Open toolbar

الرئيس الصيني شي جين بينج والرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال لقائهما في العاصمة الصينية بكين 4 فبراير 2022 - AFP

شارك القصة
Resize text
دبي-

ذكرت مجلة "فورين أفيرز" الأميركية، أن العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة وحلفاؤها على روسيا بسبب غزو أوكرانيا، ربما تؤدي إلى أضرار اقتصادية مؤقتة على موسكو، لكنها على المدى البعيد تهدد هيمنة الدولار عالمياً.

وأضافت المجلة في تقرير نشرته، الاثنين، أن هذه العقوبات قد تأتي بنتائج عكسية، مشيرة إلى أن استعراض الرئيس جو بايدن للقوة الاقتصادية الأميركية لن يؤدي إلا إلى تشجيع روسيا وخصوم الولايات المتحدة الآخرين، ولا سيما الصين، على حرمان واشنطن من القوة التي تجعل العقوبات مدمرة للغاية.

وأوضحت أنَّ روسيا والصين ستسرِّعان اتخاذ مبادرات ترمي إلى "إزالة الدولار" من اقتصاداتهما، وبناء مؤسسات وهياكل مالية بديلة تحميهما من العقوبات، إضافة إلى أنها قد تهدد مكانة الدولار الأميركي كعملة مهيمنة في العالم.

"إنهاء هيمنة الدولار"

وأشارت المجلة إلى أنه في ظل ضغط العقوبات، بدأت الدول الكبرى المنافسة للولايات المتحدة في اتخاذ إجراءات من شأنها التخلص من هيمنة الدولار.

وأصبحت روسيا المدافع الأكثر صراحة عن التخلص من سيطرة العملة الأميركية، ولقيت أجندتها قبولاً كبيراً بين دول كبرى مثل الصين.

وعزَّز التزام الصين بتنويع احتياطياتها من العملات الأجنبية، استراتيجية روسيا في كسر هيمنة الدولار، حيثث شجعت بكين المزيد من المعاملات باليوان، وإصلاح نظام العملة العالمي من خلال التغييرات في صندوق النقد الدولي.

نظام مالي جديد

كما حفَّز تدهور العلاقات الأميركية - الصينية، بكين على الانضمام إلى موسكو في بناء نظام مالي عالمي موثوق يستبعد الولايات المتحدة.

وقالت المجلة إنَّ مثل هذا النظام سيجذب الدول الخاضعة للعقوبات الأميركية. وليس هذا فحسب، بل إنه قد يجذب أيضاً الحلفاء الرئيسيين للولايات المتحدة الذين يأملون في الترويج لعملاتهم الخاصة على حساب الدولار.

ولفتت المجلة إلى أنه على مدى عقد من الزمان على الأقل، ظلَّ صناع السياسة الروس حذرين من تفوق الدولار.

وبعد ضم شبه جزيرة القرم في عام 2014، وسَّعت إدارة الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما العقوبات المفروضة على روسيا، والتي استهدفت حينها العديد من البنوك الروسية الكبيرة، وكذلك شركات الطاقة وشركات الدفاع والأثرياء من أنصار بوتين.

وأطلقت الحكومة الروسية بعد ذلك إجرائين ماليين مهمين لدرء العقوبات والحفاظ على استقلاليتها المالية، إذا تم فصلها عن نظام الاتصالات المالية العالمية بين البنوك، المعروف باسم "سويفت" الذي يسمح للبنوك بإرسال رسائل إلى بعضها البعض.

ويعمل أحد هذين الإجرائين وهو نظام دفع وطني مستقل، كبديل لروسياً في منصات الدفع مثل "فيزا" و"ماستركارد"، أما الآخر فعبارة عن نظام مراسلة مالية يسمى نظام تحويل الرسائل المالية، أو "إس بي إف إس"، وهو النسخة الروسية من "سويفت".

وأصبح هذا البرنامج الأخير يعمل بكامل طاقته في عام 2017، حيث يرسل رسائل المعاملات بأي عملة. وفي ديسمبر 2021، كان لديه 38 مشاركاً أجنبياً من 9 دول. وحتى مارس الجاري، يضم البرنامج  أكثر من 399 مستخدماً، بما في ذلك أكثر من 20 مصرفا بيلاروسياً.

وتتمتع الشركات التابعة للبنوك الروسية الكبيرة في ألمانيا وسويسرا، وهما أهم مركزين للقوة المالية في أوروبا، بإمكانية الوصول إلى البرنامج.

تفاوض مع الصين

وتتفاوض روسيا حالياً مع الصين للانضمام إلى هذا النظام. وتتيح هذه البنية التحتية المالية البديلة للشركات والأفراد الروس الاحتفاظ ببعض الوصول، وإن كان محدوداً، إلى الأسواق العالمية على الرغم من العقوبات.

ومنذ عام 2018، خفض بنك روسيا المركزي أيضاً بشكل كبير حصة الدولار في احتياطيات النقد الأجنبي لروسيا من خلال شراء الذهب واليورو واليوان. كما سحب الكثير من احتياطياته من سندات الخزانة الأميركية بين مارس ومايو 2018، وخفض حيازاته من سندات الخزانة الأميركية من 96.1 مليار دولار إلى 14.9 مليار دولار.

وفي أوائل عام 2019، خفض البنك حيازاته من الدولارات الأميركية بمقدار 101 مليار دولار، أي أكثر من نصف أصوله الحالية.

