
لم يركّز أي زعيم صيني في الآونة الأخيرة أكثر من شي جين بينج، على التاريخ ومكانته فيه، وبات الاهتمام بالماضي محورياً في أجندته السياسية، فيما يقترب من منعطف حاسم في حكمه، كما أوردت صحيفة "نيويورك تايمز".
وأشارت إلى أن اجتماعاً تعقده اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الحاكم، في بكين بدءاً من الاثنين، سيُصدر "قراراً" يعيد رسمياً تقييم تاريخ الحزب، الممتد لمئة سنة، والذي يُرجّح أن يعزّز مكانته بوصفه زعيماً صنع حقبة، في مصاف ماو تسي تونج ودينج شياو بينج.
تُرحّب صورة لشي جين بينج بزوار معارض المتاحف، التي تحتفل بعقود من النموّ في البلاد، كما أن كتاّب السيرة الذاتية للحزب الشيوعي أرّخوا بروزه سياسياً، على رغم أنه لم يلمّح إلى تقاعده. كذلك يخصّص أحدث تاريخ رسمي للحزب، أكثر من ربع صفحاته، البالغ عددها 531، للسنوات التسع التي قضاها في السلطة، بحسب الصحيفة.
ولفتت إلى أن قرار اللجنة المركزية، المرتبط ظاهرياً بمسائل تاريخية، سيشكّل السياسة والمجتمع في الصين طيلة عقود، إذ أن الوثيقة المتمحورة حول ماضي الحزب، وهي الثالثة، ستصبح محور حملة مكثفة لتلقين عقائدي.
هذه الوثيقة ستحدّد الطريقة التي تُدرّس بها السلطات التاريخ الحديث للصين، في الكتب المدرسية والأفلام والبرامج التلفزيونية. كما ستشجّع الرقابة والشرطة على تطبيق قوانين مشددة ضد كل مَن يسخر، أو حتى يشكّك، بالقضية الشيوعية و"شهدائها".
وقال جيريمي بارمي، وهو مؤرّخ لأحداث الصين مقيم في نيوزيلندا: "يتعلّق هذا الأمر بإيجاد إطار زمني جديد للصين يتمحور حول الحزب الشيوعي وشي، يركب فيه موجة الماضي نحو المستقبل. إنه ليس قراراً بشأن التاريخ الماضي، بل حول القيادة المستقبلية".
"مروّض تيار التاريخ"
وذكرت "نيويورك تايمز" أن القرار، الذي سيمجّد شي جين بينج، سيعزّز سلطته قبل مؤتمر يعقده الحزب العام المقبل، ويُرجّح أن يمنحه ولاية ثالثة من 5 سنوات زعيماً للبلاد. واعتبرت أن الإشادة المنسّقة بشأن وثيقة التاريخ، والتي يمكن نشرها بعد أيام على انتهاء اجتماع اللجنة المركزية الخميس، ستساهم في ردع أي تشكيك بسجلّ شي.
ويُعتبر شي جين بينج (68 سنة) أقوى زعيم صيني منذ عقود، ونال دعماً شعبياً واسعاً، نتيجة محاربته الفساد، وتقليصه الفقر، وإبرازه القوة الصينية في العالم. ومع ذلك، فإن أعضاء في الحزب يسعون إلى الحدّ من هيمنة شي قبل المؤتمر، قد يستهدفون سوء التعامل المبكّر مع فيروس كورونا المستجد، أو التوتر مع الولايات المتحدة، بحسب الصحيفة.
وخلال الإعداد لاجتماع اللجنة المركزية، أشادت مقالات نشرتها صحيفة "الشعب"، أبرز الجرائد الناطقة باسم الحزب، بشي جين بينج باعتباره الزعيم "الأساسي" الذي هزم الجائحة وأزمات أخرى. وامتدحت تعليقاتٌ شي بوصفه زعيماً صلباً تحتاجه الصين في هذه الأوقات العصيبة، عندما يكون بروزها مهدداً بأخطار اقتصادية محلية، أو عداء من الولايات المتحدة وقوى أخرى غربية. ووَرَدَ في مقال نشرته وكالة أنباء الصين الجديدة الرسمية (شينخوا)، بشأن القرار المرتقب للحزب: "شي جين بينج هو بلا شك الشخصية الأساسية التي تروّض تيار التاريخ".
ورجّحت "نيويورك تايمز" أن يقدّم القرار وصفاً شاملاً للصين الحديثة، يساهم في تبرير سياسات شي، من خلال إسباغ طابع مصيري تاريخي عليها. وأضافت أن ماو قاد البلاد لمواجهة الاضطهاد، فيما جلب دينج الرخاء، كما يدفع شي الأمّة الآن إلى حقبة جديدة من القوة الوطنية، كما يقول وصف مرحلي لبروز الصين الحديثة، يرِد في وثائق الحزب ويُرجّح أن ينصّ عليه القرار.
منع "انحراف الثورة"
في السنوات المقبلة، تتمحور أولويات شي جين بينج حول كبح التفاوت في الثروة، من خلال برنامج "الرخاء المشترك"، وتقليص اعتماد الصين على التكنولوجيا المستوردة، ومواصلة تحديث جيشها للاستعداد لنزاع محتمل.
يعتبر كيفن رود، وهو رئيس وزراء سابق لأستراليا، يرأس الآن "جمعية آسيا" ويتحدث الصينية وعقد اجتماعات مطوّلة مع شي، أن مفهوم الأخير للتاريخ يقدّم "إطاراً أيديولوجياً يبرّر مستويات أكبر من تدخل الحزب، في السياستين الداخلية والخارجية، والاقتصاد".
