"المجلة" نشرت وثيقة سرية سورية عن اتفاق "فك الاشتباك" بين سوريا وإسرائيل بعد "حرب أكتوبر"

من ملفات كيسنجر والعرب: حين كاد أن يسقط أرضاً في دمشق

وزير الخارجية الأميركي السابق هنري كيسنجر  يلتقي في دمشق بالرئيس السوري حينها حافظ الأسد. 30 يناير 1974 - AFP
وزير الخارجية الأميركي السابق هنري كيسنجر يلتقي في دمشق بالرئيس السوري حينها حافظ الأسد. 30 يناير 1974 - AFP
لندن-المجلةإبراهيم حميدي

توفي هنري كيسنجر الدبلوماسي الأميركي الذي ترك عمله كمستشار للأمن القومي ووزير للخارجية في عهد رئيسين، أثراً لا يمحى في السياسة الخارجية الأميركية، كما شهد محطات صاخبة في مسار الصراع العربي-الإسرائيلي.

من هذه المحطات دوره في المفاوضات التي قادها بين دمشق وتل أبيب في مايو 1974، وعرفت بـ"الجولات المكوكية" التي أعقبت اتفاق وقف إطلاق النار في 25 أكتوبر 1973.

قيل الكثير عن حرب أكتوبر عام 1973، وعن التنسيق بين الرئيسين الراحلين المصري محمد أنور السادات، والسوري حافظ الأسد، في شن الحرب، واختلاف الأولويات والمبررات بينهما إزاء أهداف الحرب ومآلاتها والوصول إلى اتفاق لفصل القوات في سيناء والجولان.

كما قيل الكثير عن الطريق الذي سلكه السادات بعد الحرب، وصولا إلى اتفاق كامب ديفيد والموقف الذي اتخذه الأسد من ذلك، ومساره بعد اتفاق "فك الاشتباك" في الجولان مع إسرائيل، بدءا من الدخول إلى لبنان في 1976 والتقارب مع العراق ثم القطيعة معه بعد تسلم صدام حسين، والتحالف مع إيران بعد انتصار "ثورتها" في 1979 والوقوف معها ضد العراق في الحرب، إضافة إلى صراعات الأسد الداخلية وصولا إلى المشاركة في حرب الخليج 1991 والدخول في مفاوضات مع الإسرائيليين أسفرت عن صياغة اتفاقات تناولت الترتيبات الأمنية في الجولان وإقامة تطبيع وعلاقات دبلوماسية بين تل أبيب ودمشق، لكنها لم توقع في اللحظات الأخيرة.

في كل هذه التطورات، يبقى اتفاق "فك الاشتباك" في الجولان بين سوريا وإسرائيل بعد "حرب أكتوبر" محطة أساسية في تاريخ المنطقة، وكان بمثابة لبنة لما جاء بعده في العقود اللاحقة. لذلك، فإن قصة هذا الاتفاق مثيرة، ومن المهم عرض رواية نائب الرئيس السوري الراحل عبدالحليم خدام الموثقة بالمحاضر الرسمية والرسائل السرية عنها.

وتعرض وثائق حصلت "المجلة" على نصها ضمن أوراق خدام التي حملها معه من دمشق إلى باريس في العام 2005 قبل أن يعلن انشقاقه في نهاية العام، تعرض تفاصيل المفاوضات التي قادها وزير خارجية أميركا الأسبق هنري كيسنجر بين دمشق وتل أبيب في مايو 1974، وعرفت بـ"الجولات المكوكية" التي أعقبت اتفاق وقف إطلاق النار في 25 أكتوبر 1973. وتوثق المحاضر أن كيسنجر "ذهل وفوجئ" بموافقة الأسد على اتفاق الفصل، و"طلب أن يختلي بمستشاريه جانبا بضع دقائق. ومن المفاجأة أنه عندما توجه إلى طرف القاعة تعثر وكاد يسقط".

