
أطلقت شركة ميتا نموذجها الجديد Muse Spark، في إعلان وصفته بأنه يمثل إعادة بناء شاملة لجهودها في مجال الذكاء الاصطناعي، عبر وحدة Superintelligence Labs التي أنشأتها قبل أقل من عام، واضعة هدفاً طموحاً يتمثل في تقديم الذكاء الفائق الشخصي للجميع.
ويُعد هذا النموذج أول إصدار رسمي ضمن عائلة Muse، وأول نتاج مباشر لهذه الوحدة البحثية الجديدة التي تكونت استجابة لتصاعد المنافسة العالمية في قطاع الذكاء الاصطناعي.
ويمثل هذا الإطلاق نقطة تحول في مسار ميتا بسوق الذكاء الاصطناعي، إذ يأتي كتغيير واضح في استراتيجية الشركة التي ركزت بشكل كامل طوال الفترة الماضية على النماذج مفتوحة المصدر مع عائلة نماذج Llama، لكنها لم تحقق التأثير المتوقع سواء على مستوى المستخدمين أو ضمن التصنيفات المستقلة لنماذج الذكاء الاصطناعي.
Muse Spark.. نموذج مغلق المصدر
وفي هذا السياق، أكد الرئيس التنفيذي للشركة مارك زوكربيرج أن النموذج الجديد سيكون مغلق المصدر في مرحلته الحالية، لكنه أشار في الوقت ذاته إلى أن عائلة Muse ستتضمن مستقبلاً نماذج مفتوحة، في محاولة للإبقاء على توازن بين حماية الابتكار وتوسيع النظام البيئي للمطورين.
ويأتي تطوير النموذج الجديد نتيجة إعادة بناء كاملة للبنية التحتية للذكاء الاصطناعي داخل الشركة، وهو ما أكده أليكس وانج، الذي يقود وحدة الذكاء الاصطناعي الفائق في ميتا، موضحاً أن الأشهر التسعة الماضية شهدت إعادة تصميم شاملة لكل عناصر المنظومة، بدءاً من المعمارية الأساسية للنماذج، مروراً بالبنية التحتية للحوسبة، وصولاً إلى خطوط البيانات المستخدمة في التدريب، ويعكس هذا التوجه انتقال ميتا من نهج التحسين التدريجي إلى إعادة تأسيس جذرية لمنصتها التقنية.
وفي ما يتعلق بقدرات النموذج، يتميز Muse Spark بكونه متعدد الوسائط بطبيعته، حيث يمكنه التعامل مع مدخلات متنوعة تشمل النصوص والصوت والصور، في حين تظل مخرجاته في الوقت الراهن نصية فقط.
ويعتمد النموذج على نمطين رئيسيين من التشغيل، أحدهما سريع مخصص للاستخدام اليومي، والآخر متقدم يُعرف باسم Contemplating، يتيح تنفيذ عمليات استدلال معقدة عبر تنسيق عمل عدة وكلاء ذكيين يعملون بشكل متوازٍ.
وتوضح ميتا أن هذا الوضع يمكنه تشغيل ما يصل إلى 16 وكيلاً في الوقت نفسه، بحيث يقوم كل منها بمعالجة جزء من المشكلة قبل دمج النتائج للوصول إلى إجابة أكثر دقة، مع الحفاظ على زمن استجابة مقارب للوضع التقليدي.
أشارت الشركة إلى أن وضع Contemplating يمثل خطوة نحو نماذج الذكاء الاصطناعي متعددة الوكلاء، إذ يتم توزيع عملية التفكير على عدة مسارات متوازية بدلاً من الاعتماد على سلسلة استدلال واحدة.
ووفقاً للبيانات التي نشرتها ميتا، فقد تمكن النموذج من تحقيق نتيجة بلغت 58.4 في اختبار "Humanity’s Last Exam" عند استخدام أدوات خارجية، وهو ما يعكس قدرة متقدمة على التعامل مع المهام المعقدة متعددة الخطوات.
ورغم هذا التقدم، لم تتجاهل ميتا الإشارة إلى التحديات التي لا تزال قائمة، حيث أقرت بوجود "فجوات في الأداء" في مجالات محددة، لا سيما الأنظمة الوكيلة طويلة الأمد (Long-horizon agentic systems)، ومسارات عمل البرمجة (Coding workflows)، مؤكدة أنها تواصل الاستثمار لتحسين هذه الجوانب في الإصدارات المستقبلية.
أساليب تدريب وتفكير فريدة
وعلى صعيد منهجيات التدريب، أوضحت ميتا أن النموذج حقق استفادة من تقنيات التعلم المعزز (Reinforcement Learning) بعد مرحلة التدريب المسبق، وهو ما ساهم في تحقيق تحسن سلس ومتوقع في الأداء، مع الحفاظ على تنوع أساليب الاستدلال.
كما أدخلت الشركة مفهوماً جديداً أطلقت عليه "عقوبات وقت التفكير Thinking Times Penalties"، وهي آلية تهدف إلى تحقيق توازن بين دقة الإجابة وكفاءة استخدام الموارد، عبر تقليل الزمن والموارد التي يستهلكها النموذج أثناء التفكير.
ومن أبرز الابتكارات التي كشفت عنها الشركة أيضاً تقنية "ضغط التفكير" (Thought Compression)، والتي تسمح للنموذج بتقليل عدد الرموز (Tokens) المستخدمة في عملية الاستدلال دون التأثير على جودة النتائج.
ووفقاً لنتائج اختبار AIME 2025، شهد النموذج ما وصفته ميتا بـ"تحول مرحلي"، إذ أصبح قادراً على تقديم استدلالات دقيقة باستخدام عدد أقل بكثير من الرموز، قبل أن يعاود استخدام عدد أكبر منها تدريجياً لتحقيق مستويات أعلى من الدقة في زمن إجمالي أقل مقارنة بالنماذج السابقة غير المضغوطة.
نتائج اختبارات الأداء
أما على مستوى الأداء المقارن، فتُظهر نتائج الاختبارات صورة متباينة؛ إذ حقق النموذج نتائج تنافسية في عدد من المؤشرات، لكنه لا يزال خلف بعض النماذج الرائدة التي تطورها شركات مثل OpenAI، وجوجل، وأنثروبيك.
في اختبار GPQA Diamond، المتخصص في الاستدلال العلمي على مستوى الدراسات العليا، سجل النموذج 89.5%، وهو أداء قوي لكنه أدنى من منافسيه.
وفي اختبار ARC AGI 2 الخاص بالاستدلال المجرد، ظهر الفارق بشكل أكبر، ما يشير إلى أن بنية الوكلاء المتوازيين لم تغلق الفجوة بالكامل في هذا النوع من المهام.
وأظهر النموذج تفوقاً واضحاً في مجالات أخرى، خاصة في فهم الصور والرسوم البيانية، حيث سجل نتائج أعلى من منافسيه في اختبار CharXiv Reasoning.
كما برز أداؤه في المجال الطبي، إذ حقق نتائج متقدمة في تقييم HealthBench Hard، وهو ما يعكس اعتماد ميتا على بيانات تدريب جرى تطويرها بالتعاون مع أكثر من ألف طبيب، ما يمنح النموذج قدرة أكبر على التعامل مع الأسئلة الصحية المعقدة.
التواصل الاجتماعي في قلب النموذج
وتعتمد ميتا في استراتيجيتها التنافسية لهذا النموذج على الاستفادة من منظومتها الضخمة من البيانات والمستخدمين، إذ يمكن لـMuse Spark الوصول إلى المحتوى المنشور عبر منصاتها المختلفة مثل فيسبوك، وإنستجرام، وثريدز، ما يتيح له ربط الإجابات بمنشورات حقيقية تتعلق بالموقع أو الموضوع المطلوب.
كما تخطط الشركة لتوسيع هذه القدرات بحيث يتم دمج الصور ومقاطع الفيديو والمنشورات داخل الإجابات بشكل مباشر، مع الإشارة إلى صناع المحتوى، إضافة إلى تقديم توصيات تعتمد على ما يشاركه المستخدمون.
وفي هذا السياق، تركز ميتا بشكل خاص على مجالات مثل الصحة والتسوق، باعتبارها تمثل تطبيقات عملية لما تسميه "الذكاء الفائق الشخصي".
في المجال الصحي، يمكن للنموذج تحليل صور الطعام وتقديم إرشادات غذائية منظمة، بينما في مجال التسوق يمكنه تقديم توصيات مخصصة تستند إلى اهتمامات المستخدم وسلوكه، إلى جانب محتوى صناع المحتوى داخل المنصة، وهو ما يمنحه ميزة تنافسية يصعب على النماذج العامة من المنافسين تحقيقها.
أصبح النموذج متاحاً حالياً عبر تطبيق Meta AI وموقع meta.ai، مع خطط لإتاحته تدريجياً عبر خدمات الشركة الأخرى مثل واتساب، وماسنجر، بالإضافة إلى دمجه في نظارات ميتا الذكية خلال الأسابيع المقبلة، كما توفر الشركة نسخة تجريبية محدودة من واجهة برمجة التطبيقات (API) لعدد مختار من الشركاء.









