
تحتلّ إيطاليا موقعاً متقدماً ضمن الاقتصاد العالمي، إذ تصنف باستمرار ضمن أكبر عشر اقتصادات في العالم من حيث حجم الناتج المحلي الإجمالي، كما حلّت في المرتبة الثامنة عالمياً عام 2024، بناتج قُدر بنحو 2.37 تريليون دولار، إلا أنها تواجه ارتفاعاً في أعداد الأشخاص من دون مأوى.
ورغم احتلال الاقتصاد الإيطالي مراتب متقدمة في العالم، إلا أن هناك تفاوتاً في توزيع الثروة ومستوى الرفاه، فحين يُقاس الأداء الاقتصادي وفق تعادل القوة الشرائية وهو معيار أدق لمقارنة الاقتصادات من حيث القدرة الفعلية على الاستهلاك، تتراجع إيطاليا إلى نطاق يتراوح بين المركزين الـ10 و12 عالمياً، ما يشير إلى فجوة بين الحجم الكلي للاقتصاد وقدرته على توليد نمو ديناميكي مستدام.
ورغم أن إيطاليا تظل لاعباً محورياً في الاقتصاد الدولي، بصفتها عضواً في مجموعة الدول السبع وG20، وثالث أكبر اقتصاد في الاتحاد الأوروبي بعد ألمانيا وفرنسا، فإنّ البطالة وضعف القدرة الشرائية وفقدان الملايين من المتقاعدين القدرة على مواجهة تكاليف الحياة، يؤدّي إلى عدّة ظواهر تتكرّر منذ أعوام، من بينها اكتظاظ المطاعم الخيرية التي تشرف عليها المنظمات الإنسانية والكنائس، إضافةً إلى وفاة المشرّدين ومن هم دون مأوى.
تشير الأرقام الرسمية إلى أن المشكلة مستمرة بلا تراجع حقيقي، إذ سجل في عام 2025 وفاة 414 شخصاً من دون مأوى، بعد أن سجل عام 2024 وفاة 434 شخصاً، و415 في عام 2023، إذ تتغيّر هذه الأعداد قليلاً، لكنها لا تنخفض.
ولا تختزل المعطيات التي جمعتها ونشرتها منظمة fio.PSD، (الاتحاد الإيطالي للهيئات المعنية بالأشخاص بلا مأوى)، الواقع في إحصاءات جامدة، بل تفتح نافذة على مأساة اجتماعية مزمنة.
البرد ليس القاتل الوحيد
ويفرض الحديث عن وفيات المشردين قدراً من الحذر، فكل رقم يخفي وراءه حياة كاملة، ومساراً معقداً يصعب اختصاره في سبب واحد.
فبين من يعيشون في الشارع أشخاص يعانون الإدمان، وآخرون قادتهم إلى هناك أمراض مزمنة، أو فقدان العمل، أو تراكم الديون، أو تفكك العلاقات العائلية، وتتداخل في هذه الدوامة عوامل العنف والخوف والاكتئاب والعنصرية والإخلاءات القسرية، لتشكّل بيئة قاسية تتفاقم فيها المخاطر يوماً بعد يوم، وقد تنتهي بالموت.
ورغم أن هذه البيانات لا تقدم تفسيراً شاملاً لكل حالة، فإنها تذكّر بأن الحديث الدائر ليس عن أرقام معزولة، بل عن أشخاص غالباً ما تهملهم المؤسسات، وتغيّب معاناتهم عن النقاش العام.
وعلى عكس ما قد يتبادر إلى الذهن، لا تظهر البيانات ارتفاعاً كبيراً في عدد الوفيات خلال أشهر الشتاء مقارنة ببقية السنة، ففي يناير 2025 سُجّلت 44 وفاة، وهو رقم قريب من 38 وفاة في أبريل، و35 في يونيو، و37 في أغسطس.
ويُفسر ذلك جزئياً بتفعيل خطط الطوارئ لمواجهة البرد، وزيادة عدد الأسرّة في مراكز الإيواء وتمديد ساعات الاستقبال وتوسع أنشطة الوحدات الميدانية، لكن ما إن ينقضي الشتاء حتى تتراجع هذه الإجراءات، فيما تبقى الأسباب العميقة للموت قائمة: المرض، والوحدة، والعنف، وغياب الرعاية الصحية المنتظمة.
نصف الوفيات لمهاجرين غير أوروبيين
وتكشف بيانات fio.PSD عن صورة ديموغرافية قاسية، إذ أن 91.5% من المتوفين من الرجال، وأكثر من نصفهم من المهاجرين القادمين من خارج الاتحاد الأوروبي، خصوصاً من المغرب وتونس.
ولا يتجاوز متوسط عمر المتوفين 46 عاماً، أي أقل بأكثر من 30 عاماً من متوسط العمر المتوقع للرجال في إيطاليا، البالغ 81.4 سنة.
موت في الأطراف لا في المراكز فقط
ورغم أن المدن الكبرى مثل روما وميلانو وتورينو تسجل العدد الأكبر من الوفيات، فإن التقرير يلفت إلى حدوث وفيات خارج هذه المدن، في الأقاليم والبلدات الصغيرة، حيث تكون شبكات الدعم أضعف، والوصول إلى الخدمات أكثر صعوبة.
وأكثر من نصف الوفيات سُجّلت في شمال البلاد، ولا سيما في أقاليم لومبارديا وفينيتو وبييمونتي.
وتشير fio.PSD إلى أن خطط الطوارئ تبقى ضرورية، لكنها غير كافية، فالمطلوب هو الانتقال الحقيقي من منطق التدخل الموسمي إلى سياسات مستمرة على مدار العام، واعتماد سياسات تقوم على الوقاية الصحية، والفحوصات الدورية، والعلاج، والدعم الاجتماعي، وتوفير السكن كمدخل أساسي لإعادة بناء حياة مستقرة، وفق مقاربة "السكن أولاً".
وجاء في التقرير أن "الشارع، بوصفه مكاناً للتعرض الدائم للعنف والمرض والوحدة، يجب أن يتحول إلى نقطة انطلاق لعمل قريب من الناس، قادر على فتح مسارات حماية وخروج من التهميش".








