أزمة دفع ثمن الغاز بالروبل.. إصرار روسي ورفض أوروبي

صورة توضيحية لنموذج خط أنابيب الغاز الطبيعي على ورقة الروبل وفي الخلفية العلم الروسي. 23 مارس 2022 - REUTERS
صورة توضيحية لنموذج خط أنابيب الغاز الطبيعي على ورقة الروبل وفي الخلفية العلم الروسي. 23 مارس 2022 - REUTERS
دبي-رويترزالشرق

طالب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين المشترين الأجانب الخميس، بدفع ثمن الغاز الروسي بالروبل ابتداء من الجمعة وإلا فسيقطع الإمدادات، فيما أعلنت دول أوروبية رفضها للقرار، معتبرة أنه "ابتزاز" وخرق للعقود الموقعة مع روسيا، ورأت الولايات المتحدة في المطالبة الروسية "علامة على يأس موسكو الاقتصادي والمالي".

وذكرت تقارير محلية ألمانية أن برلين تدرس تأميم الشركتين التابعتين لجازبروم وروسنفت الروسيتين في البلاد، وسط مخاوف بشأن إمدادات الطاقة. وتهدف الخطوة الألمانية حال اتخاذها إلى منع انقطاع واسع النطاق للكهرباء إذا واجهت أي من هاتين الشركتين صعوبات بسبب ارتباطهما بروسيا.

وجاء القرار الروسي، الخميس، ليعكس موقفاً روسيا مغايراً أعرب عنه الكرملين، الأربعاء، حين أعلن أن روسيا "لن تطلب على الفور من الدول دفع ثمن الصادرات الروسية من الغاز بالروبل".

ووعد الكرملين، بتحول تدريجي، وقال إن روسيا يجب أن تعمل على فكرة توسعة قائمة صادراتها التي تسدد قيمتها بالروبل، بحسب ما أفادت وكالة "رويترز".

ما الذي يعنيه القرار؟

بحسب تصريحات تلفزيونية للرئيس الروسي، الخميس، فإن مشتري الغاز الروسي سيتوجب عليهم فتح حسابات بالروبل في البنوك الروسية. ومن هذه الحسابات سيتم سداد المدفوعات المستحقة لإمدادات الغاز ابتداء من الجمعة الموافق الأول من أبريل.

ماذا سيحدث إذا رفضت أوروبا؟

إذا لم تُسدد هذه المدفوعات، فستعتبر روسيا ذلك تخلفاً عن الدفع من جانب المشترين مع كل العواقب المترتبة على ذلك، بحسب ما قال بوتين.

وفي تلك الحالة ستقوم روسيا بـ"وقف العقود الحالية"، إذ اعتبر بوتين أن "لا أحد يبيعنا أي شيء بالمجان، ونحن لن نقوم بأي أعمال خيرية كذلك. بمعنى آخر، سنوقف العقود الحالية".

كما اعتبر بوتين أن الخطوة "ستعزز سيادة روسيا"، مضيفاً أن "الدول الغربية تستخدم النظام المالي سلاحاً، وليس من المنطقي أن تتعامل روسيا بالدولار واليورو في الوقت الذي تُجمّد فيه أصولها بهذه العملات" وفقاً لـ"رويترز".

كيف ترد روسيا على حجة خرق العقود؟

رفضت روسيا أن يكون اشتراط الدفع بالروبل خرقاً للعقود، ونقلت وكالة تاس الروسية الرسمية، عن نائب وزير الخارجية الروسي سيرجي ريابكوف قوله، الأربعاء، إن اشتراط الدفع بالروبل بدلاً من الدولار أو اليورو لشراء الطاقة الروسية ليس خرقاً للعقود، ولكنه "تكيّف مع ضغوط لم يسبق لها مثيل".

وقال ريابكوف إنه يأمل أن تغيّر الدول الأوروبية رأيها بشأن الدفع بالروبل وأن تجد "حلاً مبتكراً" للمشكلة.

كيف يؤثر القرار على أوروبا؟

تهدد خطوة بوتين باحتمال خسارة أوروبا أكثر من ثلث إمداداتها من الغاز. ووضعت ألمانيا، وهي أكثر الدول الأوروبية اعتماداً على الغاز الروسي، بالفعل خطة طوارئ قد تؤدي إلى تقنين الاستهلاك في أكبر اقتصاد في أوروبا.

وتعد صادرات الطاقة أقوى سلاح في جعبة بوتين للرد على العقوبات الغربية الشاملة المفروضة على المرتبطين بالكرملين من بنوك وشركات ورجال أعمال وشخصيات سياسية.

