
أفاد تقرير حديث بتصاعد استخدام تقنيات المراقبة القائمة على البيانات الإعلانية، مشيراً إلى اكتشاف نظام تقني يُعرف باسم Webloc، يجمع البيانات من تطبيقات الهواتف الذكية، وباستخدام الإعلانات الرقمية، ما يتيح تتبع تحركات مئات الملايين من الأشخاص حول العالم، وتحليل سلوكياتهم وأنماط حياتهم بدقة غير مسبوقة.
وأوضح التقرير أن هذا النظام، الذي طورته شركة Cobwebs Technologies قبل أن تنتقل ملكيته إلى شركة Penlink عقب اندماجهما في 2023، يمثل نموذجاً متقدماً لما بات يُعرف بتقنيات المراقبة القائمة على الإعلانات، وهي أدوات تعتمد على البيانات التجارية اليومية لأغراض استخباراتية، في ظل غياب تنظيم قانوني واضح وشفافية محدودة لجمع البيانات.
وتوصلت الدراسة الاستقصائية التي أجرتها مؤسسة The Citizen Lab الأمنية، إلى أن نظام Webloc يوفر إمكانية الوصول إلى تدفقات مستمرة من البيانات المستخرجة من نحو 500 مليون جهاز محمول ذكي حول العالم، تتضمن معرفات الأجهزة وإحداثيات المواقع الجغرافية وبيانات تعريفية للمستخدمين جرى جمعها عبر تطبيقات الهواتف وشبكات الإعلانات.
وتتيح هذه البيانات للجهات المستخدمة مراقبة تحركات الأفراد وتحليل خصائصهم الشخصية، بل والعودة إلى سجل تحركاتهم لعدة سنوات تصل إلى 3 سنوات في بعض الحالات.
استخدام النظام لأغراض استخباراتية
ذكر التقرير أن استخدام هذه التقنية لم يعد نظرياً، إذ تأكد استخدامها فعلياً من قبل أجهزة أمنية واستخباراتية في عدد من الدول، ففي أوروبا، كشفت التحقيقات عن استخدام الاستخبارات الداخلية في المجر للنظام منذ عام 2022 على الأقل، في أول توثيق من نوعه داخل القارة.
وفي السلفادور تبين أن الشرطة الوطنية استخدمت النظام في وقت سابق، بينما شملت قائمة عملاء النظام الاستخباراتي المعقد في الولايات المتحدة جهات متعددة، من بينها إدارة الهجرة والجمارك، والجيش الأميركي، ووزارة الأمن الداخلي، إلى جانب إدارات شرطة محلية في مدن كبرى مثل لوس أنجلوس، ودالاس، وبالتيمور، وأخرى أصغر.
وأثار استخدام هذه الأدوات جدلاً واسعاً داخل الولايات المتحدة، خاصة بعد إبرام إدارة الهجرة والجمارك عقداً يتيح لها الوصول إلى بيانات مئات الملايين من الأشخاص، ما دفع عشرات المشرعين إلى المطالبة بإجراء تحقيق بشأن شراء بيانات الموقع الجغرافي دون إذن قضائي.
وعلى الرغم من هذا الانتشار، يكشف التقرير عن مستوى مرتفع من الغموض في أوروبا، إذ أظهرت نتائج 96 طلباً للحصول على معلومات وُجهت إلى هيئات حكومية وأمنية في 14 دولة أوروبية، أن معظم هذه الجهات رفضت الإفصاح أو تجاهلت الطلبات.
كما أقرت وكالة الاستخبارات الرسمية للاتحاد الأوروبي (يوروبول) بامتلاك معلومات مرتبطة بالنظام لكنها امتنعت عن كشفها، فيما اكتفت حكومات أخرى برفض تأكيد أو نفي استخدام التقنية، ما يعكس نقصاً واضحاً في الشفافية.
تقنيات معقدة وبيانات تفصيلية
أوضح التقرير أنه من الناحية التقنية؛ فإن النظام يعتمد على مصادر بيانات متعددة، أبرزها نظام المزايدة اللحظية على مساحات الإعلانات الرقمية، حيث يتم تبادل بيانات المستخدمين خلال أجزاء من الثانية بين عدد كبير من الشركات المشاركة في المزاد الإعلاني، إضافة إلى برمجيات التتبع المدمجة داخل التطبيقات، والتي تتيح جمع بيانات مباشرة من داخل الأجهزة.
وتشمل هذه البيانات الموقع الجغرافي، والاهتمامات، والعادات، وحتى معلومات حساسة مثل التوجهات الدينية أو السياسية أو الصحية، في بعض الحالات.
ويرتكز هذا النوع من المراقبة على ما يُعرف بمعرفات الإعلانات للأجهزة، التي تُستخدم لتتبع المستخدمين عبر التطبيقات والمنصات المختلفة، رغم أنها كانت تُصنف سابقاً كبيانات مجهولة الهوية؛ إلا أن الجهات الفاعلة في السوق قادرة على ربط هذه المعرفات ببيانات شخصية مباشرة، مثل الأسماء والعناوين وأرقام الهواتف، ما يلغي فعلياً أي مستوى من إخفاء الهوية.
وسلط التقرير الضوء على البنية التحتية المرتبطة بهذه الأنظمة، حيث تم رصد خوادم تشغيل في عدد كبير من الدول تمتد عبر أوروبا وآسيا والأميركيتين، بما في ذلك الولايات المتحدة، وألمانيا، وفرنسا، والهند، واليابان، وهو ما يشير إلى انتشار عالمي واسع، حتى وإن لم يكن من المؤكد أن جميع هذه الدول تستخدم النظام بشكل مباشر.
كشفت الدراسة عن روابط محتملة بين الشركة المطورة للنظام وشركات متخصصة في برامج التجسس، من بينها شركة Quadream، التي سبق أن ارتبط اسمها باستهداف صحافيين ونشطاء ومعارضين سياسيين، ما يعزز المخاوف بشأن طبيعة الاستخدامات المحتملة لهذه التقنيات.
أنظمة رقابة متعددة
ولم يقتصر الأمر على Webloc، إذ تناول التقرير أنظمة أخرى طورتها الشركة نفسها، مثل نظام Lynx الذي يُستخدم لإدارة حسابات مزيفة على وسائل التواصل الاجتماعي لدعم العمليات السرية، ونظام Trapdoor الذي يُعتقد أنه يُستخدم في عمليات الهندسة الاجتماعية، من خلال إنشاء صفحات وهمية وإرسال روابط تصيد لخداع الضحايا ودفعهم إلى الكشف عن معلوماتهم، مع احتمال استخدامه كوسيلة لنشر برمجيات خبيثة.
وأشار التقرير إلى أن الاعتماد المتزايد على البيانات التجارية في أعمال المراقبة يمثل تحولاً جوهرياً في طبيعة العمل الاستخباراتي، إذ لم تعد الأدوات التقليدية وحدها كافية، بل أصبحت البيانات اليومية التي ينتجها المستخدمون عبر التطبيقات والإعلانات مورداً أساسياً لهذه الأنشطة.