شك وحذر قبل بداية المفاوضات

لقد بدأت محادثات الفصل على الجبهة السورية في الثالث من مايو 1974، وكانت من أصعب المحادثات وأعقدها، ذلك أن الطرف الوسيط هو كيسنجر. ويقول خدام: "في الوقت الذي كان يمثل به مصالح أميركا والصهيونية العالمية كان عليه أن يقوم بدور الوسيط، أو على الأقل كان علينا أن نقبل به يمثل هذا الدور... كان علينا أن نكون كثيري الحذر والشك، ولذلك فقد كانت كل كلمة يطرحها علينا، أو فكرة يناقش بها موضع تساؤل ودراسة من مختلف الجوانب في سياسة الوزير الأميركي وما يطمح إليه من تحقيق سلام تحت المظلة الأميركية. إن كل ذلك كان كافيا ليثير في نفوسنا القلق والتردد، ويتناقض كليا مع أهدافنا. ولم يكن من السهل علينا أن نفاوض ذلك الرجل الذي ساعد إسرائيل خلال حرب أكتوبر وأعطاها كل مستلزمات الصمود، ولعب دورا كبيرا في توجيه الأحداث خلال الحرب وما بعدها، بهذه التصورات".

الأسد- كيسنجر... والظل السوفياتي

وصل كيسنجر إلى دمشق، صباح يوم الجمعة الثالث من مايو العام 1974. وبعد وصوله بقليل بدأت المباحثات معه في مكتب الرئيس الأسد، و"حاول كيسنجر أن يكون وديا وأن يعطي جوا من الألفة والمرح خلال بدء المباحثات، مستعملا الكثير من عبارات الود، بالإضافة إلى ما كان يواجهه من نقد لاذع من جانب إسرائيل".

وبدأ الحديث بالسؤال عن زيارة وزير خارجية الاتحاد السوفياتي أندريه غروميكو لدمشق، وفيما إذا كان فعلا سيصل، فأجابه الرئيس: "نعم فعلا"، فعاد للحديث عن غروميكو وعن أسلوبه في المحادثات، وقال: "إنه (غروميكو) يرغب في الاجتماع به في دمشق، وأنه (كيسنجر) قد رفض ذلك، وأنهما اتفقا على اللقاء في قبرص". وقال كيسنجر: "إن الاتحاد السوفياتي يريد أن يلعب دورا ولكننا لا نوافق على ذلك، وماذا يستطيع أن يفعل الاتحاد السوفياتي، إن جميع الأوراق في يدنا... ولن أقبل الاجتماع به في أي بلد عربي لأن ذلك يعني أننا قد وافقنا على أن يكون للاتحاد السوفياتي دور في المنطقة". وحسب محضر اجتماع الأسد- كيسنجر، دار النقاش الآتي:

الأسد: لا يمكن أن تتجاهلوا هذا الدور ولقد اتفقتُ مع السوفيات على أن يتم كل شيء في جنيف وعلى أن يشاركوا في أعمال مؤتمر جنيف وفي التسوية السياسية بالمنطقة، إننا لا نوافق على إبعاد السوفيات أو استبعادهم لا سيما وأن ما يربط الولايات المتحدة الأميركية بإسرائيل أمر لا يجعلنا نطمئن إلى إلغاء الدور السوفياتي في التسوية السياسية.

كيسنجر: إن الإسرائيليين يتحسسون من السوفيات، ويرفضون وجودا سوفياتيا في المساعي المبذولة، ويمكن أن يصار إلى التوقيع على الاتفاق بغياب الأميركيين والسوفيات وبحضور الأمم المتحدة.

الأسد: إن موقف الإسرائيليين لا يعنينا ولا نقبل بهذا المنطق، وإذا كان علينا أن نقبل به فيجب أن نرفض المساعي الأميركية. وفي كل الأحوال خلال زيارتي لموسكو، وعدت أن يكون اتفاق الفصل في جنيف وأن يشاركوا فيه، ولا تنس أنك وافقت على ذلك في آخر مرة زرتنا بها.

كيسنجر: نعم هذا صحيح.

ثم انتقل النقاش إلى موضوع الفصل، فطلب وزير الخارجية الأميركي وقف إطلاق النار "لأن من شأن ذلك أن يساعده في المباحثات"، فرفض الأسد هذا الطلب، وقال له إن "موضوع وقف إطلاق النار مرتبط باتفاق الفصل؛ لأننا عبأنا قواتنا، فوقف إطلاق النار من شأنه أن يترك حالة من الاسترخاء وليس من السهل إعادة التعبئة قبل مضي فترة لا بأس بها".

وبعد مناقشة حول هذه النقطة، تم الاتفاق على وقف الإغارات والإبقاء على العمليات العسكرية العادية، ثم طرح كيسنجر موضوع تسليم الأسرى الجرحى لأسباب إنسانية. فقال الأسد إن هذه المسألة مرتبطة بالوصول إلى اتفاق نهائي.

ثم عرض مشروعا للفصل، وقبل أن يشرح هذا الموضوع، قال: "إنني أخشى إذا اطلعتم عليه أن تقذفوا ثمانية آلاف قنبلة عوضا عن أربعة آلاف، لأني أعرف سلفا أنه لن يكون مقبولا منكم". رد الأسد: "طالما أنك تعرف أنه غير مقبول فلماذا تعرضه إذن؟"، فقال الوزير الأميركي إن هذا هو "ما بين يدي"، ثم شرح العرض:

الفصل يتم في حدود الجيب المحتل في حرب أكتوبر.

يقسم هذا الجيب إلى ثلاثة أقسام: قسم القوات السورية، وقسم بيد الأمم المتحدة، وقسم بيد الإسرائيليين.

تُحدث منطقة منزوعة السلاح على جانبي الحدود، على جانبي خط وقف إطلاق النار، خط الفصل بعمق 25 كيلومترا في كل جانب.

يقول خدام: "رفض الرئيس هذا المشروع ورفض أن يناقش فيه لأنه يعني إعطاء الإسرائيليين كل شيء ويسحب كافة الأوراق من بين أيدينا وقال لكيسنجر إن البحث عن السلام في إطار هذه الظروف كالبحث عن الماء خلف التراب، وأن الصراع بيننا وبين الإسرائيليين سيستمر، إما أن نسحقهم وإما أن يسحقونا". رد كيسنجر: "إنني غير مقتنع بهذا المشروع وسأعود ثانية إلى إسرائيل لآتي بمشروع آخر".

زيارة ثانية: الجولان جزء من استراتيجية إسرائيل الدفاعية

في 7 مايو، عاد كيسنجر إلى دمشق، وبدأ الحديث عن الإسرائيليين وموقفهم من الدور السوفياتي، فقال إنهم "لا يقبلون أن يكون للسوفيات دور، وأنه يوافق على أن يتم التوقيع على اتفاق الفصل في جنيف". فكان تعليق الرئيس السوري: "إننا لا نقبل إلا أن يكون للاتحاد السوفياتي دوره في هذه العملية، والأمر لا يرتبط بما ترغب أو لا ترغب به إسرائيل".

ثم تحدث كيسنجر عن الوضع الدولي ومؤتمر الأمن الأوروبي وسياسة الحد من الأسلحة الاستراتيجية وهي المواضيع التي كان قد ناقشها مع غروميكو في قبرص. وقال: "السوفيات يهتمون بالأمن الأوروبي ولا قيمة له في نظرنا. أما فيما يتعلق بموضوع الأسلحة فهناك تفوق لصالحنا مقابل السوفيات، بنسبة خمسة لواحد، ثم إنه قد انتقل للحديث عن الوضع الداخلي في إسرائيل والخلافات والانتخابات والحكومة الجديدة والمظاهرات التي كانت تستقبله".

ويشرح خدام أن كيسنجر تحدث عن ذلك "كي يعطي الانطباع بأن الحكومة الإسرائيلية غير قادرة على اتخاذ خطوة جدية أو قرار جدي في موضوع الانسحاب".