ولم يتضح بعد ما إذا كان من الممكن عملياً أن تظل هناك طريقة أمام الشركات الأجنبية لمواصلة الدفع دون استخدام الروبل بعد أن استبعد الاتحاد الأوروبي ومجموعة الدول السبع الكبرى الرضوخ للطلب الروسي سابقاً.

سمح هذا الإجراء مع رفع معدل الفائدة الرئيسية إلى 20%، بإنعاش العملة الروسية. فبعد انهيارها عقب شن الهجوم على أوكرانيا في 24 فبراير، عادت إلى مستويات قريبة من التي كانت قبل الغزو، بحسب ما ذكرت وكالة "فرانس برس".

ما موقف ألمانيا؟

وضعت ألمانيا خطة طوارئ قد تؤدي إلى تقنين الاستهلاك، لكنها تحدّت القرار الروسي، إذ أبلغ المستشار الألماني أولاف شولتز، الخميس، نظيره الروسي، بأن بلاده راجعت عقودها مع روسيا بشأن واردات الغاز وستواصل دفع مقابلها باليورو وأحياناً بالدولار.

وأضاف شولتز في مؤتمر صحافي مع نظيره النمساوي كارل نيهامر، أن ألمانيا تأمل أن تتخلى عن واردات النفط والفحم الروسية هذا العام، لكن الأمر سيستغرق وقتاً أطول لتقليل اعتمادها على الغاز الروسي.

وقال وزير الاقتصاد الألماني روبرت هابيك إن روسيا لن تقدر على تقسيم أوروبا، وإن الحلفاء الغربيين مصممون على عدم قبول "الابتزاز" الروسي، وفقاً لـ"رويترز".

وذكرت صحيفة هاندلسبلات الألمانية، الخميس، نقلاً عن مصادر حكومية أن وزارة الاقتصاد الألمانية تدرس تأميم الشركتين التابعتين لجازبروم وروسنفت الروسيتين في البلاد وسط مخاوف بشأن أمن إمدادات الطاقة.

وأشارت الصحيفة إلى مناقشات تجري بين كبار مسؤولي الوزارة والمستشار أولاف شولتز بهدف منع انقطاع واسع النطاق للكهرباء إذا واجهت أي من هاتين الشركتين صعوبات بسبب ارتباطهما بروسيا.

وللشركتين أهمية بالغة في سوق الطاقة الألماني، حيث تدير شركة جازبروم جرمانيا منشآت تخزين كبيرة للغاز، فيما تعتبر شركة روسنفت دويتشلاند طرفاً رئيسياً في أسواق مصافي البترول والديزل والكيروسين، بحسب ما أفادت الصحيفة.

وذكرت هاندلسبلات أن الشركتين تواجهان خطر "الإفلاس التقني" مع ميل البنوك والشركاء التجاريين للنأي بأنفسهم عن الشركات التي تملكها شخصيات روسية منذ أن دخلت العقوبات الغربية ضد روسيا حيز التنفيذ.

ولم يتسنَّ الوصول إلى مسؤولين في جازبروم جرمانيا وروسنفت دويتشلاند ووزارة الاقتصاد الألمانية للتعليق.

فرنسا تستعد للأسوأ

رفضت فرنسا القرار، وأعلن وزير الاقتصاد الفرنسي برونو لومير، خلال زيارته لبرلين أن فرنسا وألمانيا "تستعدّان" لاحتمال توقف روسيا عن تسليم الغاز.

وقال لومير في مؤتمر صحافي مع وزير الاقتصاد الألماني روبرت هابيك "من الممكن أن يستجدّ وضع غداً لن يكون هناك غاز روسي، في ظروف خاصة جداً (...) علينا الاستعداد لهذه السيناريوهات، ونحن نستعدّ لها".

ارتفاع الروبل

اعتبرت الولايات المتحدة أن مطالبة روسيا للمشترين الأجانب بدفع ثمن الغاز بالروبل علامة على "يأس روسيا الاقتصادي والمالي الناجم عن العقوبات الغربية التي فرضت رداً على غزو أوكرانيا، بحسب ما ذكر المتحدث باسم الخارجية الأميركية نيد برايس الخميس.

من جهة أخرى، سافر كبار المسؤولين الأميركيين هذا الأسبوع لدفع زعماء العالم لمواصلة الضغط على موسكو أو الانضمام إلى حملة العقوبات وغيرها من الإجراءات التي تستهدفها، وذلك مع دخول الحرب في أوكرانيا أسبوعها الخامس وتلاشي الصدمة الاقتصادية الأولية في روسيا على ما يبدو.

