
طور باحثون مادة رقيقة شديدة الصلابة يمكنها إبطاء انتقال الحرارة إلى مستويات تقترب من الحدود الفيزيائية الممكنة للمواد الصلبة الكثيفة، ما يفتح الباب أمام جيل جديد من الطلاء العازل للأجهزة الإلكترونية، والمركبات الفضائية، وأنظمة استعادة الحرارة المهدرة.
وقال باحثون بجامعة ولاية نورث كارولاينا في الولايات المتحدة، إن المادة الجديدة حققت موصلية حرارية تبلغ نحو 0.04 واط لكل متر-كلفن في درجة حرارة الغرفة، وهي من أقل القيم المسجلة لمادة صلبة كثيفة وغير مسامية.
وتقيس "الموصلية الحرارية" مدى سهولة انتقال الحرارة عبر المادة؛ وكلما انخفض الرقم أصبحت المادة أفضل في منع تدفق الحرارة، وللمقارنة، تبلغ الموصلية الحرارية للسيليكون المستخدم في عدد من تطبيقات العزل نحو 0.2 واط لكل متر-كلفن، أي نحو 5 أمثال القيمة المسجلة في المادة الجديدة.
لكن الرقم المنخفض ليس وحده ما أثار اهتمام الباحثين؛ فالمشكلة التقليدية في تصميم العوازل الحرارية هي أن المواد الصلبة والقوية ميكانيكياً تميل في كثير من الأحيان إلى نقل الحرارة بكفاءة، بينما تحقق بعض أفضل مواد العزل أداءها بفضل كونها خفيفة، أو مسامية، أو لينة، كما في الرغاوي، والمواد الهلامية الهوائية.
وأفادت الدراسة المنشورة في دورية "Science Advances"، بأن المادة الجديدة تكسر هذه المقايضة إلى حد كبير؛ إذ سجلت معامل مرونة يبلغ 7.7 جيجاباسكال، وهو مقياس لمدى مقاومة المادة للتشوه، مع احتفاظها في الوقت نفسه بموصلية حرارية شديدة الانخفاض.
وأوضح الباحثون أن صلابتها تتجاوز معظم أنواع البلاستيك والرغاوي والمواد الهلامية الهوائية، وإنها قد تكون أكثر صلابة من السيليكون بما يتراوح بين 700 و10 آلاف مرة بحسب نوع السيليكون المستخدم في المقارنة.
ولم يعثر الباحثون على هذه الخصائص في مادة طبيعية، وإنما صمموها على المستوى الجزيئي.
وتنتمي المادة إلى فئة تعرف باسم "البيروفسكايتات الهجينة العضوية وغير العضوية ثنائية الأبعاد"، وهي مواد شبه موصلة تتكون من طبقات عضوية، وغير عضوية متعاقبة مرتبة في بنية بلورية دقيقة.
واستبدل الباحثون بعض السلاسل المكونة من ذرات الكربون داخل الطبقات العضوية بتكوينات مصممة تحتوي على حلقات بنزين، ما أتاح تعديل طريقة تفاعل الجزيئات وحركتها داخل المادة، والنتيجة كانت غشاءً رقيقاً من "بيروفسكايت" قائم على أزوبنزين إيثيل أمونيوم، ويوديد الرصاص، يستطيع الاحتفاظ بصلابته مع إعاقة انتقال الطاقة الحرارية خلال بنيته.
تعتمد الدراسة على عمل سابق لفريق البحث نفسه، نُشر في 2024، أظهر أن تعديل التفاعلات بين المكونات العضوية في هذه "البيروفسكايتات" يمكن أن يؤدي إلى سلوك غير مألوف؛ فبدلاً من أن ترتفع الموصلية الحرارية كلما ازدادت المادة صلابة، أمكن زيادة الصلابة مع خفض انتقال الحرارة.
أما الدراسة الجديدة فدفعت تلك الفكرة إلى مستوى أكثر تطرفاً من خلال هندسة الجزيئات بصورة مقصودة.
وقال الباحث المشارك في الدراسة، دالي صن، أستاذ الفيزياء بجامعة ولاية نورث كارولاينا، إن الجمع بين الصلابة والعزل الحراري يمثل تحدياً أساسياً في علم المواد، موضحاً أن المادة الجديدة تحقق مزيجاً من الخاصيتين، يتجاوز ما يوجد في المواد الطبيعية المعروفة.
وقد تكون لهذه الخاصية أهمية خاصة في الإلكترونيات، إذ تحتاج المكونات الحساسة أحياناً إلى حاجز رقيق، يمنع وصول الحرارة إليها من أجزاء أخرى، دون إضافة طبقات سميكة، أو رخوة، كما يشير الباحثون إلى استفادة محتملة في أدوات الطهي، والمعدات المعرضة لدرجات حرارة مرتفعة، والمركبات الفضائية، إضافة إلى تقنيات إدارة الحرارة واستعادتها.
توجد ميزة أخرى تتمثل في أن المادة يمكن تصنيعها في صورة أغشية رقيقة بعملية الطلاء الدوراني، ويقول الباحثون إن طريقة التصنيع قابلة للتوسع إلى مساحات أكبر، ما يثير إمكانية استخدامها مستقبلاً كطلاء عازل بدلاً من تصنيع أجزاء كاملة منها.
لكن النتائج لا تعني أن المادة أصبحت جاهزة للاستخدام؛ فالدراسة تجربة في علم المواد ركزت أساساً على قياس الموصلية الحرارية والخواص الميكانيكية للأغشية المصنعة، ولم تعرض منتجاً نهائياً، أو تثبت أداء المادة على مدى سنوات داخل أجهزة تعمل في ظروف حقيقية، كما أن الانتقال من أغشية مخبرية إلى تطبيق صناعي يتطلب تقييم الاستقرار والتصنيع والتكلفة ومتطلبات الأمان لكل استخدام.
ومع ذلك، يرى الباحثون أن الأهمية الأوسع للدراسة ربما تتجاوز المادة نفسها؛ إذ تظهر أن التحكم في ترتيب الجزيئات داخل المواد الهجينة يمكن أن يسمح للعلماء بتصميم مجموعات من الخواص كان ينظر إليها سابقاً باعتبارها متعارضة، بما يفتح مساراً جديداً نحو مواد تجمع بين القوة الميكانيكية، والعزل الحراري الشديد في طبقة واحدة رقيقة.