ثم تحدث عن الوضع الداخلي في أميركا وعن ضعف الرئيس ريتشارد نيكسون، ولا سيما أنه (كيسنجر) يحظى بتأييد الكونغرس والقوة اليهودية في الولايات المتحدة الأميركية، وبالتالي فإنه "كان يريد أن يعطي الانطباع بأنه صاحب القرار في أميركا وبأنه إما أن تقبلوا بما يُطرح أو أنه لن يكون لكم شيء، لا تعتمدوا على نيكسون إذا كانت هناك اتصالات بينكم وبين نيكسون أو وعود منه للعرب. هكذا كان يريد أن يقول".

انتقل إلى موضوع مشروع الفصل، فقال: "إني أعرف سلفا أنكم سترفضون هذا المشروع، ورغم ذلك فإن علي أن أطرحه عليكم"، ومضى يطرح المشروع الذي يقوم على النقاط التالية:

احتفاظ إسرائيل بقسم من الجيب المحتل في حرب أكتوبر.

احتفاظ الإسرائيليين بالمواقع التي يحتلونها في جبل الشيخ.

التخلي عن مدينة القنيطرة وإبقاء قواتها على حدود المساكن وعلى بضعة أمتار منها.

بعد تقديمه العرض، قال كيسنجر، إن الإسرائيليين "يعتبرون الجولان جزءا من استراتيجيتهم الدفاعية، بالإضافة إلى ذلك فإن وضعكم يختلف عن وضع مصر، في مصر اجتاز المصريون قناة السويس، والجيب المصري كان محاصرا من القوات الإسرائيلية، ووضع القوات الإسرائيلية كان سيئا".

اقتراح الأسد: خط مستقيم وخروج من جبل الشيخ

رفض الأسد المشروع لأنه "لا يختلف في شيء عن المشروع السابق، وهو يعبر عن حقيقة مطامع الإسرائيليين"، ثم قدم عرضه:

أن يتم انسحاب ذو أهمية وأن يكون خط الفصل خطا مستقيما على طول الجبهة وبما يبعد تداخل القوات (السورية والإسرائيلية).

عودة المدنيين، ولا شك أن عودتهم في ظل الاقتراح المقدم (من كيسنجر) أمر مستحيل؛ إذا لا يمكن وضع السكان تحت رحمة نيران القوات الإسرائيلية، وعلى بعد أمتار منها.

انسحاب الإسرائيليين من كافة المواقع في جبل الشيخ لا سيما أنهم لم يكونوا في هذه المواقع يوم 22 أكتوبر 1973.

وقال الرئيس السوري إن "التصلب الإسرائيلي والتمسك باعتبار الجولان أو أي أرض عربية جزءا من استراتيجيتهم الدفاعية يكشف النوايا التوسعية للإسرائيليين، وبالإضافة إلى ذلك فإن هذا المشروع يجعل مدينة القنيطرة محاطة بالعدو من ثلاث جهات، فكيف إذن يمكننا أن نقبل بذلك؟".

فقال كيسنجر إنه سيعود ثانية لمحاولة إقناع الإسرائيليين.

كيسنجر في زيارة ثالثة... وخريطة تفصيلية لـ"الفصل"

وفي 12 مايو، عاد كيسنجر إلى دمشق، و"كان واضحا أنه لم يأتِ بجديد، وتحدث عن الوضع الداخلي في إسرائيل والرأي العام الإسرائيلي ومشكلة الحكومة والأقلية والأكثرية". وحسب محضر سوري، قال كيسنجر: "إذا لم تقبلوا فسأضطر لإيقاف المساعي التي أبذلها وعندئذٍ ستخسرون ما حققتموه من تقدم في علاقاتكم معنا وسينفجر الوضع وسيكون المزيد من الوجود السوفياتي، وهذا الأمر ستقابله حملة صهيونية في أميركا، وبالتالي مزيد من الوجود الأميركي، تريد إسرائيل إظهاركم وكأنكم أداة بيد السوفيات وانفجار الوضع سيساعدها في ذلك".

رد الأسد بحديث طويل، وقال: "لماذا مطلوب منك أن تشعر بوجود رأي عام إسرائيلي؟ لماذا على الحكومة الإسرائيلية أن تراعي الرأي العام الإسرائيلي وليس علينا أن نراعي وأن نحترم الرأي العام في بلدنا؟". وطرح كيسنجر مشروعا جديدا "لا يختلف عن السابق"، وسأله الأسد، عن أسباب تمسك الإسرائيليين بالقطاع الشمالي في الجولان، فأجاب كيسنجر: "ذلك بسبب وجود المرتفعات". وعندما سئل لماذا لم تتراجع هي في الوسط والجنوب؟ أجاب: "يوجد خندق".

ثم عرض الوزير الأميركي خريطة لمشروع الفصل وفيها ما يلي:

احتفاظ الإسرائيليين بالمرصد القديم في جبل الشيخ.

تعديل طفيف في القطاع الجنوبي.

وقال إن هذا "هو آخر ما يمكن التوصل إليه". رفض الرئيس الخريطة وناقش ضيفه، موضحا: "يجب أن تعود القرى المحتلة، مجدل شمس، مسعدة، مقعدة، بالإضافة إلى خط القرى في القطاعين الأوسط والجنوبي". ثم أصر الأسد على وجوب عودة التلال المحيطة بالقنيطرة وعلى أن يكون خط الفصل خطا مستقيما، فقال كيسنجر إن "التعديل يحتاج إلى مناقشات جديدة مع الإسرائيليين".

الزيارة الرابعة: كيسنجر للأسد: مصر عادت للخلف وقواتكم تتقدم للأمام

في 13 مايو، عاد كيسنجر أيضا إلى دمشق. وحسب المحضر الرسمي السوري، دار النقاش الآتي:

كيسنجر: لقد عرضت البارحة بعد مناقشات طويلة وجهة نظركم على الإسرائيليين وأرى أن بحث الموضوع يجب أن لا يُنظر إليه من الناحية الجغرافية بل بما يحدثه من آثار في إسرائيل، لقد قامت مظاهرات ضدي، ويتهمون نيكسون بـ"اللاسامية"، رغم أن وزير خارجيته ووزير الصحة والشؤون الاجتماعية يهوديان. إن ما توصلنا له هو آخر ما استطعنا التوصل له، ويجب أن ننظر بأهميته في المرحلة الثانية؛ لأن ما يجري الآن ليس هو المرحلة النهائية، بل هو المرحلة الأولى وأهمية الموضوع أن أميركا وسوريا عملتا معا للوصول إلى الخطوة الأولى وسنعمل من أجل الخطوة الثانية، المهم أن نفكر بما ستحدثه هذه الخطوة في إسرائيل، وبالمناقشات توصلت معهم إلى توسيع الحزام حول القنيطرة، أما في الجنوب فإنهم لم يوافقوا وقالوا إن هناك تلالا، وإن هناك خندقا في الشمال. رفضوا بالنسبة للقرى المأهولة رفضا قاطعا وعرض على الخريطة الحزام الموسع حول القنيطرة.

الأسد: إنني لا أرى شيئا جديدا، وبالنسبة للقنيطرة كيف نضع الناس تحت رحمة الإسرائيليين؟ ثم كيف يعيش هؤلاء الناس وأراضيهم بيد الإسرائيليين؟ ثم ماذا نقول لشعبنا؟ هل نستطيع أن نقول إننا قد حققنا شيئا، نحن لا نريد أن نضحك على الناس، ثم إذا كانت هناك مصاعب في إسرائيل فلدينا نحن مصاعبنا، لأن الناس يطالبون بشيء باعتبار أن هناك حربا، ولكن بعد الفصل سيقولون ماذا فعلتم؟ هذا هو الوضع وأريد أن أشير إلى ملاحظة بسيطة وهي أننا لا نريد أن نربط تطور علاقاتنا بأميركا بتطور الوضع مع إسرائيل بمعنى أن أميركا إذا كانت لا تريد أن تطور علاقاتنا معها إلا على أساس الوضع مع إسرائيل فهذا أمر لا نوافق عليه فالإسرائيليون أعداؤنا وهم يحتلون أرضنا.

كيسنجر: أرجو أن تفكروا بالموضوع والفرق بين مصر وبينكم هو أن الاتفاق مع مصر أعاد القوات المصرية إلى الخلف، أما أنتم فستتقدم قواتكم للأمام وسيعود حوالي ستون ألف مواطن، وعند بحث المرحلة الثانية تكونون على مسافة أقرب بثلاثين كيلومترا من الآن، أما إذا لم يتم اتفاق فما هو البديل؟ البديل هو الحرب وتدخل سوفياتي، وسيقول الإسرائيليون إن العرب والسوفيات يعملون معا، أعداء أميركا، وبالتالي سيدفعوننا لأن نكون معهم، وأؤكد أنكم في الحرب لن تحققوا ما تحققونه في المفاوضات.

الأسد: إنهم يرفضون السلام، أؤكد أننا في النتيجة سنربح، قد ندفع خسائر كبيرة ولكننا سنهزمهم وسيصبح العرب جميعا معنا والحاكم العربي الذي لا يقف إلى جانبنا سيسحقه الناس، هذا أمر طبيعي وستنفجر المنطقة ولن نُصاب وحدنا بآثار الحرب وإنما إسرائيل وأنتم أيضا.

كيسنجر: هذا صحيح، وسأعود إلى إسرائيل وأبلغهم وجهة نظركم وإن كنت متأكدا أن لا جديد هناك، رغم أن أبا إيبان قال لي في السيارة، بالإمكان إعطاء بعض التلال حول القنيطرة والآن أرسلوا لي برقية تقول إن رئيسة الوزراء لا توافق، المهم أنكم دفعتم الإسرائيليين إلى الخلف، وكسرتم الحزام البنفسجي.

الأسد: إنني لا أرى أن هناك شيئا جديا فليستمر هذا الوضع.

كيسنجر: إذن كيف نختم المباحثات؟ فهل نعلن توقفها أم أعود في الغد وأترك لكم فرصة التشاور مع مساعديكم.

الأسد بعدما شرح الموقف الإسرائيلي ووجهة نظرنا برفض المشروع، قال: هناك أمور أستطيع أن أعطي فيها قرارا الآن.

لا نقبل القنيطرة كجيب.

نرى أن يكون الفصل خطا مستقيما يمر بالتلال ويكون عليها مراقبون دوليون.

أما بالنسبة للمفاوضات، فيمكن الإعلان عن أن كيسنجر بذل جهودا وسيعود للمتابعة بعد فترة.

كيسنجر: هذا معقول.

غارات إسرائيلية تواكب الزيارة الخامسة لدمشق... والأسد يريد ضمانات مجلس الأمن

في 16 مايو، عاد كيسنجر إلى دمشق، وكانت إسرائيل قد قامت بغارات على لبنان، وكانت هذه الغارات موضوع الحديث، فتحدث الأسد "مفصلا عن طبيعة إسرائيل وعن لؤم الإسرائيليين والجرائم التي كانوا يرتكبونها"، وقال: "في كل عدوان سيخلق فدائيون جدد فطالما أنهم سيموتون في المخيمات فلماذا لا يموتون فوق أرضهم؟ وقد قلت للبنانيين أنا مستعد للمساعدة ولكن لبنان دولة مستقلة رغم أننا أشقاء، فإن طلب اللبنانيون المساعدة قدمناها لهم".

