Open toolbar

مشهد من فيلم "أصحاب ولا أعز" - المكتب الإعلامي لـ"نتفليكس"

شارك القصة
Resize text
القاهرة-

أصبحت منصة "نتفليكس" الأميركية، موضعاً للجدل خلال الأيام الماضية في منطقة الشرق الأوسط، إذ وُجهت لها انتقادات من قبل دول مجلس التعاون الخليجي ومصر، بسبب نوعية المُحتوى المُقدم لجمهورها في المنطقة.

وطالبت كلّ من الهيئة العامة للإعلام المرئي والمسموع في السعودية، ومكتب تنظيم الإعلام في الإمارات، وكذلك لجنة الإعلام الإلكتروني في مجلس التعاون الخليجي، في بيانٍ مشترك، منصة "نتفليكس"، بإزالة محتوى وُصف بأنه "مخالف للقيم والمبادئ الإسلامية والمجتمعية".

ولوّح البيان باتخاذ "الإجراءات القانونية" ضد الشبكة، في حال لم تلتزم المنصة بالتوجيهات، فيما لم يذكر  البيان المشترك، أو البيانات الفردية الأعمال التي خوطبت الشبكة بشأنها.

وفي الوقت ذاته، خرج المجلس الأعلى لتنظيم شؤون الإعلام في مصر، ببيان كشف فيه نيته لإصدار قواعد تنظيمية وتراخيص لمنصات المحتوى الإلكتروني مثل "نتفليكس" و"ديزني".

ووفقاً لخبراء تحدثوا لـ"الشرق"، فسيكون هناك فصل أول من المفاوضات مع المنصة، لـ"تهذيب" أعمالها وتنقيح مكتبتها بما يتناسب مع الثقافة العربية، أسوة بتجارب أخرى، فيما تتداخل عوامل عدّة أبرزها تراجع اشتراكات المنصة حالياً، في مدى قابليتها للاستجابة للضغوط من الجانب العربي.

حرائق صغيرة

وواجهت إصدارات أصلية لـ"نتفليكس" بعض التحفظات مؤخراً، بما فيها نوعية الأعمال الموجهة للأطفال، ورغم أن الأعمال محل التحفظ لم تذكر، إلا أن تكهنات تشير إلى الموسم الخامس من مسلسل الرسوم المتحركة "Jurassic World Camp Cretaceous" والذي يحوي علاقة "مثلية" بين فتاتين من أبطال المسلسل.

وغير أن يوميات "نتفليكس" بالمنطقة العربية لم تخلُ من حرائق صغيرة، بدءاً من مسلسل "جن"، إنتاج نتفليكس الأصلي الأول بالمنطقة والذي تلقى هجوماً على محتواه بالأردن، بدعوى أنه "غير أخلاقي"، ليأتي بعده "مدرسة الروابي للبنات" الذي كان من المفترض أن يمحو أثر "جن"، فواجه الاتهام ذاته.

وأثار مطلع العام الجاري، فيلم "أصحاب ولا أعز"، النسخة المعرّبة من الفيلم الإيطالي "Perfect Strangers"، كأول فيلم عربي من إنتاج "نتفليكس"، ضجة واسعة في بلدان عربية، لتواجه شخصياته، وبينهم صاحب ميول مثلية، انتقادات وتحفظات، وتعرض أبطال العمل لموجة غضب شديد من الجمهور.

التجربة الهندية

تجربة نتفليكس، في دولة الهند، تُشير إلى حرص المنصة على قاعدة المشتركين وإقناع المزيد بالاشتراك، عن امتثالها للقيود الثقافية.

وفي ظل محاولات دخول السوق الهندية واستقطاب 100 مليون مشترك، أثبتت أنها سوقاً صعبة الاختراق، لا سيما في مجال منصات البث، رغم مما يبدو عليه الأمر من يُسر.