ويبدو أن الدفاع عن الإرث الثوري للحزب الشيوعي الصيني، يشكّل أيضاً مسعىً شخصياً بالنسبة إلى شي، الذي أعرب مرات عن مخاوفه من أن المسؤولين والمواطنين معرّضون لخطر متزايد بفقدان ثقتهم بالحزب، مع نأي الصين بشكل متزايد عن جذورها الثورية. وقال نقلاً عن عالم كونفوشيوسي من القرن التاسع عشر: "تدمير بلد يتطلّب أولاً استئصال تاريخه".
وأشارت "نيويورك تايمز" إلى أن والد شي جين بينج، شي تشونج شون، كان قيادياً خلال عهدَي ماو ودينج، وعانت أسرته سنوات من الاضطهاد، بعدما انقلب عليه ماو. وبدلاً من أن يشعر شي جين بينج بخيبة من الثورة، بقي مخلصاً للحزب، معتبراً أن الدفاع عن إرثه "الأحمر" ضروري لبقائه. وقال رود، في إشارة إلى الرئيس الصيني: "لديه فكرة عميقة مفادها أنه بصفته نجل (قيادي) ثوري، شي تشونج شون، لا يمكنه السماح بانحراف الثورة".
"السرديات المتنافسة للتاريخ"
يستشهد شي غالباً بالاتحاد السوفياتي، باعتباره تحذيراً للصين، مبرّراً انهياره جزئياً بأن قادته عجزوا عن القضاء على "العدمية التاريخية"، في إشارة إلى مراجعات نقدية لعمليات تطهير واضطهاد سياسي وأخطاء، أدت إلى تآكل الثقة بالقضية الشيوعية.
وسيعكس القرار الجديد فخراً دفاعياً بالحزب، إذ سيتمحور حول "الإنجازات والتجارب التاريخية الكبرى للحزب"، فيما أن عناوين القرارين السابقين ارتبطت بـ"مشكلات" أو "ملفات".
وسيقدّم القرار تاريخ الحزب، بوصفه قصة تضحية ونجاح بطوليَّين، ويقرّ بأوقات عصيبة، مثل المجاعة وعمليات التطهير، في الخلفية ومن دون تفصيل. وقال جوزيف توريجيان، وهو أستاذ مساعد في الجامعة الأميركية، أجرى دراسات بشأن شي ووالده، إن الرئيس الصيني "يرى التاريخ بوصفه أداة لاستخدامها ضد أبرز التهديدات لحكم الحزب الشيوعي الصيني"، مضيفاً: "إنه أيضاً شخص يرى خطورة في السرديات المتنافسة للتاريخ".
في عام 2019، تلقّت المتاحف والنصب التذكارية "الحمراء" الثورية 1.4 مليار زيارة، ويحرص شي على ارتيادها خلال رحلاته. كما أن قرية عمِل فيها شي لسبع سنوات، باتت موقعاً لحجّ سياسي منظم. وقال الرئيس الصيني في عام 2016: "تعليم التقاليد الثورية يجب أن يبدأ بالرضّع. ضخّوا الجينات الحمراء في مجرى الدم واغمروا قلوبنا فيها".
"نهاية لتاريخ الصين"
أشرف ماو على قرار، صدر في عام 1945 وكرّس سلطته على الحزب. كذلك أشرف دينج على قرار، صدر في عام 1981، أقرّ بالتدمير الذي لحق خلال العقود اللاحقة لماو، مدافعاً في الوقت ذاته عن مكانته بوصفه مؤسّساً لجمهورية الصين الشعبية. وكلا القرارين كبح صراعاً سياسياً وحالة عدم يقين في البلاد.
وقال دانيال ليس، وهو مؤرخ في جامعة فرايبورغ الألمانية، يدرس الصين الحديثة: "كانوا ينشئون إطاراً مشتركاً، ورؤية مشتركة، للماضي والمستقبل بين النخبة الحزبية. إن لم توحّد تفكير الأشخاص في دوائر السلطة حول الماضي، فمن الصعب جداً أن تكون متوافقاً بشأن المستقبل".
طيلة هذا العام، كان مسؤولون صينيون يخضعون لبرنامج تلقين عقائدي لآراء شي بشأن التاريخ. وذكرت "نيويورك تايمز" أن هذا التاريخ يحتفي مطوّلاً بنجاحات شي في كبح الفساد والفقر، وتعزيز القدرات التكنولوجية للصين، معتبراً أن تعامله مع كورونا، الذي ظهر في الصين أواخر عام 2019، عكس "نظرة ثاقبة وقراراً حازماً".
رجّحت سوزان فيغلن شفيدرزيك، وهي أستاذة متقاعدة في جامعة فيينا، تدرس استخدام الحزب الشيوعي للتاريخ، أن يثني القرار الجديد على ماو ودينج، معتبراً أن لدى شي وحده إجابات عن الحقبة الجديدة للصين، باعتبارها قوة صاعدة. وتابعت في إشارة إلى وصف الحزب لشي: "إنه مثل الإسفنج الذي يمكنه أن يمتصّ كل الأشياء الإيجابية من الماضي، ما يعتقد بأنه إيجابي بشأن ماو ودينج، ويدمجها معاً". وبهذا المعنى، يشكّل شي جين بينج "نهاية لتاريخ الصين، وبلغ مستوى لا يمكن تجاوزه".
اقرأ أيضاً:




