من شغف المستكشفين إلى نوبل.. كيف غيّر هيجمان فهمنا للدماغ؟ | الشرق للأخبار

بيتر هيجمان.. كيف قاد طحلب صغير عالم الأعصاب الألماني إلى نوبل في الطب؟

بيتر هيجمان أحد الحاصلين على جائزة نوبل في الطب لعام 2026 في برلين بألمانيا. 24 سبتمبر 2021 - Reuters
بيتر هيجمان أحد الحاصلين على جائزة نوبل في الطب لعام 2026 في برلين بألمانيا. 24 سبتمبر 2021 - Reuters
القاهرة -

نشأ عالم الأعصاب الألماني بيتر هيجمان، أحد الحائزين على جائزة نوبل في علم وظائف الأعضاء أو "الطب" لعام 2026، وهو يحلم بأن يصبح مستكشفاً، لا طبيباً ولا عالِم أعصاب.

كان مأخوذاً بحكايات البحّارة الذين أبحروا إلى مناطق مجهولة من العالم، قبل أن يكتشف لاحقاً أن معظم بقاع الأرض قد استُكشفت بالفعل. وبعد عقود، وجد هيجمان لنفسه أرضاً مجهولة من نوع آخر: الطريقة التي تستطيع بها الخلايا أن تستشعر الضوء وتستجيب له.

وُلد هيجمان في 11 ديسمبر 1954 بمدينة مونستر الألمانية، ونشأ في آخن داخل أسرة كان الطب حاضراً فيها بقوة؛ فوالداه طبيبان، وكذلك جداه وشقيقه وعدد من أقاربه. لكنه لم يختر الطريق العائلي نحو الطب السريري، بل اتجه إلى البحث الأساسي والكيمياء الحيوية، حيث وجد المساحة التي تسمح له بطرح الأسئلة التي لم تكن لها إجابات بعد.

وصف هيجمان طفولته بأنها كانت "تقليدية للغاية". التحق بمدرسة ثانوية ذات توجه إنساني كلاسيكي، تركز بدرجة كبيرة على دراسة اللاتينية واليونانية والنصوص القديمة. لكنه لم يجد نفسه في هذا النوع من التعليم، وكان يشعر بالملل خصوصاً من ترجمة الروايات المرتبطة بالحروب الرومانية واليونانية، في حين كانت المواد العلمية القليلة في المنهج هي التي ينتظرها بشغف.

كانت الكيمياء والفيزياء والبيولوجيا، إلى جانب الفن والموسيقى، أقرب المواد إلى اهتماماته، رغم أنها لم تكن تحتل موقعاً رئيسياً في مدرسته الكلاسيكية. وخارج الفصل، كان يعزف الفلوت في الأوركسترا ويستمتع بركوب الدراجات النارية. وكانت اهتماماته، منذ وقت مبكر، بعيدة عن الصورة التقليدية لطفل ينشأ في عائلة كبيرة من الأطباء ويُفترض أن يسلك الطريق نفسه.

لكن شغفه الأكبر كان الاستكشاف. كان هيجمان يقرأ بشغف عن كبار المستكشفين والبحّارة، من فاسكو دا جاما وكريستوفر كولومبوس وماجلان وجيمس كوك إلى جوشوا سلوكم. ومع اقترابه من نهاية المدرسة، ازداد افتتانه بالمستكشفين القطبيين، وخصوصاً فريتيوف نانسن وروالد أموندسن.

أرض مجهولة من نوع آخر

لم يرَ هيجمان في قصص هؤلاء المستكشفين مجرد مغامرات، بل دروساً في كيفية التعامل مع المجهول. وقال لاحقاً إنه تعلم منهم ما يحتاج إليه الإنسان عندما يدخل أرضاً غير معروفة: الشجاعة، والاستعداد الدقيق، والصبر الطويل، والعمل مع أشخاص يمتلكون المعرفة ويمكن الوثوق بهم عندما تصبح الظروف صعبة.

كانت تلك المبادئ تشبه، على نحو لافت، الطريقة التي سيعمل بها لاحقاً داخل المختبر.

لكن مع انتهاء المدرسة، اصطدم حلمه بعقبة عملية: لم تعد هناك تقريباً قارات أو أراضٍ مجهولة تنتظر من يكتشفها. فكر لفترة في علم الفلك واستكشاف الفضاء، لكنه اعتقد أن قدراته الرياضية لن تكون كافية لمسار من هذا النوع. عندها ظهرت أمامه فكرة أخرى: إذا تعذر اكتشاف مكان جديد، فلماذا لا يصنع شيئاً لم يكن موجوداً من قبل؟

قادته الفكرة عام 1975 إلى جامعة مونستر لدراسة الكيمياء. وبعد عامين، اكتشف أن اهتمامه الحقيقي يقع عند الحدود الفاصلة بين الكيمياء والحياة، فانتقل إلى جامعة لودفيج ماكسيميليان في ميونيخ للتخصص في الكيمياء الحيوية. وحصل على شهادته عام 1980، ثم دخل البيئة العلمية التي ستحدد إلى حد كبير مسار حياته.

في ميونيخ، تأثر بشدة بعالم الكيمياء الحيوية الحاصل على جائزة نوبل، فيودور لينن، الذي وصفه بأنه عالم كبير وشخصية غير تقليدية. وبعد وفاة لينن بفترة قصيرة، التحق هيجمان بمختبر أحد أبرز تلاميذه، ديتر أوسترهلت، في معهد ماكس بلانك للكيمياء الحيوية. وسيعتبر هيجمان أوسترهلت لاحقاً معلمه الأكاديمي الحقيقي الوحيد.

كان أوسترهلت قد اكتشف وظيفة بروتين يسمى "بكتيريورودوبسين"، تستخدمه كائنات دقيقة لتحويل الضوء إلى حركة للبروتونات عبر أغشيتها. وجد هيجمان نفسه فجأة أمام عالم يجمع كثيراً من الأشياء التي أحبها: الضوء والكيمياء والبيولوجيا والاكتشاف.

وخلال دراسته للدكتوراه، درس بروتيناً آخر هو "الهالورودوبسين"، وهو مضخة للكلوريد تعمل بالضوء.

ولم تكن تلك السنوات مجرد تجارب متواصلة داخل المختبر، إذ يتذكر هيجمان الفترة التي قضاها في معهد ماكس بلانك باعتبارها من أكثر مراحل حياته إثارة؛ فقد كان يذهب مع زملائه ومعلمه للتزلج وتسلق جبال الألب، وفي الصيف للإبحار وأحياناً للمشاركة في السباقات على البحيرات.

كان العلم، بالنسبة إليه، امتداداً لروح الاستكشاف التي أحبها منذ طفولته.

مطاردة الضوء

بعد حصوله على الدكتوراه عام 1984، عاد اهتمامه القديم بفكرة الدخول إلى منطقة علمية مجهولة، إذ قرأ دراسة تشير إلى أن بروتينات شبيهة بالرودوبسين قد تكون مسؤولة عن استشعار الضوء لدى طحلب أخضر وحيد الخلية، يستطيع تغيير اتجاه حركته استجابة للضوء. وبالنسبة إلى هيجمان، كان ذلك لغزاً يستحق المطاردة.

وفي 1985، سافر إلى جامعة سيراكيوز الأميركية للعمل لمدة عام مع الباحث كينيث فوستر، حيث تعلم دراسة الاستجابة الضوئية بصورة كمية. وبعد عودته إلى ألمانيا، واصل لسنوات مطاردة السؤال نفسه: ما الجزيء الذي يسمح للطحلب برؤية الضوء، ثم يحول هذه المعلومة بسرعة شديدة إلى إشارة كهربائية تغيّر حركته؟ كانت سرعة استجابة الطحلب هي الخيط الأهم.