وأصدرت الحكومة الهندية العام الماضي، حزمة قواعد يخضع عبرها مزودي محتوى الفيديو لمعايير صارمة، أبرزها ضرورة تعيين الشركات العالمية ممثلاً محلياً للتعامل مع الشكاوى من الحكومة، فضلاً عن إشراف لجنة حكومية، وإمكان توجيه اللوم أو المطالبة بالاعتذار أو إصدار أمر بحذف محتوى بعينه، وفقاً لـ"واشنطن بوست".

وطالت التحفظات الهندية مبكراً أعمال "نتفليكس" الأصلية في البلاد، وبينها مسلسل "Sacred Games" الذي صدر موسمه الأول عام 2018، وقوبل بموجة نقدية واستياء من قبل طائفة من السياسيين، بحسب مجلة "تايمز".

وفي العام ذاته، طالب جهاز معني بحقوق الطفل في الهند، بإيقاف عرض مسلسل "Bombay Begums"، لتقديمه نماذج لأطفال يتناولون المخدرات، وفقًا لوكالة "رويترز".

ورغم أن المنصة الأميركية، جددت وثيقة مبادئها أخيراً، بحسب ما انفردت به مجلة "فارايتي" والتي أكدت خلالها أن "إدارة المنصة لن تقبل فرض أي رقابة على المحتوى"، لكنها استثنت من ذلك ما تلتزم به من قوانين الرقابة الحكومية.

وبحسب تقرير البيئة والمجتمع والحوكمة الخاص بـ"نتفليكس" لعام 2021، فإن المنصة امتثلت لـ7 طلبات إزالة لأعمال من الفلبين، وروسيا، وتركيا، وسنغافورة وفيتنام، سردتهم بالتفصيل في التقرير.


وعلى الطرف الآخر، بين محاولات اختراق السوق وخطب ود المستخدمين المحليين، يبدو أن "نتفليكس" قد اختارت أن تهجر أسواق بعينها نظراً لما تتعرض له من تضييق شديد أو ظروف قسرية، أبرزها الصين، وكوريا الشمالية، وشبه جزيرة القرم، وسوريا وروسيا، وفقاً للموقع الرسمي للمنصة.

تراجع الاشتراكات

وأحد العوامل التي قد تؤثر في شكل استجابة "نتفليكس" للتحركات الأخيرة، تراجع الاشتراكات الذي وثقه تقرير المنصة لحاملي الأسهم في الربع الأول من العام الجاري، بحوالي 200 ألف حساب، فيما كشف تقرير اشتراكات الربع الثاني، عن فقدان المزيد من المشتركين يقدر عددهم بـ970 ألفاً، وتعد هذه هي المرة الأولى التي تشهد فيها شبكة البث الأشهر منذ 10 أعوام تراجعاً في عدد المشتركين.

وأشار التقرير ذاته، إلى أن عدد مشتركي "نتفليكس" في أسواق أوروبا والشرق الأوسط وإفريقيا بلغ 73 مليون مشترك، إذ تتعامل المنصة مع ذلك السوق ككتلة واحدة، ليأتي في المرتبة الثانية بعد سوق الولايات المتحدة وكندا، بفارق ضئيل، فيما يبلع إجمالي المشتركين حول العالم 221 مليوناً.

هناك أسباب عدة، تدفع المستخدمين لإلغاء الاشتراكات، بينما يقود المستخدمون الغاضبون حملات إلكترونية تدعو لإلغاء حسابات "نتفليكس"، لتحفظهم على المحتوى.

وأحد تلك الحملات كانت تحفظاً على محتوى فيلم "Cuties" الفرنسي، عام 2020، إذ أطلق البعض وسم "#CancelNetflix"، وصاحبتها عريضة احتجاج موقعة من آلاف المستخدمين على منصة "Change.org"، تحفظاً على إضفاء "طابع جنسي" على محتوى متصل بالأطفال من خلال الفيلم.

والوسم ذاته ظهر قبلها، من خلال حملة افتراضية قادها الجمهوريون بالولايات المتحدة، تزامناً مع تعاقد المنصة مع ميشيل وباراك أوباما لإنتاج محتوى ترفيهي عبرها، فضلاً عن حملات أقل حدة، تزعمها متابعون مخلصون لأعمال قررت المنصة ألا تنتج منها مواسم إضافية، مثل مسلسل "Anne with an E".

