كيف يدفع "الغزو الروسي" دولاً أوروبية للتخلّي عن الحياد؟

جنود في قاعدة للجيش السويدي بجزيرة جوتلاند - 25 مارس 2022 - Bloomberg
جنود في قاعدة للجيش السويدي بجزيرة جوتلاند - 25 مارس 2022 - Bloomberg
دبي- الشرق

يدفع الغزو الروسي لأوكرانيا ومخاوف في العالم بشأن الحرب، دولاً أوروبية عُرفت بامتناعها عن أيّ نشاط عسكري، إلى مناقشة احتمال التخلّي عن حيادها.

وتبنّت 6 دول في أوروبا هذا الموقف، وإن بدرجات متفاوتة. والتزمت فنلندا والسويد الحياد خلال الحرب الباردة، لكنهما تميلان الآن نحو الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي (ناتو). وأُدرج هذا المبدأ في دستورَي النمسا ومالطا، فيما أن جمهورية أيرلندا وسويسرا جعلته حجر الزاوية في السياسة الخارجية، كما أوردت صحيفة "فايننشال تايمز".

لكن استطلاعات للرأي أُعدت بعد غزو أوكرانيا، تشير إلى أنه يسرّع تحوّلاً في الرأي العام لدى دولٍ، وسجّلت للمرة الأولى تفضيل معظم الفنلنديين والسويديين انضمام بلدَيهم إلى "الناتو".

ولا يزال كثيرون في أيرلندا يعارضون انضمامها إلى الحلف، لكن استطلاعاً للرأي نُشرت نتائجه في أواخر الشهر الماضي، أظهر أن 48% من مواطنيها يؤيّدون الآن هذه العضوية، فيما أن 46% سيصوّتون بـ"نعم" في أيّ استفتاء بشأن مشاركة القوات الأيرلندية في جيش قد يشكّله الاتحاد الأوروبي مستقبلاً.

وفي استطلاع آخر أُعدّ في فبراير، اعتبر حوالى نصف المشاركين أن مفهوم الحياد بات متقادماً، علماً أنه معتمد منذ 8 عقود.

لكن القادة السياسيين يلتزمون الحذر، فيما يتعاملون مع اشمئزاز واسع من الغزو الروسي، ومخاوف أمنية، وأحياناً معارضة سياسية شرسة لتغيير سياسات قائمة منذ فترة طويلة، بحسب "فايننشال تايمز".

مالطا وأيرلندا

سويسرا والنمسا ومالطا لا تفكّر في تغيير هذه السياسة، علماً أن ثلثَي السكان في مالطا يؤيّدون الحياد بقوة، وفقاً لاستطلاع رأي أُعدّ قبل أسبوعين من غزو أوكرانيا. لكن برن نسّقت مع دول الاتحاد الأوروبي في فرض عقوبات على روسيا، فيما أعربت النمسا وأيرلندا عن استعدادهما للانضمام إلى قوة ردّ سريع مقترحة تابعة للاتحاد الأوروبي، تضمّ 5 آلاف جندي ويمكنها التدخل في خلال أزمات دولية.

ودعا سايمون كوفيني، وزير الخارجية والدفاع في أيرلندا، إلى "إعادة تفكير جوهري" بشأن الموقف الأمني ​لبلاده. واستبعد "أن تنضمّ أيرلندا إلى الناتو قريباً"، مستدركاً أنها "لم تكن محايدة، أخلاقياً أو معنوياً أو سياسياً". لكن أيرلندا تزوّد أوكرانيا بمساعدات غير مميتة، مثل سترات واقية من الرصاص ووقود، علماً أنها تشارك في بعثات لحفظ السلام تابعة للأمم المتحدة.

سويسرا

تطبّق سويسرا العقوبات التي فرضها الاتحاد الأوروبي على موسكو، رغم أنها ليست عضواً في التكتل ولا في "الناتو". وجمّدت حسابات مرتبطة بـ223 روسياً.

لكن الحكومة واجهت انتقادات شديدة من "الحزب الشعبي السويسري" اليميني الشعبوي، الأبرز في البلاد. وقال القيادي في الحزب، الملياردير والنائب كريستوف بلوخر، إن سويسرا "باتت طرفاً في الحرب"، من خلال فرضها عقوبات على روسيا. وأضاف: "كلما ازدادت الأمور سوءاً في العالم، كلّما كان الحياد أكثر أهمية".

