تحدد متى يمكن دمج هذه الشاشات في أجهزة تشخيصية معتمدة.
كما أن أحد الباحثين هو مؤسس شركة تعمل في تطوير وتصنيع أنظمة تصوير قائمة على النقاط الكمية، وهو تضارب مصالح معلن يجب أخذه في الاعتبار عند تقييم المسار التجاري المحتمل للتقنية.