التصنيف العمري

ويعتبر الناقد الفني طارق الشناوي، أن مطالبة أي دولة لأي جهة كانت، بالامتثال لمعاييرها حق أصيل ولا غبار عليه، موضحاً أن "أي فيلم يستورد من الخارج للعرض محلياً، لا بد وأن يمر عبر الرقابة أولاً، الأمر ذاته يجب أن يطبق على منصات البث والامتثال لمعايير البلد التي تتيح خدماتها فيها".

وأضاف الشناوي لـ"الشرق"، أن "تراجع الاشتراكات الذي تشهده نتفليكس، وضعف الإقبال على خدماتها عالمياً، من شأنه أن يسهم في زيادة قابليتها للتجاوب بقدر من المرونة على دعوات أجهزة تنظيم الإعلام العربية لحذف بعض المحتويات غير الملائمة من مكتباتها".

وشدد على أن "ضرورة تفعيل الرقابة الذاتية، وأدوات التصنيف العمري، كحلول أكثر فاعلية في الأزمة الجارية مع المنصة"، متابعاً: "لا بد أن نربي أجيال لديها قوة في التلقي والرفض والاختيار.. المنع بأي صورة ليس الحل الجذري، بينما يتمثل في التنشئة وجدانياً وثقافياً للانحياز للاختيار الجيد".

قفزة في الفراغ

بدورها، استبعدت الناقدة الفنية خيرية البشلاوي، استجابة "نتفليكس" لمخاطبات بعض أجهزة تنظيم الإعلام العربية على نحو مرضي، مؤكدة أنه إذا ما حدثت استجابة، فستكون على حد تعبيرها "ترضية مُسيّسة الطابع".

واعتبرت البشلاوي في تصريحات لـ"الشرق" تلك التحركات "قفزة في الفراغ" على حد تعبيرها، ستنتهي بتخفيف وتنقيح بعض الأعمال، فيما لن يدوم أثرها طويلاً.

فمحتوى "نتفليكس"، وفقاً للبشلاوي، لا يعارض وحده ثوابت وثقافة المتلقي، فهناك منصات عدة تقدم الخدمة ذاتها التي تقدمها "نتفليكس" ولا تحتكم للمعايير الثقافية، ومن ثم يعد تمكين المتلقي من التقييم والاختيار أولوية سابقة على الوصاية على المحتوى من المنبع. 

ولفتت البشلاوي إلى أن تقييد أي محتوى يبث عبر الإنترنت لم يعد مجدياً، نظراً لتعدد وسائل التحايل على التضييق. 

سيناريو الحجب

أما الناقد الفني رامي عبد الرازق، فيميل إلى استبعاد احتمالية استجابة "نتفليكس"، للمخاطبات من هذا النوع، مفرقاً بين حال منصات المشاهدة، ومكاتب الفضائيات وفروع شركات البث التلفزيوني التي تخضع لمراقبة الدول وأجهزة تنظيم الإعلام لديها.

وأكد عبد الرازق لـ"الشرق" أن "سيناريو الاستجابة للضغوط مشروط بأن تكون تلك الضغوط ذات طابع اقتصادي، بخلاف ذلك يُستبعد أن يُثمر الحجب، أو التلويح به، الخضوع للملاحظات الثقافية لدول المنطقة".

وأردف: "الحجب هو أكثر الخيارات تطرفاً وأصعبها في الوقت نفسه، الحجب ليس سهلاً، ودائماً توجد وسائل لتجاوزه"، فيما توقع أن يُجابه الحجب ذاك بسلوكيات تحايل عدة من جانب المستخدمين لمواصلة الحصول على الخدمة مثل الاستمرار في الاشتراك.

