السودان.. صناعة الطوب والزراعة في مواجهة سدّ النهضة | الشرق للأخبار

السودان: مهنُ وحِرَفٌ وصناعات يهدّدها "سدّ النهضة"

time reading iconدقائق القراءة - 9
مُزارع في جزيرة توتي قرب العاصمة السودانية يستخدم الثور لحراثة أرضه - REUTERS
مُزارع في جزيرة توتي قرب العاصمة السودانية يستخدم الثور لحراثة أرضه - REUTERS
الخرطوم-

على ضفة نهر النيل، عند التقاء فرعيه الأبيض والأزرق في السودان، يصنع عمال مهرة في الهواء الطلق آلاف قوالب الطوب يومياً، مستخدمين الطمي الذي يخلفه فيضان النهر في الصيف.

وبينما يجلس وسط زملائه وهم يشكلون بأيديهم الطوب قبل أن يتركونه يجف تحت أشعة الشمس، يؤكد محمد الأمين أنه لم ينفصل عن النيل منذ مولده، إذ أنه يزرع ويأكل منه ويستخرج هذا الطوب الذي يشكل مصدر رزقه.

خلف الاستقرار الذي تبدو عليه أوضاع هذا العمل، ثمة مخاوف بدأت تتسلل إلى نفوس العمال على جزيرة توتي في العاصمة السودانية الخرطوم، إذ باتوا يخشون أن يهدد سد النهضة العملاق الذي أنشأته إثيوبيا  قرب حدود البلدين سُبل عيشهم.

حاله كحال الكثيرين في منطقته، يخشى محمد الأمين أن يُضعف سد النهضة تدفق المياه في النيل الأزرق، ما قد يُهدد صناعة الطوب واسعة الانتشار في المنطقة، والتي يقول السكان إنها تمد الخرطوم باحتياجاتها في بناء المنشآت العامة الحديثة منذ نحو 100 عام.

لدى صناع الفخار والمزارعين والصيادين حول منطقة التقاء النيلين مخاوف مشابهة حيال تداعيات سد النهضة على مستقبل الزراعة والموارد في تلك المنطقة، في حين يرى سكان آخرون، نزحوا بسبب الفيضان الصيف الماضي، أن هناك فائدة مهمة من بناء سد، وهي تنظيم تدفق مياه النهر.

ويقول معتصم الجيري (50 عاما) وهو صانع فخار في قرية خارج مدينة أم درمان، حيث يشكل العمال الأواني الفخارية من طمي النيل، إن السد سيؤدي إلى تنظيم النيل ويقلل الفيضانات.

لكن الجيري يرى، من ناحية أخرى، أن تداعيات السد ستجعل كمية الطمي والمياه أقل توفراً، وهكذا سيتضرر المزارعون وصناع الطوب والفخار بشدة.

وتمثل آراء السكان لمحة عن الآمال والمخاوف الممتدة على طول نهر النيل من مشروع توليد الكهرباء الضخم الذي أثار مواجهة دبلوماسية حامية بين إثيوبيا ومصر عند مصب النهر.

وتعهدت إثيوبيا، التي تقول إنها تستغل أخيراً حقها في الاستفادة من النيل الأزرق لتشغيل اقتصادها، البدء في ملء خزان السد في وقت لاحق هذا الشهر.

أما مصر، التي ترى في المشروع تهديداً لمواردها المحدودة من المياه، فتحاول جاهدة التوصل إلى اتفاق يضمن حداً أدنى من تدفقات النيل الأزرق المسؤول عن 86% من مياه نهر النيل الذي يصب في البحر المتوسط.

وتقول الحكومة السودانية، إن السد قد يهدد سلامة نحو 20 مليون سوداني يعيشون على مجرى النهر، ويضر بالنظام الزراعي المعتمد على طمي الفيضان، وذلك إذا لم يشيد السد ويُدار بالشكل الصحيح.

لكن مع ذلك، تتوقع الخرطوم فوائد محتملة من السيطرة على مياه الفيضان في موسم الأمطار، وتحسن أداء سدودها.

وينعكس هذا التناقض في قرية ود رملي على مسافة 60 كيلومتراً من الخرطوم على مجرى النهر، حيث أسفر الفيضان عن أكبر الأضرار الصيف الماضي، فنزح بعض السكان الذين دُمرت مساكنهم أو أُلحقت بها أضرار إلى خيام نُصبت على مقربة منه.

في إحدى الخيم التي تأوي جماعات نزحت من مناطق أخرى في أعقاب فيضان نهر النيل، تجلس منال (23 عاماً) أمام فانوس أشعلته في ظل غياب الكهرباء.

وعلى الرغم من أنها لا تقلل من أهمية سد النهضة في خفض منسوب مياه النيل ومنع الفيضان، لكنها تعتقد أنه سيؤثر على الزراعة بشكل كبير، لاسيما أن منطقة "ود رملي" تعيش على هذه المهنة بشكل رئيسي.

وعلى جزيرة توتي، يشعر المزارعون وملاك الأراضي بالقلق الشديد، من أن يؤدي تقليل السد لقوة تدفق مياه النهر إلى الحد من المياه اللازمة لري الأراضي.

ويقول موسى آدم بكر الذي يزرع قطعة أرض بالخضروات والموالح بالقرب من مصنع الطوب: "جئت إلى توتي في عام 1988، لأن الأرض هنا هي الأفضل للزراعة وقريبة من الأسواق وتحقق عائداً مجزياً".

وأضاف بكر أن أراضي الجزيرة تنتج على مدار العام جميع أنواع الخضروات مثل البطاطا والبصل والباذنجان.

وقال أشرف حسن (45 عاماً) وهو تاجر أسماك في أم درمان: "السمك يموت إذا خرج من الماء... ونحن أيضا، نعيش كجزء من الماء وحوله".

وسط الصراع على السد بين جارتيه الكبيرتين، مصر وأثيوبيا، يقع السودان. أما المواطنين السودانيين، فيترقبون عن كثب أي تأثير على منسوب المياه التي يعتمدون عليها في حياتهم.

 

تصنيفات