وناقش وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن حرب أوكرانيا مع ولي عهد أبوظبي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان في المغرب. والتقى والي أدييمو نائب وزير الخزانة بكبار المسؤولين في لندن وبروكسل وباريس، وسيختتم الأسبوع في برلين. كما ضغط داليب سينج نائب مستشار الأمن القومي للاقتصاد الدولي على المسؤولين في نيودلهي.

يأتي هذا الجهد في وقت بدأ فيه التأثير الأولي للعقوبات الصارمة المفروضة على البنوك ورجال الأعمال والشركات في روسيا في التلاشي إلى حد ما، وتدرس الولايات المتحدة خطواتها الاقتصادية التالية لعزل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

 بطاقات
بطاقات "فيزا" و"ماستركارد" و"مايسترو" أمام أوراق نقدية من عملة الروبل الروسية - REUTERS

وكان الروبل الروسي خسر نصف قيمته في غضون أيام من عزل البنوك الروسية الرئيسية عن شبكة المعاملات المالية الدولية (سويفت)وشل الجزء الأكبر من احتياطي النقد الأجنبي الخاص بالبنك المركزي الروسي البالغ 630 مليار دولار، مما دفع المسؤولين الأميركيين إلى إعلان أن موسكو تكافح أزمة مالية.

لكن الروبل تعافى كثيراً بعد شهر عائداً إلى مستواه قبل الغزو مباشرة، مدعوما إلى حد ما بضوابط رأس المال الروسية وأوامر الحكومة لشركات التصدير ببيع العملات الأجنبية والشركات التي تجمع الأموال لتسديد مدفوعات الضرائب ربع السنوية.

ولم تمس العقوبات حتى الآن أهم شريان حياة اقتصادي لروسيا وهو مبيعات الطاقة إلى أوروبا، والتي قد تصل قيمتها إلى 500 مليون يورو (555 مليون دولار) يوميا بالأسعار الحالية. وتطالب روسيا بمدفوعات بالروبل مقابل الغاز اعتباراً من اليوم الجمعة، مما قد يعزز العملة أكثر.

وقال مسؤولون إن إدارة بايدن تتأكد من أن الحلفاء الأوروبيين متفقون تماما مع معاقبة بوتين، بينما تعمل على التأثير في القادة الذين ظلوا على الهامش.

وقال مسؤول أميركي كبير تحدث طالبا عدم نشر هويته: "علينا مواصلة زيادة الضغوط على روسيا وزيادة دعمنا لأوكرانيا... هذا هو التحدي الذي يواجه العالم الحر وكل الدول الديمقراطية. وعلينا أن نكون مستعدين لاستمراره مدة طويلة".

مواجهة الصين وتحذير الهند

تأتي الزيارات في وقت تتقارب فيه روسيا والصين، صاحبة ثاني أكبر اقتصاد في العالم، أكثر من أي وقت مضى. والتقى وزير الخارجية الصيني وانج يي بنظيره الروسي سيرجي لافروف الأربعاء، وأكد مجدداً اعتزام بكين مواصلة العلاقات الثنائية وتعزيز التعاون.

وقال مسؤول أوروبي إن مناقشات نائب وزير الخزانة أدييمو مع نظرائه الأوروبيين ركزت على العقوبات وتأثير الهند والصين على جهود روسيا المحتملة لتفاديها، وكيفية مساعدة دول مثل ألمانيا على تلبية احتياجاتها من الطاقة في حالة فرض حظر روسي.

وأضاف أن إحدى القضايا الرئيسية التي تم بحثها كانت مطالبة روسيا للمشترين الأجانب بدفع ثمن وارداتهم من الغاز الروسي بالروبل اعتبارا من اليوم الجمعة أو مواجهة انقطاع للإمدادات. ورفضت عواصم أوروبية الطلب وقالت الحكومة الألمانية إنه يرقى إلى مستوى "الابتزاز".

وفي الهند قال سينج، المستشار الاقتصادي للبيت الأبيض الذي قاد جهود تنسيق رد الفعل الغربي على الحرب، للمسؤولين إن واشنطن لن تضع أي خطوط حمراء بشأن شراء النفط، لكنه حذر من تسريع الشراء.

وتعتمد الهند اعتمادا عسكريا على التكنولوجيا والأجهزة الروسية وحاولت موازنة علاقاتها القائمة منذ وقت طويل مع روسيا والغرب.

ولم تفرض عقوبات على روسيا على عكس باقي أعضاء المجموعة الرباعية التي تضم إلي جانبها الولايات المتحدة واليابان وأستراليا.

اقرأ أيضاً:

تصنيفات