رد كيسنجر قائلا: "أؤيد وجهة نظركم". ويقول خدام: "هاجم الإسرائيليين، وقال إنه ليست لديه معلومات مفصلة، ثم تحدث عن معالوت وهي مستعمرة إسرائيلية، كان قد هاجمها الفدائيون وقتلوا عددا من الإسرائيليين". ورد الأسد بشرح تصرفات الإسرائيليين، وكيف أنها تسببت في قتل مواطنيهم.

ثم تم الانتقال إلى مناقشة موضوع الفصل، فتحدث كيسنجر ثانية عن وضع الحكم في إسرائيل، وأشار إلى أن هناك "بعض القوى التي تحاول عرقلة الوصول إلى اتفاق، وهم العراقيون والسوفيات والفلسطينيون". قال الأسد إن "من يحاول إعاقة الوصول إلى اتفاق إنما هم الإسرائيليون وليس السوفيات أو العراق أو الفلسطينيون"، فرد الوزير الأميركي: "هناك اتصالات نجريها مع الفلسطينيين وقد أرسلنا نائب مدير المخابرات إلى المغرب واجتمع مرتين مع مندوبين من منظمة التحرير الفلسطينية".

ثم عرض كيسنجر بعض التعديلات حول الأرض المحيطة بالقنيطرة، وقد أصر الأسد على أن يكون خط الفصل مارا في التلال. فطلب كيسنجر العودة إلى إسرائيل للمناقشة، وإذا لم يتم التوصل إلى أي اتفاق فسيعود ثانية إلى مصر وإلى أميركا، ثم إنه طرح موضوع الضمانات الأميركية، فقال له الأسد:"الضمانات التي نقبل بها هي ضمانات مجلس الأمن".

عودة سادسة... مفاجأة من الأسد أذهلت كيسنجر

في 19 مايو، عاد كيسنجر ثانية إلى دمشق، وقال إنه قرر العودة إذا لم تكن هناك موافقة سورية. فناقشه الرئيس ثانية حول "خط الفصل". وبعد مناقشة استمرت حوالي ساعتين ووصلت المباحثات إلى الباب المغلق، قال: "أنا لا أريد تعطيل الاتفاق وأنا موافق على خط الفصل".

يقول خدام: "هنا ذُهل كيسنجر وفوجئ بالموقف وطلب أن يختلي بمستشاريه جانبا بضع دقائق، ومن المفاجأة أنه عندما توجه إلى طرف القاعة تعثر وكاد يسقط".

ثم استمرت المناقشات وتم بحث موضوع منطقة تخفيف القوات، وأصر الأسد على أن لا تزيد عن بضعة كيلومترات، ثم تم الاتفاق على أن يعود ثانية لمناقشة أكثر تفصيلا.

وبين 20 و28 مايو، تمت مناقشة اتفاق الفصل، وخلال هذه المناقشات التي جرت، توقفت المحادثات عدة مرات وكادت أن تفشل. ومن الأمور الهامة التي عرضت المناقشات للفشل موضوع التعهد بالسماح أو عدم السماح للقوات شبه العسكرية بالعمل. ودار هذا النقاش:

كيسنجر: أقترح بأن يتعهد الطرفان بالامتناع عن القيام بالأعمال العسكرية وشبه العسكرية.

الأسد: المقصود بشبه العسكرية الفلسطينيون، ونحن نرفض أن نمنعهم، ولا أن نلتزم عنهم، ولا أقبل بأن تتضمن الاتفاقية أي نص مماثل.

كيسنجر: لقد مضى علي قرابة شهر وأنا وزير خارجية أميركا أذهب وأجيء، فإذا لم توافقوا فإني مضطر للسفر.

الأسد: لو كنت مكانك لسافرت.

ويقول خدام: بالفعل، فإن وزير خارجية أميركا يجب أن لا يبقى شهرا خارج بلاده، وخرج كيسنجر مودعا الرئيس، وبعد قليل اتصل بمكتب الرئيس وطلب مقابلة قبل سفره، فاستقبله الرئيس، ووافق كيسنجر على وجهة نظرنا.

