
بينما يسعى زعيم المعارضة الإسرائيلية يائير لَبيد إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية، بعد تكليفه رسمياً الأربعاء، يبدو المستقبل السياسي لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أمام مفترق طرق، وخصوصاً في ما يتعلق بمسار محاكمته إذا غادر رئاسة الوزراء.
وكان الرئيس الإسرائيلي رؤوبين ريفلن، كلّف زعيم حزب "يش عتيد" (هناك مستقبل) يائير لَبيد، مهمة تشكيل حكومة إسرائيلية جديدة، وذلك بعد أقل من 24 ساعة على إعلان فشل نتنياهو في المهمة ذاتها.
ورغم التكليف، إلا أن الرئيس الإسرائيلي شكك في خطاب التكليف بقدرة أي عضو كنيست آخر على تشكيل الحكومة، وقال في خطاب بثه التلفزيون الرسمي: "على أساس التوصيات التي تلقيتها، تحدثت للتو مع عضو الكنيست يائير لَبيد وأبلغته بأنني أكلفه تشكيل الحكومة، الاعتبار الرئيسي لنقل التفويض أو منحه، هو أنه صاحب الفرص الأكبر لتشكيل حكومة رغم الصعوبات الكثيرة".
تناوب على رئاسة الحكومة
وأضاف الرئيس الإسرائيلي: "من الواضح أن لدى لَبيد خيارات عديدة لتشكيل حكومة يمكنها الفوز بثقة الكنيست، يقودها في المرحلة الأولى مرشح آخر يشغل فيها منصب رئيس الوزراء المناوب".
تأتي تصريحات ريفلن في إشارة إلى الأنباء التي تحدثت عن رغبة لَبيد بإقامة حكومة وحدة وطنية من أحزاب الوسط واليمين واليسار، بحيث يتناوب على رئاستها هو وزعيم حزب "يمينا"، نفتالي بينيت، على أن يرأسها بينيت أولاً لمدة عامين، وبعدها يشغل لَبيد المنصب حتى الانتخابات القادمة.
وقال ريفلن، إنه تحدث مع بينيت حول الموضوع، لافتاً إلى أن الأخير لا يستبعد إمكانية تشكيل حكومة مع لَبيد.
وأعطى لَبيد تعليماته للمفاوضين في حزبه، بالاستعداد للبدء فوراً في اتصالات تنجز حكومة وحدة وطنية تناوبية في أسرع وقت ممكن. وفي بيان صدر عنه عقب تكليفه بتشكيل حكومة، قال: "بعد أكثر من عامين على الكابوس السياسي المستمر، تتواصل جروح المجتمع الإسرائيلي، حكومة الوحدة ليست حلاً وسطاً - إنها هدف".
وتابع: "نحن بحاجة إلى تشكيل حكومة تعكس حقيقة أننا لا نكره بعضنا البعض. حيث يعمل اليمين واليسار والوسط معاً لمواجهة التحديات الاقتصادية والأمنية.. نحن بحاجة إلى حكومة تثبت لنا أن اختلافنا ليس نقطة ضعف، بل مصدر قوة لإسرائيل". وشدد لَبيد على أنه سيفعل كل ما هو مطلوب لتشكيل هذه الحكومة بأسرع وقت ممكن، وفق تعبيره.
مواقف اليمين واليسار والعرب
وقال زعيم حزب "يمينا"، نفتالي بينيت، في بيان سبق تكليف لَبيد، إن "هذا هو الوقت المناسب للتوقف وإعادة النظر في مسار جديد".
وفي إشارة إلى نتنياهو، أضاف أن "من يأخذ دولة إسرائيل بسخرية إلى انتخابات خامسة على أساس المصالح الشخصية، في معارضة كاملة لحاجات الأمة والدولة، لن يغفر له الشعب. هذا هو الوقت المناسب لتشكيل حكومة وحدة".
وأكد بنت أنه وحزبه، منحا الأولوية لإقامة حكومة يمينية بزعامة نتنياهو، غير أن الأخير فشل في هذه المهمة، مشيراً إلى أنه يُفضل الذهاب إلى حكومة وحدة وطنية على التوجه لانتخابات خامسة.
ويقف في مركز الحكومة التي يجري الحديث عنها، حزب "يش عتيد" بزعامة يائير لَبيد، وحزب" أزرق أبيض" بزعامة بيني غانتس، في حين يُشكل بنت وحزبه "يمينا " بالإضافة إلى حزب "أمل جديد" بزعامة جدعون ساعر، المنشق عن حزب "الليكود"، جناحها اليميني، وحزبي العمل وميرتس، جناحها اليساري. كما تحظى الحكومة بدعم أو امتناع الأحزاب العربية عند طرحها للحصول على الثقة في الكنيست.