وجد هيجمان أن التيار الكهربائي يظهر بعد التعرض للضوء بسرعة يصعب تفسيرها من خلال سلسلة طويلة من التفاعلات الكيميائية. لذلك بدأ يشك في أن مستشعر الضوء والقناة التي تمر عبرها الأيونات قد لا يكونان نظامين منفصلين، بل جزءين من آلية واحدة شديدة البساطة والسرعة.

احتاج إثبات هذه الفكرة إلى سنوات طويلة من العمل. وفي بداية الألفية الجديدة، تعاون هيجمان مع جورج ناجل وإرنست بامبرج، وفي عام 2002 توصل الفريق إلى توصيف بروتين الرودوبسين القنوي-1، ثم جاء في العام التالي اكتشاف الرودوبسين القنوي-2، الذي أصبح لاحقاً أحد أهم الأدوات في تاريخ علوم الأعصاب الحديثة.

عندما وضع الباحثون جين البروتين في خلايا أخرى وعرّضوها للضوء، حدث ما كانوا يبحثون عنه: فتحت قناة في غشاء الخلية وبدأت الأيونات في العبور، فتولدت إشارة كهربائية.

كان البروتين يؤدي وظيفتين في الوقت نفسه؛ يستقبل الضوء ويفتح قناة للأيونات، من دون الحاجة إلى سلسلة معقدة من الوسطاء داخل الخلية.

وكان ذلك اكتشافاً أساسياً، لكن أهميته الهائلة لم تكن واضحة بالكامل في لحظته الأولى. فقد بدأ البحث بمحاولة فهم كيفية سباحة طحلب صغير نحو الضوء، ولم يكن الهدف الأصلي ابتكار وسيلة للتحكم في الدماغ.

لكن باحثين آخرين أدركوا سريعاً أن البروتين نفسه يمكن نقله إلى الخلايا العصبية وتحويل الضوء إلى أمر كهربائي داخلها.

من سباحة طحلب إلى التحكم في الخلايا العصبية

هنا التقت أبحاث هيجمان بأبحاث كارل ديسيروث وزملائه. ففي عام 2005، أظهرت تجارب أن الخلايا العصبية التي تنتج هذه البروتينات يمكن تشغيلها بنبضات ضوئية بدقة تصل إلى أجزاء من الألف من الثانية. وفي العام نفسه، استخدم هيجمان وزملاؤه الرودوبسينات للتحكم في النشاط العصبي والحركي في نماذج حيوانية.

ومن هذه الاكتشافات نشأ علم البصريات الوراثي، الذي يتيح للعلماء جعل أنواع محددة من الخلايا العصبية حساسة للضوء، ثم تشغيلها أو تثبيط نشاطها بدقة عالية. وعلى مدى السنوات التالية، واصل هيجمان تطوير هذه التقنية لتعمل بصورة أسرع، أو تستجيب لألوان مختلفة من الضوء، أو تسمح بمرور أنواع مختلفة من الأيونات.

واصل هيجمان مسيرته الأكاديمية أستاذاً في جامعة ريجنسبورج منذ عام 1993، قبل أن ينتقل عام 2004 إلى جامعة هومبولت في برلين أستاذاً للفيزياء الحيوية التجريبية. وفي عام 2015، حصل على كرسي هيرتي الرفيع لأبحاث علوم الأعصاب، فيما واصل مختبره دراسة البروتينات الحساسة للضوء وتطوير أدوات جديدة للتحكم في الخلايا.

ومع اتساع استخدام التقنية في أنحاء العالم، بدأت الجوائز الكبرى تتوالى على هيجمان، من بينها جائزة لايبنتس، وجائزة الدماغ، وجائزة هارفي، وجائزة جاردنر، قبل أن تتوج مسيرته بجائزة نوبل في الطب لعام 2026، التي تقاسمها مع كارل ديسيروث وجورج ناجل عن اكتشافاتهم المتعلقة بقنوات الأيونات التي تفتح بالضوء وتطوير علم البصريات الوراثي.

كان السؤال في البداية: كيف يرى طحلب صغير الضوء؟ أما الإجابة، فانتهت إلى تغيير الطريقة التي يدرس بها العلماء الدماغ.

تصنيفات

قصص قد تهمك