
خلال مؤتمر المطورين العالمي WWDC 2026، نجحت أبل في خطف الأنظار عبر استعراض موسّع للجيل الجديد من مساعدها الذكي Siri AI، الذي بدا للمرة الأولى أقرب إلى مساعد ذكاء اصطناعي متكامل، قادر على تنفيذ مهام متعددة الخطوات وفهم السياق بين التطبيقات المختلفة بطريقة تتجاوز ما تقدمه تطبيقات الذكاء الاصطناعي الخارجية.
وخلال الكلمة الرئيسية للمؤتمر، ركزت أبل بشكل واضح على القدرات الجديدة للمساعد المطور Siri AI، إذ أظهرت كيف يمكن للمساعد الذكي تنفيذ طلبات مركبة، والاعتماد على المعلومات الموجودة داخل التطبيقات المختلفة، مع تقديم تجربة متكاملة على مستوى النظام يصعب على أي مساعد خارجي الوصول إليها بسبب القيود المفروضة على الوصول العميق إلى نظام iOS.
وبدا واضحاً أن الشركة تراهن على Siri AI باعتباره أحد أهم التحولات البرمجية في تاريخ آيفون، خاصة مع تصاعد المنافسة العالمية في مجال الذكاء الاصطناعي بين شركات التكنولوجيا الكبرى.
ما الهواتف التي لن تشغل Siri AI؟
لكن رغم الحماس الكبير الذي رافق الإعلان، لن تكون تلك المزايا متاحة لجميع مستخدمي آيفون، حتى وإن كانت أجهزتهم قادرة على تشغيل نظام iOS 27 الجديد.
وأكدت أبل أن تشغيل Siri AI يتطلب وجود شريحة A17 برو مع ذاكرة وصول عشوائي بسعة لا تقل عن 8 جيجابايت، ما يعني أن الحد الأدنى للأجهزة المدعومة يبدأ من آيفون 15 برو.
ونتيجة لذلك، تصبح هواتف آيفون 15 وآيفون 15 بلس، إلى جانب جميع أجهزة آيفون 14 وما قبلها، خارج قائمة الأجهزة القادرة على تشغيل المزايا الجديدة.
ورغم أن تلك الأجهزة ستحصل على تحديث iOS 27 بصورة طبيعية، فإن الميزة الأبرز التي ركزت عليها أبل طوال المؤتمر لن تكون جزءاً من التجربة اليومية لملايين المستخدمين على هواتفهم الذكية.
فجوة بين تحديثات النظام والذكاء الاصطناعي
ويمثل ذلك شريحة ضخمة من مستخدمي آيفون حول العالم، خاصة أن هاتفي آيفون 13 وآيفون 14 لا يزالان من بين أكثر أجهزة أبل استخداماً وانتشاراً عالمياً، مما يعني أن عدداً هائلاً من المستخدمين الذين يمتلكون هواتف آيفون حديثة نسبياً سيجدون أنفسهم غير قادرين على الوصول إلى أبرز مزايا Siri AI الجديدة.
ويكشف هذا الوضع عن تحول مهم في فلسفة الدعم البرمجي لدى أبل، فعلى مدار سنوات، اعتاد مستخدمو آيفون على حصول أجهزتهم على تحديثات النظام لفترات طويلة، وهو ما اعتُبر دائماً إحدى أبرز نقاط قوة منظومة أبل مقارنة بالهواتف المنافسة.
لكن مع دخول الذكاء الاصطناعي بقوة إلى قلب تجربة الاستخدام، بدأت تظهر فجوة جديدة بين "دعم النظام" و"دعم مزايا الذكاء الاصطناعي". فبينما يستطيع مستخدم آيفون 14 تثبيت iOS 27 واستخدام النظام بشكل طبيعي، فإن تشغيل Siri AI يتطلب أجهزة أحدث بعدة أجيال بسبب المتطلبات التقنية المرتبطة بالنماذج الذكية الجديدة.
ما متطلبات تشغيل Siri AI على آيفون؟
وترى أبل أن هذه القيود ليست قراراً تسويقياً يهدف إلى دفع المستخدمين لترقية أجهزتهم، بل ترتبط بمتطلبات تقنية فعلية.
فالنماذج التي تعتمد عليها Siri AI تعمل محلياً على الجهاز، وهو ما يحتاج إلى قدرة معالجة مرتفعة وذاكرة كبيرة تتيح تنفيذ عمليات الذكاء الاصطناعي دون الاعتماد الكامل على الخوادم السحابية، مع الحفاظ على أداء الهواتف بشكل عام بكفاءة وسلاسة.