وفي عام 2021، وبعدما فرضت إدارة بايدن عقوبات جديدة على موسكو ، أعلنت روسيا قرارها بإزالة الأصول الدولارية بالكامل من صندوق الثروة الوطني البالغ قيمته 186 مليار دولار، وهو صندوق ثروة سيادي رئيسي.

عملة مشفرة  

كما تستعد روسيا حالياً لإطلاق عملة مشفرة مدعومة من الدولة يمكنها الالتفاف على الدولار. وبحسب "فورين أفيرز"، قد تكون مبادرات روسيا أحادية الجانب للهروب من قبضة الدولار دفاعية بطبيعتها، لكنها عملت أيضاً مع دول أخرى لتقويض هيمنة الدولار.

وأشارت المجلة إلى أنَّ هذه التحالفات تمثل تهديداً طويل الأمد للدور البارز للدولار في التجارة الدولية، وبالتالي، تحدٍ للقيادة العالمية للولايات المتحدة.

وقالت المجلة إنَّ الرغبة المشتركة لتقليل الاعتماد على الدولار عززت العلاقة بين روسيا والصين. وساعدت مبادلة العملات الثنائية بين البنكين المركزيين روسيا على تجاوز العقوبات الأميركية في عام 2014 وتسهيل التجارة الثنائية والاستثمار.

وفي عام 2016، دعا رئيس الوزراء الروسي آنذاك دميتري ميدفيديف، إلى تنسيق أنظمة الدفع الوطنية للبلدين، وناقش احتمال إطلاق نظام دفع جديد عبر الحدود بين روسيا والصين للتسويات المباشرة باليوان والروبل.

وفي عام 2018، صرح بوتين بأن روسيا والصين "أكدتا اهتمامهما باستخدام العملات الوطنية بشكل أكثر نشاطاً في المدفوعات المتبادلة".

تجاوز سويفت

ويأمل صانعو السياسة الصينيون أن تساعد الشراكة مع روسيا في توسيع البنية التحتية المالية القائمة على اليوان، بما في ذلك النظام الصيني المنافس لسويفت ونظام الدفع بالبطاقات المصرفية المنافسة، وبالتالي تعزيز مكانة اليوان كعملة احتياطية وتعزيز الاستقلال المالي للصين.

ويسعى بوتين إلى توسيع مثل هذه البنية التحتية المالية البديلة من خلال تعاملات روسيا مع الدول الأخرى.

وفي عام 2019، ربطت إيران وروسيا أنظمة الرسائل المالية الخاصة بهما، وبذلك تجاوزتا نظام سويفت من خلال السماح للبنوك في كلا البلدين بإرسال رسائل المعاملات عبر الحدود.

كما ناقشت روسيا وتركيا استخدام الروبل والليرة التركية في التجارة عبر الحدود. وقدمت روسيا نسختها من سويفت للبنوك في الاتحاد الاقتصادي الأوراسي (شراكة بين 5 دول ما بعد الاتحاد السوفييتي) وأعربت عن اهتمامها بتوسيعها إلى دول في العالم العربي وأوروبا.

وحاولت روسيا حشد المزيد من الدعم لإزالة ما يعرف بـ"الدَّولرة" (الاعتماد على الدولار بدلاً من العملات الوطنية) في المنتديات متعددة الأطراف مثل مجموعة "بريكس"، التي تتكون من البرازيل والصين والهند وروسيا وجنوب إفريقيا، ومنظمة شنجهاي للتعاون.

 وفي عام 2020، شدَّد أعضاء منظمة شنغهاي للتعاون على أهمية استخدام العملات الوطنية في التجارة بين بعضهم البعض وناقشوا إنشاء بنك تنمية وصندوق تنمية.

ويمكن، بحسب المجلة الأميركية، لروسيا والصين استخدام هذه المنتديات لإنشاء تحالف واسع لتنحية الدولار مع وعد بمزيد من الاستقلال المالي للجميع وتقليل الاعتماد على الدولار.

السياق الأوسع

وتقول المجلة أخيراً إنه يجب على إدارة بايدن النظر في هذا السياق الأوسع لأنه يحدد أفضل السبل للضغط على روسيا للانسحاب من أوكرانيا.

وقد تساعد العقوبات الصارمة الإضافية ضد روسيا أوكرانيا على المدى القصير، لكنها تخاطر بتسريع حركة إزالة "الدولرة" الأوسع نطاقاً والتي يمكن أن تضعف على المدى الطويل القيادة الأميركية العالمية على نحو جذري.

وأضافت المجلة أنه يجب على الحكومة الأميركية أن تكون على دراية بالعواقب غير المقصودة لسياسة العقوبات الخاصة بها، وأن تجد طرقاً لتقويض شراكة روسيا والصين في إزالة الدولرة.

وخلصت "فورين أفيرز" إلى أنه إذا فشلت واشنطن في التصرف في هذا الصدد، فإنها بذلك تكون قد اختارت التخلص من عباءة قيادتها العالمية.

اقرأ أيضاً:

Google News تابعوا أخبار الشرق عبر Google News

نستخدم في موقعنا ملف تعريف الارتباط (كوكيز)، لعدة أسباب، منها تقديم ما يهمك من مواضيع، وكذلك تأمين سلامة الموقع والأمان فيه، منحكم تجربة قريبة على ما اعدتم عليه في مواقع التواصل الاجتماعي، وكذلك تحليل طريقة استخدام موقعنا من قبل المستخدمين والقراء.