معادلات الحب.. هل تكشف الرياضيات مسار العلاقات العاطفية؟ | الشرق للأخبار

معادلات الحب.. هل تكشف الرياضيات مسار العلاقات العاطفية ومؤشرات انهيارها؟

time reading iconدقائق القراءة - 6
نماذج رياضية تدرس الانجذاب وتآكل المشاعر وردود الفعل لتحديد "مناطق الخطر" التي قد تدفع العلاقات نحو الانفصال. صورة منشأة بالذكاء الاصطناعي - الشرق
نماذج رياضية تدرس الانجذاب وتآكل المشاعر وردود الفعل لتحديد "مناطق الخطر" التي قد تدفع العلاقات نحو الانفصال. صورة منشأة بالذكاء الاصطناعي - الشرق
القاهرة -

قد تبدو العلاقات العاطفية واحدة من أبعد مناطق الحياة عن عالم المعادلات، لكن علماء رياضيات يقولون إن الحب نفسه يمكن النظر إليه بوصفه "نظاماً ديناميكياً" يتغير بمرور الزمن، وإن نماذج رياضية تستطيع تحديد النقاط التي تبدأ عندها العلاقة في دخول منطقة خطر قد تنتهي بالانفصال.

ويقول عالم الرياضيات الفرنسي لوران بوجو-منجويه، الأستاذ بجامعة كلود برنار ليون، إن نماذج، طورت على مدى عقود، يمكنها تمثيل تغير المشاعر بين شريكين بالاعتماد على عوامل مثل قوة الانجذاب المتبادل، ومعدل تراجع المشاعر بمرور الوقت، وطريقة استجابة كل طرف لمشاعر الطرف الآخر، إضافة إلى تأثير الخلافات والضغوط وتأخر الاستجابة للمشكلات.

ويستعرض "بوجو-منجويه" هذه الأفكار في كتابه الجديد Love! Valour! Equations! Mathematics of the Couple الذي يجمع بين الرياضيات وعلم النفس والأدب والسينما لمحاولة تفسير كيف تتطور العلاقات ولماذا تنجو بعضها من الصدمات بينما تنهار أخرى.

والطرح الجديد هو إعلان عن كتاب وليس نتائج تجربة سريرية أو دراسة جديدة محكمة بحد ذاتها، لكنه يستند إلى تاريخ يمتد لعقود من محاولات استخدام الأنظمة الديناميكية في دراسة العلاقات الإنسانية.

وقال "بوجو-منجويه" إن الهدف ليس استخدام الرياضيات للتنبؤ بالشخص الذي سيقع الإنسان في حبه، وإنما فهم الظروف التي تسمح لبعض العلاقات بالعودة إلى الاستقرار بعد الأزمات، في حين تبدأ علاقات أخرى في الابتعاد تدريجياً عن نقطة التوازن.

من الأرانب إلى العلاقات العاطفية

وتعود جذور الفكرة، على نحو غير متوقع، إلى نماذج لم تكن لها علاقة بالحب أصلاً؛ فقد استعان الباحثون بمفاهيم استخدمت تاريخياً لوصف نمو التجمعات الحيوانية، بداية من نماذج "توماس مالتوس" للنمو السكاني، وصولاً إلى معادلات "لوتكا-فولتيرا" التي تصف التفاعل بين المفترسات والفرائس.

ومن بين المفاهيم المهمة ما يعرف بـ"تأثير ألي" الذي يشير في علم البيئة إلى وجود حد حرج لبعض التجمعات؛ فإذا انخفض عدد أفرادها إلى أقل منه يصبح استمرارها أكثر صعوبة، بينما يمكن للتجمع الذي يبقى أعلى من هذا الحد أن يستقر وينمو.

ويقول "بوجو-منجويه" إن فكرة مشابهة يمكن تطبيقها رياضياً على العلاقات؛ فقد يكون للعلاقة مستوى حرج من "القوة" أو الترابط، وإذا انخفضت المشاعر إلى أقل منه وظلت هناك، يبدأ النموذج في توقع مسار يتجه نحو مزيد من التراجع والانفصال.

أما اكتشاف الاقتراب من هذه المنطقة مبكراً فقد يسمح، نظرياً، باتخاذ إجراءات تعيد العلاقة إلى حالة أكثر استقراراً.

ولا تعني تلك الفكرة أن لكل علاقة رقماً سحرياً يمكن إدخاله في آلة حاسبة لمعرفة موعد الطلاق، وإنما أن تحويل التفاعلات إلى متغيرات رياضية يسمح للباحثين بدراسة كيفية تغير النظام بمرور الوقت وتحديد الظروف التي تجعله مستقراً أو هشاً.

