
في نوفمبر 2025 ظهرت فكرة كانت بسيطة في ظاهرها لكنها أثارت سريعاً زوبعة في عالم الذكاء الاصطناعي عندما بدأ المبرمج النمساوي بيتر شتاينبرجر العمل على مشروع يُدعى كلود بوت Clawdbot.
مبادئه مستوحاة من فكرة واحدة وهي إنشاء مساعد ذكي ليس مجرد روبوت دردشة، بل وكيل يستطيع تنفيذ الأوامر الحقيقية على نظام تشغيل كامل مثل قراءة البريد الإلكتروني، وتنظيم المهام، والتفاعل مع التطبيقات التي يستخدمها الناس بالفعل.
الاختلاف الجوهري، الذي أراده شتاينبرجر، كان أن يكون الذكاء ليس مجرد مُجيب نصي، بل أداة تنفيذية قادرة على تنفيذ المهام فعلياً. وسرعان ما جذب المشروع انتباه المطورين، إذ تحول من مجرد مفهوم إلى مشروع مفتوح المصدر يحظى بشعبية واسعة على GitHub، ومع تزايد النجوم إلى أكثر من 216 ألف نجمة والمتابعين، تغير اسمه أولاً من Clawdbot إلى Moltbot ومن ثم إلى OpenClaw في يناير 2026.
ولم يكن الحدث مجرد إعادة تسمية علامة تجارية، بل كان نقطة تحول في رؤية المشروع، فقد تبين خلال هذه الفترة أن OpenClaw ليس مجرد أداة محلية تقليدية، بل إطار وكيل ذكاء اصطناعي مستقل (autonomous AI agent) قادر على التفاعل مع الخدمات والملفات والأوامر داخل النظام، عبر الاتصال بنماذج لغوية متقدمة، والتواصل مع المستخدم عبر تطبيقات الرسائل الشائعة مثل واتساب وتليجرام وسلاك وديسكورد وغيرها.
من فكرة إلى واقع تطبيقي
OpenClaw ليس مجرد محرك نصوص يعتمد على النماذج، بل نظام تشغيل ذاتي الاستضافة يعمل على جهاز المستخدم أو على خادم خاص. ويمكنه تنفيذ أوامر فعلية مثل إدارة البريد، تنفيذ السكربتات، أو حتى التحكم في المتصفح.
وهذه الطبقة التنفيذية تجعله أكثر شبهاً بموظف رقمي يصدر أوامر بناءً على طلباتك، بدلاً من برنامج يجيب فقط على الأسئلة.
والفكرة الأساسية في بنيته التقنية تدعى model-agnostic، أي يمكن توصيله بعدة نماذج لغوية مختلفة عبر مفاتيح الواجهة البرمجية API، وليس مقصوراً على نموذج واحد فقط.
ويدعم الاتصال عبر قنوات عديدة، مما يسمح للمستخدم بالتفاعل مع OpenClaw عبر الرسائل في الوقت الحقيقي، ما يشبه محادثة يومية لكنه ينفّذ ما تطلبه.
والطبقة الثانية في بنية OpenClaw هي طبقة القنوات Channels التي تربطه بتطبيقات المراسلة؛ بحيث لا تقتصر واجهته على واجهة ويب داخلية، بل يمكن للوكيل أن يتلقى أوامر ويجيبك عبر التراسل الفوري المختلفة، مما يمنحه حضوراً دائماً في نفس المنصات التي تستخدمها في حياتك اليومية.
ثم تأتي المهارات (Skills) التي توسّع قدراته الوظيفية، حيث يوفر مجتمع OpenClaw سجل مهارات واسعاً يمكن تثبيته لإضافة وظائف جديدة مثل إدارة البريد، تحليل البيانات، أتمتة المهام داخل المتصفح، وغيرها.
وتشكل هذه المهارات أيضاً جزءاً من القوى الإيجابية للمشروع، لكنها تزيد تلقائياً من عرضة المستخدم للهجوم إذا لم يحقق مستوى صارماً من الأمان.
مخاطر أمنية
القوة الكبيرة التي يتيحها OpenClaw أذهلت المطورين، وأثارت أيضاً مخاوف واسعة بين خبراء الأمن، فقد اندفع مبرمجون لتسليم “مفاتيح أجهزتهم” للوكيل بدافع زيادة الإنتاجية، متجاهلين المخاطر الأمنية الواضحة في منح نظام قد يخطئ أو “يهلوس” وصولاً كاملاً إلى الملفات والمتصفح وبيانات الاعتماد.