والنقطة الثانية التي كانت موضع خلاف هي موضوع مراقبي الأمم المتحدة، إذ أصر كيسنجر على أن تكون قوات الطوارئ الدولية، وأصر الأسد على أن يكون أولئك من مراقبي الأمم المتحدة. وتم الخلاف على عددهم، وفي النهاية وافق كيسنجر على وجهة نظر دمشق.

النقطة الثالثة، هي منطقة التخفيف وحجم القوات الموجودة في هذه المنطقة، إذ أصر كيسنجر على أن تكون 25 كيلومترا فرفض الأسد بحث ذلك رفضا قاطعا.

ويروي خدام: "على ما أذكر بعد انتهاء المباحثات في إحدى الجلسات بقيت أنا واللواء مصطفى طلاس وزير الدفاع، واللواء ناجي جميل نائب وزير الدفاع ورئيس القوات الجوية، واللواء عواد باغ، واللواء يوسف شكور، والعميد حكمت الشهابي رئيس شعبة المخابرات العسكرية، وناقشنا هذه النقطة، فقال اللواء مصطفى طلاس: ليس هناك مانع من أن نوافق، وأنا أستطيع استعادة هذه المسافة".

وحسب محضر الاجتماع، نظر خدام إلى طلاس وقال: "رغم أني لم أخدم في الجيش إلى أكثر من رتبة ملازم إلا أنه حسب معلوماتي أنت عاجز عن ذلك، لا تنس أنك من أجل ثلاثة كيلومترات في الجولان خسرت ألفا ومائتي دبابة، وإنني أعتقد من أجل 25 كيلومترا ستخسر كل قواتنا، يجب أن لا نناقش الأمور بمثل هذه الخفة ولا بهذه البساطة، ومهما كان الوضع يجب أن لا نقبل بهذه الفكرة لأنها تحقق لإسرائيل كل ما تتطلع إلى تحقيقه، فهي بالفعل بذلك تبعد قواتنا ونيراننا عن جميع المستعمرات الإسرائيلية". ورد الأسد: "ليس واردا أن نقبل بذلك".

في 28 مايو، تم التوصل إلى اتفاق الفصل والذي تُركت بعض التفاصيل فيه للمناقشة في جنيف وتم التوقيع عليه في جنيف بتاريخ 31 مايو عام 1974.

بموجب الاتفاق تمت استعادة الجيب المحتل في حرب أكتوبر، ومدينة القنيطرة ومسافة صغيرة.

ويقول خدام: "مما لا شك فيه كانت لهذا الاتفاق فوائد عسكرية كبيرة:

لقد تم تخفيف الضغط عن دمشق وكان العدو بعيدا عنها مسافة لا تزيد على خمسين كيلومترا.

تمت استعادة أرض محتلة.

وجود قواتنا بالقرب من خطوط الخامس من يونيو أفضل بكثير من وجودها قريبة من ثلاثين كيلومترا عن دمشق، عندما تُتاح لنا الفرصة للقيام بعمليات عسكرية لتحرير الأرض، ولم يكن بإمكاننا تحقيق مكاسب أكبر لأننا كنا نفاوض ولم تكن هناك أوراق بين أيدينا سوى القوات التي كانت تشترك بحرب استنزاف مع العدو".

ويضيف: "أما سلاح العرب والجبهة المصرية، فقد أصبحا خارج عملية المواجهة السياسية والعسكرية والاقتصادية. ولا شك أن توقيع هذا الاتفاق في ظروف الاشتباكات كان له معنى كبير. إن توقيع اتفاق الفصل كان نهاية لمرحلة في العمل السياسي اتسمت بكثرة تشعباتها ومداخلاتها، مرحلة اختبار لقدرتنا في الصمود، ولقدرتنا على تحمل الأعباء. لقد ناورنا أقصى ما نستطيع في ساحة ضيقة للمناورة للوصول إلى أفضل الممكن، ولا شك أن التوقيع على اتفاق فصل القوات قد أنهى مرحلة".

*هذا المحتوى من مجلة المجلة

تصنيفات

قصص قد تهمك