وأكدت الشركة أن شريحة معالج A17 برو مع ذاكرة 8 جيجابايت تمثل الحد الأدنى اللازم لتشغيل Siri AI بالكفاءة المطلوبة، خاصة أن أبل تعتمد بشكل كبير على المعالجة المحلية للبيانات كجزء من استراتيجيتها المتعلقة بحماية الخصوصية وتقليل إرسال بيانات المستخدمين إلى السحابة.
لكن حتى بين الأجهزة المدعومة، لن يحصل جميع المستخدمين على التجربة نفسها.
وأوضحت أبل أن أقوى نموذج ذكاء اصطناعي محلي لديها يحتاج إلى ذاكرة وصول عشوائي بسعة 12 جيجابايت على الأقل، ما يعني أن التجربة الكاملة ستكون متاحة فقط على أجهزة آيفون Air وآيفون 17 برو وآيفون 17 برو ماكس.
أما مستخدمو آيفون 17 القياسي أو أجهزة آيفون 15 برو، فسيحصلون على Siri AI، لكن مع مستوى أقل من قدرات الذكاء الاصطناعي المتقدمة، وهو ما يشير إلى بداية ظهور طبقات مختلفة من تجربة الذكاء الاصطناعي داخل منظومة أبل نفسها، بناءً على إمكانات العتاد الداخلي لكل جهاز.
ويعكس ذلك توجهاً جديداً داخل سوق الهواتف الذكية، حيث لم تعد جميع الأجهزة تحصل على التجربة البرمجية نفسها حتى داخل الفئة المدعومة نقسها.
أوروبا خارج دائرة Siri AI
وفي أوروبا، لا ترتبط المشكلة بالمواصفات التقنية إطلاقاً، بل بالقوانين والتنظيمات الجديدة.
فقد أكد كريج فيدريجي، مدير قطاع هندسة البرمجة بأبل، خلال فعاليات WWDC 2026 أن Siri AI لن يتوفر على أجهزة آيفون وآيباد داخل الاتحاد الأوروبي عند إطلاق iOS 27، من دون تحديد موعد واضح لإتاحته لاحقاً.
وترجع الأزمة إلى قانون الأسواق الرقمية الأوروبي DMA، الذي يفرض على أبل منح المساعدات الرقمية المنافسة مستوى الوصول نفسه إلى النظام الذي يحصل عليه Siri AI.
وتقول أبل إن توفير هذا المستوى من الوصول لتطبيقات الطرف الثالث قد يخلق مخاطر تتعلق بالأمان والخصوصية، وإنها لا تستطيع تنفيذ ذلك بصورة آمنة. كما أشارت الشركة إلى أن الجهات التنظيمية الأوروبية رفضت الحلول البديلة التي اقترحتها لمعالجة الأزمة، ما أدى إلى تأجيل إطلاق الميزة داخل الاتحاد الأوروبي على أجهزة المستخدمين.
اللافت أن هذا الحظر لا يشمل جميع أجهزة أبل، إذ سيحصل مستخدمو أجهزة ماك وأبل ووتش داخل أوروبا على مزايا Siri AI الجديدة، بينما يظل الاستثناء مقتصراً على آيفون وآيباد فقط.
ويعكس ذلك حجم التعقيدات التنظيمية التي أصبحت تواجه شركات التكنولوجيا الكبرى في أوروبا، خاصة مع تصاعد الجدل المرتبط بالاحتكار وحرية المنافسة ومستوى التحكم الذي تمارسه الشركات على أنظمتها المغلقة.
تكشف تحركات أبل عن تحول أوسع داخل صناعة الهواتف الذكية، إذ لم تعد التحديثات البرمجية وحدها كافية للحصول على أحدث التجارب التقنية، بل أصبحت قدرات الذكاء الاصطناعي مرتبطة بشكل مباشر بقوة المعالج وسعة الذاكرة داخل الأجهزة.
ومع احتدام سباق الذكاء الاصطناعي بين شركات التكنولوجيا، يبدو أن دورة ترقية الهواتف قد تتغير مجدداً خلال السنوات المقبلة، ليس بسبب تحسينات الكاميرات أو التصميمات الجديدة، بل نتيجة الحاجة إلى تشغيل مزايا الذكاء الاصطناعي المتقدمة التي تتطلب عتاداً أكثر قوة.