وتجمع حكومة لَبيد التي ينوي تشكيلها، من جهة، المنادين بضم الضفة الغربية والحفاظ على وحدة "أرضي إسرائيل التوراتية"، ومن جهة أخرى، أولئك الذين يصارعون لإقامة دولة فلسطينية مستقلة إلى جانب "دولة" إسرائيل، وتفكيك مستوطنات فيها، وفريق ثالث يتبنى طروحات تقدّس "يهودية الدولة"، في مقابل طروحات ترى في الهوية الفلسطينية، مكوناً أساسياً في كيان من تبقى من فلسطينيين داخل إسرائيل بعد النكبة.
نتنياهو يهاجم
وسارع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى عقد مؤتمر صحافي بعد تكليف لَبيد بتشكيل الحكومة، وشن خلاله هجوماً عنيفاً على الحكومة المتوقعة، وعلى زعيم حزب "يمينا"، واصفاً إياها بأنها حكومة "يسارية خالصة"، مدعياً أنها "ستفشل في الدفاع عن إسرائيل في المحافل الدولية، وعلى رأسها المحكمة الجنائية في لاهاي، وستفشل في مواجهة المشروع النووي الإيراني، وستجمد الاستيطان، وستُنفّر الأجيال المقبلة من الانخراط في الجيش الإسرائيلي".
وزعم نتنياهو أنه "حاول جاهداً" تشكيل حكومة يمينية قوية ومستقرة مع بينيت، رغم أن تركيبة البرلمان الإسرائيلي لا تمكنه من ذلك، كما حاول نتنياهو، نزع أي شرعية جماهيرية لحكومة وحدة محتملة؛ وقال إن الهدف الوحيد لبينيت هو ترؤس الحكومة لأطول فترة ممكنة، مشيراً إلى أنه عرض عليه تولي رئاسة الحكومة لمدة عام.
وفي حديث لـ"الشرق"، قال المحلل السياسي علي واكد: "قد يعتبر الكثيرون أن حقبة نتنياهو الحالية انتهت بعد تكليف يائير لَبيد بتشكيل الحكومة، لكن ظل نتنياهو لا يزال يحلّق على هذه المساعي لتشكيل حكومة بديلة".
وأضاف: "في حين يعتبر البعض أن خطاب نتنياهو الأخير بمنزلة اعتراف بالهزيمة، يراه آخرون محاولة للتشويش على جهود لَبيد وبنت، وإحداث انشقاقات وتصدعات داخل معسكرهما، وإقناع نواب وأعضاء كنيست من اليمين بالانشقاق والالتحاق بحكومة يمين برئاسته".
مصير محاكمة نتنياهو
وتعُد المهمة الأساسية أمام نتنياهو في المرحلة القادمة، وفق ما يقول واكد، هي إفشال مساعي لَبيد وبنت في إقامة حكومة وحدة وطنية، والعودة إلى خيار سياسي يحفظ لنتنياهو مكانة قانونية تمنحه إمكانية البقاء في سدة الحكم، إما كرئيس وزراء فعلي أو كرئيس وزراء بديل.
وتابع المحلل السياسي: "سعى نتنياهو في كلمته لمضاعفة الضغوط على بينيت، لكي يعود إلى رشده ويبقى في اليمين، وأعرب عن استعداده لدفع ثمن باهظ يكون بموجبه بينيت رئيس الوزراء الأول".
ويرى واكد أن "ما يسعى إليه نتنياهو، هو البقاء في الحكومة بمنصب وزاري خلال فترة محاكمته"، مستدركاً: "صحيح أن الانظار اتجهت إلى الكنيست والتطورات السياسية، لكن قضية محاكمة نتنياهو ظلت ظاهرة في الخلف".
وبحسب التقديرات، فإن بقاء نتنياهو في الساحة السياسية الإسرائيلية، يمنحه القدرة على التأثير في مجريات المحكمة، إما من خلال تشريع قوانين توقف إجراءاتها، أو عبر إجراء تعيينات لشخصيات رفيعة المستوى في الجهاز القضائي يمكن أن تقوم بتجميدها.
وإذا ما اضطر نتنياهو للمثول أمام المحكمة كمواطن عادي أو عضو كنيست مجرد من صلاحيات رئيس الوزراء، فسيُعقد ذلك من مكانته القانونية، ويضعف من قدرته على التوصل إلى تسوية مع النيابة تمنع بموجبها دخوله إلى السجن.
والحال، فإن مهمة لَبيد وبينيت في الوصول إلى سدة الحكم، تتصادم مع مستقبل نتنياهو السياسي والشخصي، وتهدد بإرساله إلى السجن، أسوة برئيس الحكومة الإسرائيلية السابق إيهود أولمرت.