الرئيس الفيدرالي، إجنازيو كاسيس، شدد "قطعاً" على أن بلاده لن تتخلّى عن حيادها التاريخي، وأصرّ على أن السياسة "تتيح نطاقاً واسعاً من الإجراءات، لتكون قادرة على الاستجابة للتطوّرات الدولية".

النمسا

في النمسا، التي تحتفظ بعلاقات ودية مع روسيا منذ خمسينات القرن العشرين، شكّل مبدأ "الحياد الدائم" جزءاً من دستورها منذ عام 1955، حين كان شرطاً لضمان ألا تخضع لاحتلال الحلفاء بعد الحرب العالمية الثانية.

لكن تحرّكاتها بشأن أوكرانيا أثارت انتقادات. ففي أواخر الشهر الماضي، دعا "حزب الحرية" الشعبوي، ثالث أبرز تشكيل سياسي في النمسا، وتربطه علاقات مديدة بنظام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، إلى صوغ "خطة من 5 نقاط" من أجل "استعادة" الحياد النمساوي، بما في ذلك التخلّي عن العقوبات التي فرضها الاتحاد الأوروبي على موسكو.

كما أن "الحزب الاجتماعي الديمقراطي"، أبرز تشكيل معارض في البلاد، راوغ أيضاً بشأن أوكرانيا. ففي تصويت الشهر الماضي، انضمّ إلى "حزب الحرية" في معارضة السماح للرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، بإلقاء كلمة افتراضية أمام البرلمان، بحجة أن ذلك ينتهك حياد النمسا، رغم أنه بدّل موقفه بعد ردّ فعل عنيف من أنصاره.

السويد وفنلندا

اعتبرت "فايننشال تايمز" أن الجغرافيا تجعل السويد وفنلندا في وضع أكثر إلحاحاً، إذ تنفذان تدريبات عسكرية بانتظام مع "الناتو"، وتعتبران أن حيادهما انتهى بعد انضمامهما إلى الاتحاد الأوروبي في عام 1995. وترى الدولتان في المادة 42.7 من معاهدة الاتحاد، المرتبطة ببند الدفاع المشترك للتكتل، شكلاً أضعف من المادة الخامسة لمعاهدة "الناتو"، التي تنصّ على أن أيّ اعتداء على دولة عضو يشكّل هجوماً على كل بلدان الحلف.

وهددت روسيا بـ"عواقب عسكرية وسياسية خطرة"، إذا انضمّت أيّ منهما إلى الحلف، علماً أن الدولتين تراجعان موقفهما، وقد تقدّمان طلباً للعضوية هذا العام.

وقال الرئيس الفنلندي سولي نينيستو: "أشرنا إلى أننا لسنا محايدين، فنحن غير منحازين عسكرياً... الحياد هو تعبير قديم ولم يعُد يناسب فنلندا بعد الآن، نتيجة عضويتنا في (الاتحاد الأوروبي) وشراكتنا المعزّزة مع الناتو".

ونقلت "فايننشال تايمز" عن دبلوماسي في الاتحاد بالمنطقة قوله: "(فنلندا) هي عضو في الناتو بنسبة 80%. لكن نسبة الـ20% المتبقية ستكون صعبة".

لكن واقع أن بلداناً بعيدة عن الخطوط الأمامية لأوكرانيا تعيد تقييم سياساتها الدفاعية، يوضح مدى تغيّر المزاج في أوروبا.

وأربكت أيرلندا مراقبين دوليين سابقاً، من خلال موقفها الأمني. ويستذكر نويل دور، وهو دبلوماسي بارز سابق في وزارة الخارجية الأيرلندية، قول وزير الخارجية السوفياتي السابق أندريه جروميكو: "أنا لا أفهم أيرلندا. أنتم غير منحازين، ولا تصطفون مع (دول) عدم الانحياز".

ورجّحت الصحيفة تبدّل هذا الأمر الآن، ونقلت عن دور قوله: "أعتقد بأن النقاش بدأ" في هذا الصدد.

شاهد أيضاً:

تصنيفات