
يقدم المساعد التعليمي الذكي "سراج" نموذجاً لربط الذكاء الاصطناعي بالتعليم الرسمي في الأردن، ليتحول إلى "رفيق دراسة يومي" للطلاب، رغم ما يحيط بالتجربة من "مخاوف مشروعة" يقر بها مسؤولون.
"مع (سراج) أصبحت المعلومة أقرب، والمراجعة أسهل، والثقة خلال الاختبارات أكبر"، بهذه الكلمات لخصت الطالبة الأردنية أسماء النعيمي تجربتها مع مشروع المساعد التعليمي الذكي الأردني، بوصفه تجربة لا تكتفي بتقديم إجابات، بل تسعى لإعادة تشكيل علاقة الطالب بالدراسة نفسها.
وقالت أسماء لـ"رويترز" إن المنصة سهلت عليها دراسة المواد المختلفة "من خلال الشروحات الواضحة والأنشطة التعليمية المتنوعة، والتي ساعدتنا في فهم الدروس، وتثبيت المعلومات بطريقة أسهل".
وأضافت أن "سراج" وفر للطلبة طريقة سهلة وآمنة للوصول إلى المعلومة في أي وقت، ما جعل التعلم أكثر مرونة وسهولة.
المساعد التعليمي الذكي "سراج"
و"سراج"، الذي أطلقته وزارة التربية والتعليم في الأردن في أكتوبر 2025، أحد مشروعات المجلس الوطني لتكنولوجيا المستقبل، ويقوم على الذكاء الاصطناعي لمساعدة الطلاب والمعلمين في العملية التعليمية.
وهو منصة تفاعلية تتيح للطالب طرح الأسئلة، والحصول على شرح مبسط وفوري مستند إلى المناهج الرسمية، إلى جانب أنشطة وتمارين تدعم الفهم والمراجعة قبل الاختبارات، كما يساند التعلم الذاتي، ويخفف بعض الأعباء التحضيرية عن المعلم، دون أن يكون بديلاً عنه.
ومنذ إطلاقه، تفاعل مع "سراج" أكثر من مليون طالب و100 ألف معلم، فيما يجري العمل على تطويره ودمجه ضمن أنظمة إدارة التعلم التابعة لوزارة التربية والتعليم.
وفي الاستخدام اليومي، يتعامل الطالب مع "سراج" كما لو كان محادثة سريعة، إذ يمكنه فتح المنصة عبر الهاتف، أو الكمبيوتر، وكتابة سؤاله، أو طرحه صوتياً ليحصل مباشرة على شرح مبسط مرتبط بالدرس في الكتاب المدرسي، وبعد ذلك، يمكنه حل تمارين مرتبطة بالمحتوى، أو طرح أسئلة إضافية، حتى يتأكد من الفهم.
ويستخدم بعض الطلبة المنصة للمراجعة قبل الامتحانات، أو لتلخيص الدروس، فيما يلجأ إليها المعلمون لتحضير الشرح أو إعداد أنشطة وأسئلة مرتبطة بالمناهج.
"ليس بديلاً عن المعلم"
قالت مستشار تكنولوجيا التعليم لوزير التربية والتعليم الأردني، تينا صويص، إن "سراج" بدأ يدخل فعلياً في سلوك التعلم اليومي داخل المدرسة وخارجها، موضحة أن الطلبة يستخدمون المنصة للحصول على شرح سريع، أو مراجعة الدروس والتحقق من الإجابات المرتبطة بالمنهج، بينما يستعين بها المعلمون لمساندة الطلبة الذين يحتاجون إلى متابعة إضافية.
وأضافت صويص لـ"رويترز" أن قيمة "سراج" تتضح بشكل خاص في الصفوف المكتظة، مؤكدة أن ذلك لا يلغي دور المعلم، بل يمنح الطالب فرصة إضافية للفهم.
وأشارت إلى استفادة الطلبة المكفوفين من الواجهة الصوتية، إضافة إلى دعم الطلبة المتغيبين في مراجعة ما فاتهم من دروس.
أوضحت صويص أن ما يميز التجربة الأردنية هو التعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه نظاماً تعليمياً وطنياً مصمماً بضوابط واضحة، وليس كأداة عامة، لافتة إلى أن "سراج" يعتمد على "هندسة السياق"، بحيث تُبنى الإجابات وفق الصف والمبحث والدرس والكتب المدرسية.
وأكدت أن المخاوف المتعلقة بالدقة، والاعتماد المفرط على التقنية، والخصوصية تظل مخاوف مشروعة، ولذلك تتعامل الوزارة مع "سراج" باعتباره "مشروعاً تعليمياً محوكماً لا يعتمد على نموذج مفتوح"، بل يربط الإجابات بالمناهج الرسمية وسياق الدرس.
وأضافت صويص أن المنصة أداة مساندة للتعلم، وليست بديلاً عن المعلم أو التفكير النقدي، فيما تُدار قضايا الخصوصية، وحوكمة البيانات وفق ضوابط تضع مصلحة الطالب أولاً، من خلال تقليل البيانات الحساسة وضبط الوصول، واستخدام التحليلات لتحسين الخدمة التعليمية فقط.
تحديات ونتائج
مديرة مدرسة تلاع العلي الثانوية للبنات في العاصمة عمان، نبيلة فريحات، قالت إن "سراج" لم يعد مجرد منصة تعليمية، بل أصبح "رفيق تعلم حقيقي للطالبات؛ إذ سهل الوصول إلى المعلومة، وجعل التعلم أقرب وأكثر فائدة، وساعد الطالبات على اكتشاف قدراتهن، وأن يصبحن شريكات بصورة أكبر في رحلتهن التعليمية".
وأوضحت أن المدرسة واجهت في بداية التطبيق تحديات طبيعية "تمثلت أساساً في الجوانب التقنية، وتفاوت المعرفة الرقمية لدى الطالبات، والتردد الأولي في استخدام المنصة، وعدم إدراك قيمتها التعليمية".
لكن مديرة المدرسة قالت إن هذه التحديات جرى التعامل معها من خلال التوعية والتمكين والشراكة، عبر تشكيل فريق متخصص بمنصة "سراج"، وتنفيذ برامج تدريبية وإنتاج فيديوهات إرشادية، إلى جانب تعزيز الشراكة مع أولياء الأمور من خلال لقاءات توعوية دعمت متابعة الطالبات، وتشجيعهن على الاستفادة من المنصة.
وأضافت أن نتائج هذا المسار بدأت تظهر بوضوح مع مرور الوقت، إذ انتقلت الطالبات من مرحلة التعرف إلى التمكين والتفاعل والإبداع، وأصبحن أكثر قدرة على التعلم الذاتي، والوصول إلى المعرفة بصورة مستقلة.
وقالت إن أثر "سراج" لم يقتصر على الجانب الأكاديمي، بل امتد إلى الحياة المدرسية من خلال مبادرات وأنشطة ومعارض تعليمية عززت الإبداع والعمل التعاوني، ووفرت للمعلمات فرصاً أوسع لتطبيق التعليم المتمايز ومراعاة الفروق الفردية.
واليوم، لا ينظر كثير من الطلاب إلى "سراج" كأداة إضافية، بل كجزء من يومهم الدراسي. وتقول أسماء النعيمي إنه "جعل الدراسة أوضح وأسهل… وحتى أمتع".