واعتبر عبد الرازق أن "المُطالبة الأساسية التي يجدر إلزام نتفليكس بها، هي التنويه الواضح قبل العرض بشأن أنماط المحتوى الجدلي المختلفة التي يحتوي عليها العمل، ليأتي دور المستخدم الواعي في الاختيار".

ولفت إلى أن "نتفليكس"، قد تضطر للاستجابة في النهاية، خوفاً من تأثر قاعدة المشتركين وتراجع الاشتراكات، على خلفية حجب الخدمة أو التشويش عليها، متابعاً: "إذا حجمت وسيطرت المنصة على التنوع في مكتبتها استجابة للضغط، قد تواجه أيضاً تراجعاً في أعداد الاشتراكات، نظراً لاستياء المستخدمين من فقر المكتبة".

وحذّر عبد الرازق من أن "دولاً أخرى خارج المنطقة العربية ستتلقف بصدر رحب أزمة دول الخليج ومصر مع المنصة، في محاولة لاستقطاب منصات البث لمراكز أخرى بالشرق الأوسط، عن طريق تقديم جميع التسهيلات بالعرض والإنتاج".

واختتم: "الطرف الخاسر في حالة الحجب هو الجمهور العربي الذي سيصل لمحتوى مقرصن غالباً، فالقاعدة الراسخة أن الممنوع مرغوب، أو سيواصل الحصول على مواد مغلفة ثقافياً تعمق من غربته عن الآخر".

أجندة نتفليكس

أما خبير الإعلام الرقمي، خالد البرماوي، أشاد لـ"الشرق"، بُحسن اختيار رد فعل الدول الخليجية والعربية تجاه المنصة، متوقعاً أن "تشهد الفترة المقبلة حالة من الشد والجذب بين الهيئات المنظِمة بالدول العربية ونتفليكس في صيغة مفاوضات".

واعتبر أن "تراجع نسبة الاشتراكات، لا يؤهلها للتعنُت أو عدم التفاوض"، رافضاً ما وصفه البعض بأن الموقف الخليجي والعربي بـ"أوراق ضغط"، موضحاً أن "الأمر لن يتعدَ كونه تقنيناً لا بد منه".

ورأى أن "سيناريوهات الحذف امتثالاً للمعايير المحلية، ليس ببعيد عن تجربة نتفليكس، فكما امتثلت وخضعت للقواعد في دول أخرى، يمكنها الامتثال لثقافة المنطقة العربية".

ومثّل خبير الإعلام الرقمي، بالبنود التي تحتاج إلى وقفة عاجلة مع الشركات العابرة للقارات، بالاشتراكات وتفاوت قيمتها من دولة لأخرى، وتحصيل الضرائب، فضلاً عن تنظيم المحتوى ووضع أطر له.

وفرّق البرماوي بين فرض الرقابة على المحتوى، وبث محتوى لا يناسب قيم الطفولة، في حالة نتفليكس، مشيراً إلى أن "بعض الأعمال قد ترغب أو تنفر من توجهات بعينها، في وقت مبكر جداً أن تطرح فيه مثل تلك القضايا على الأطفال".

وقال إن "هناك نماذج لأنماط المحتوى التي تحتاج للتقنين بشكل عام، مثل التحريض على العنف، والمغالطات الدينية، وخطابات الكراهية التي تتجاوز مساحة حرية التعبير".

وأكد أن "استجابة نتفليكس في تلك الأزمة، بقدر من المرونة والتفهم لطبيعة الجمهور، سينفي مزاعم امتلاكها (أجندة بعينها)، وتكريس محتواها للتوجيه بفرض هويات محددة".

اقرأ أيضاً:

Google News تابعوا أخبار الشرق عبر Google News

نستخدم في موقعنا ملف تعريف الارتباط (كوكيز)، لعدة أسباب، منها تقديم ما يهمك من مواضيع، وكذلك تأمين سلامة الموقع والأمان فيه، منحكم تجربة قريبة على ما اعدتم عليه في مواقع التواصل الاجتماعي، وكذلك تحليل طريقة استخدام موقعنا من قبل المستخدمين والقراء.