وتوجد بالفعل أبحاث أكاديمية استخدمت معادلات تفاضلية لتمثيل الحالة العاطفية داخل الزواج وكيف يؤثر سلوك كل شريك في الآخر.

ونشرت دراسة في 2026، على سبيل المثال، نموذجاً رياضياً للحالة العاطفية لدى الأزواج قام على تأثير الحالة الذاتية لكل فرد واستجابته للحالة العاطفية للطرف الآخر. 

الخلاف ليس المشكلة الأساسية

وتشير النماذج التي يناقشها "بوجو-منجويه" إلى أن وقوع الخلافات في حد ذاته ليس العامل الحاسم.

فالضغوط المهنية والمرض والأطفال والمشكلات المالية وغيرها يمكن اعتبارها "صدمات" تضرب النظام. والسؤال الأهم رياضياً هو ما إذا كانت العلاقة تمتلك من المرونة ما يسمح لها بالعودة إلى حالة التوازن بعد انتهاء الصدمة أم لا.

وتحدد النماذج 3 متغيرات أساسية تؤثر في هذا الاستقرار: مقدار الانجذاب المتبادل، والمعدل الطبيعي لتآكل المشاعر مع الزمن في غياب التجديد، وطبيعة استجابة كل شريك لمشاعر وسلوك الآخر.

كما أصبحت النماذج أكثر تعقيدا مع إدخال عامل الزمن الذي يستغرقه الإنسان قبل الرد على الطرف الآخر.

فتأخير رد الفعل قد يكون مفيداً عندما يمنح الشخص وقتاً للهدوء والتفكير قبل الرد على خلاف، لكنه قد يؤدي في ظروف أخرى إلى تراكم المشكلات أو تضخيم التوتر. لذلك يمكن للزمن نفسه أن يصبح أحد متغيرات المعادلة.

وتستند هذه المحاولات كذلك إلى إرث من أبحاث عالم النفس الأميركي جون جوتمان، الذي درس تفاعلات الأزواج وحاول استخدام أنماط التواصل والسلوك في بناء نماذج تتعلق بمسار العلاقات.

ذكاء اصطناعي ورياضيات

ويرى "بوجو-منجويه" أن المرحلة التالية قد تأتي من الجمع بين هذه النماذج الرياضية والذكاء الاصطناعي لتطوير أنظمة تستطيع رصد أنماط العلاقة وتقديم إنذار مبكر عندما يتجه الزوجان إلى "منطقة خطر".

وشبه الفكرة بنظام تحديد المواقع؛ فهو لا يقرر الوجهة بدلا من المستخدم، لكنه يوضح موقعه الحالي والمسار الذي يسلكه والطرق البديلة للوصول إلى المكان المطلوب.

وبالطريقة نفسها لن تخبر المعادلات الإنسان بمن يحب، لكنها قد تساعد في فهم الاتجاه الذي تسلكه العلاقة، لكن تحويل ذلك إلى تطبيق عملي موثوق لا يزال يواجه عقبات كبيرة.

فالإنسان أكثر تعقيداً بكثير من تجمع من الأرانب أو نظام بيئي بين مفترس وفريسة، كما أن المشاعر لا يمكن قياسها بدقة بالطريقة نفسها التي تقاس بها أعداد الحيوانات أو معدلات النمو.

وتقر النماذج نفسها بقيود أخرى؛ إذ تستند نسبة كبيرة من البيانات المتعلقة بالعلاقات إلى مجتمعات غربية، بينما تختلف أسباب نجاح الزواج أو فشله باختلاف الثقافة والدين والوضع الاقتصادي والاجتماعي والأجيال.

كما أن النماذج الرياضية تقدم احتمالات واتجاهات وليست أحكاماً حتمية. فقد يسلك زوجان مساراً يبدو غير مستقر في النموذج ثم يغيرانه من خلال الحوار أو العلاج النفسي أو تغير الظروف أو جهود واعية من الطرفين.

وهكذا، فحتى أكثر المعادلات تطوراً لا تقدم "وصفة رياضية" للحب الأبدي؛ لكنها تقترح أن وراء الفوضى الظاهرة للعلاقات أنماطاً يمكن دراستها، وأن السؤال الذي قد يحدد بقاء العلاقة ليس ما إذا كانت ستتعرض للأزمات، بل ما إذا كان الطرفان قادرين على العودة إلى بعضهما بعد كل أزمة.

تصنيفات

قصص قد تهمك