فالوصول الكامل إلى النظام وملفات المستخدم وبيانات الاعتماد يفتح الباب أمام تهديدات حقيقية إذا لم يتم تكوين البيئة بشكل آمن.
ووصف باحثون في مجال الأمن OpenClaw بأنه قد يشكل كابوساً للخصوصية إذا لم يُستخدم داخل بيئة معزولة أو مع ضوابط أمان قوية.
حتى الأجهزة الشخصية ليست المكان المثالي لتشغيل OpenClaw، إذ حذرت شركات كبرى مثل مايكروسوفت من أنه غير مناسب للتشغيل على محطة عمل شخصية أو مؤسسة عادية بسبب مزيج التنفيذ الأوتوماتيكي مع صلاحيات واسعة قد تتجاوز حدود الأمان التقليدية.
كما أظهر الواقع مخاطر حقيقية، ففي فبراير 2026، شاركت مديرة أبحاث الأمان في ميتا تجربة صادمة عندما بدأ OpenClaw بحذف مئات الرسائل من بريدها رغم توجيهات صريحة بعدم تنفيذ إجراءات بدون موافقة، مما كشف نقاط ضعف في آليات التحكم والسياق داخل النظام.
كذلك خسر باحث من مجموعة Codex في OpenAI قرابة 450 ألف دولار بعد أن قام وكيل OpenClaw، المزود بحساب على منصة X ومحفظة عملات رقمية، بتحويل كامل رصيده من العملات الرقمية إلى شخص مجهول طلب المال في تعليق على أحد منشورات الوكيل الرقمي على إكس.
ولم تأت هذه المخاوف من فراغ، فقد حذر عدد من هيئات الأمن السيبراني، بما في ذلك وزارة الصناعة الصينية، من مخاطر استخدام OpenClaw بشكل غير صحيح ما قد يعرض الأنظمة لهجمات وتسريبات بيانات إذا كان الوصول غير مضبوط بشكل جيد.
وأشار تحقيق أمني إلى أن سوق المهارات الخاص بـ OpenClaw يحتوي على إضافات خبيثة يمكن أن تستغل صلاحيات الوكيل الرقمي لتثبيت برمجيات خبيثة أو سرقة معلومات حساسة مثل مفاتيح API أو بيانات الدخول.
بالرغم من المخاطر، لا يزال OpenClaw أداة مثيرة للاهتمام لأولئك الذين يريدون أتمتة مهام تقنية معقدة بشكل فعال، مثل كتابة السكربتات، جدولة المهام، إدارة البريد، أو حتى تنفيذ أوامر برمجية متقدمة عبر الرسائل التي تستخدمها يومياً.
ويراه كثير من المطورين مستقبلاً للتحول من أدوات الذكاء التقليدية نحو وكلاء قادرين على العمل بدل الإجابة فقط.
الانضمام إلى OpenAI
وفي خطوة مفصلية في تاريخ المشروع، أعلن في فبراير 2026 أن شتاينبرجر سينضم إلى OpenAI للعمل على تطوير جيل جديد من وكلاء الذكاء الاصطناعي الشخصيين، بينما ستستمر إدارة OpenClaw كمشروع مفتوح المصدر ضمن مؤسسة مستقلة، وهو ما يضع المشروع في قلب تطور أوسع في صناعة الذكاء الاصطناعي التنفيذي.
OpenClaw يجسد انتقالاً في مفهوم الذكاء الاصطناعي من مجرد أدوات للرد على النصوص إلى وكلاء يمكنهم القيام بالمهام فعلاً، وقد جذب اهتماماً واسعاً من المطورين والشركات حول العالم. لكنه في الوقت ذاته يُثَبَّت كنموذج يُحفز نقاشاً أعمق حول الأمان، الخصوصية، والتحكم في وكالات الذكاء الاصطناعي.
ويتطلب استخدامه الآمن تخطيطاً دقيقاً وعزلاً بيئياً جيداً، وإلا فقد تتحول إمكاناته التنفيذية إلى مخاطر حقيقية على بياناتك وأنظمتك.








