Open toolbar

فريق المسلسل السوري "مع وقف التنفيذ" خلال حفل سحور في العاصمة السورية دمشق، 15 أبريل 2022 - Twitter/@Nadin_khoury

شارك القصة
Resize text
دمشق-

لو كانت الدراما السورية أنثى من لحم ودم، فهي اليوم سيّدة في الستّينيات من عمرها، تحملُ خبرة السنين وتعب ما واجهته في حياتها، وتحفظُ إرثها، لكنّ أبناءها ليسوا سواسية، فمنهم من شرّق ومنهم من غرّب، ومنهم من لفظتهُ البلاد ومنهم من صبغته الحرب بألوانها.

وبعد نحو اثنتي عشر سنة على الغياب المؤقت جراء الحرب، تعود اللهجة المعروفة في العالم العربي، للدخول إلى المنازل والمقاهي والبيوت من خلال أكثر من 20 مسلسلاً، طرق فيها الفنانون السوريون أبواب القصص الاجتماعية والتاريخية والكوميدية، وبكل تأكيد قصص ما مرّ على بلادهم خلال سنوات اختلفوا على تسميتها، وسحبوا اختلافاتهم ونقاشاتهم على مضمونها، فأثار ما طرحه المنتجون والكتّاب والمخرجون، الجدل والخلافات، وسارت "التريندات" المرافقة جنباً إلى جنب الأحداث التي كانت تدور في الأعمال الدرامية.

أحداثُ الحرب تفتحُ شهيّة المتابعة

في الموسم الرمضاني الحالي، طفا مسلسلان سوريان يتناولان النزاع الدائر في البلاد على سطح النقاشات، وتقاذفت وسائل التواصل الاجتماعي عشرات المقاطع من مسلسل "كسر عظم" تأليف علي معين الصالح، وإخراج رشا شربتجي، والذي يتناول قصص فساد جرت خلال الحرب من خلال شخصيات تملكُ نفوذاً في السلطة السورية، ويُحاكي أحداثاً دارت في مختلف سنوات الأزمة، سمعها الناس وتناقلها على طاولات طعامهم وفي المقاهي سرّاً وعلناً، ويتناولونها اليوم كوجبة مكثّفة إلى جانب وجباتهم الرمضانية الشحيحة التي تُحاكي واقعهم الاقتصادي.

وعلى جانب آخر من الطاولة الرمضانية، عَرَضَ مسلسل "مع وقف التنفيذ"، تأليف علي وجيه ويامن الحجلي، وإخراج سيف سبيعي، جانباً آخر من جوانب الحرب وتبعاتها، وهو يستعرض قصص عوائل عادت من رحلة نزوحها، لتواجه الحرب مرة أخرى بواقعها المرير، وثقلها الذي رمته دفعة واحدة على ظهور من بقي في البلاد، ولطالما فتحت الحرب شهية المتابعة، لا سيما مع نُدرة القصص التي تصور وتخرجُ من داخل سوريا.

وأثار العملان الكثير من الجدل، رغم أنهما ليسا أول من يتناول الحرب وتشعباتها، لكنهما من أوائل من يدخل إلى التفاصيل وينزلُ إلى الشارع في جرأة لم يعتدها المتابعون السوريون والعرب على حدّ سواء.

ولا سيّما أنهما يُعرضان على محطات عربية معروفة، إذ يُعرض ملسل "كسر عظم" على قناة أبو ظبي الإماراتية، فيما يُعرض مسلسل "مع وقف التنفيذ" على قناة "إم بي سي" السعودية، كأول عمل اجتماعي يتناول الحرب ويُعرض على منصّة سعودية منذ قطع الرياض علاقاتها الدبلوماسية مع دمشق، قبل نحو 11 عاماً.

ويقول مُخرج عمل "مع وقف التنفيذ" سيف سبيعي "إننا نسعى دائماً لتطوير الدراما الاجتماعية وإعادتها لمكانتها الواقعية، وتصدّر محطات العرض العربية".

ويُضيف سبيعي، وهو ابن الممثل السوري المخضرم رفيق سبيعي: "ما يُميّز الأعمال الاجتماعية السورية أنها تقدم نموذجاً تصالحياً ينبذ العنف والتطرف، ويعرض نماذج مختلفة من الناس التي تعيش حياتها الاعتيادية في سوريا".

هرولة للأعمال المعاصرة

ربّما لم تشهد سوريا حدثاً مفصلياً أكبر مما شهدته على مدى أكثر من عقد من الزمن، التزمت خلاله الدراما السورية بالركون إلى ظروف الانقسامات السياسية، والصعوبات الاقتصادية.

وفرضت هجرة عدد كبير من الفنانين والفنيين إيقاعاً متهاوياً للدراما، واتكأت على تاريخها حتى صمدت كل هذا الوقت.

لكن الموسم الحالي، مع استعاد سوريا الكثير من الاستقرار عما كانت عليه في السابق، حمل معه هرولة سريعة للأعمال المُعاصرة، تاركة خلفها المسلسلات التاريخية التي خفّت جلبتها، والمسلسلات المشتركة التي تراجع وميضها.

ويعزو الكاتب يامن الحجلي نجاح المسلسلات الاجتماعية المعاصرة إلى أنها "تحكي عن هموم الناس في المنطقة، همومهم الحقيقية، ويرى المتابعون شخصيات من لحم ودم تروي حكاياتها وتعكس أوجاعها".

ورغم استمرار جماهيرية الفانتازيا التاريخية المتمثلة بمسلسلي "باب الحارة" و"حارة القبة"، إلا أن أحداً لا يُمكن أن ينكر الملل، الذي باتت تحمله هذه السيناريوهات المتكررة في المنازل السورية التقليدية.

ويُضيف الحجلي "العمل الجيد يفرضُ نفسه على المحطات وعلى الجمهور، ويعود بالنفع على الجميع".

مهمّة الدراما

في جانب من دمشق لم تصله نيران الحرب، بقيت عدسات المُخرجين تدور لتلحق بعجلة مسلسلاتهم التي دخلت الموسم الرمضاني، وبدأت تُعرض بالفعل على الشاشات، لكن العمل عليها لم ينتهِ بعد، إذ تقف صعوبات لوجستيّة معقّدة عثرة في وجه إنهاء التصوير وتؤخّر التنفيذ والتسليم.

ويقول عنها مُخرج عمل "على قيد الحب" باسم سلكا، إن "أغلب المشاكل، التي نعاني منها، هي نفسها التي يُعاني منها كلّ الناس، مثل نقص الكهرباء والمحروقات التي تشغّل المولدات".

ولا يقتصرُ النقص على مصادر الطاقة فحسب، بل هناك شحّ صريح في الأيدي العاملة الخبيرة، وفي العثور على بيئة عمل سليمة وآمنة وخالية من الدمار والألغام ومخلّفات الحرب، مع عدم تجاهل الصعوبات التسويقية الكبيرة للوصول إلى الأسواق العربية المنافسة.

رغم ذلك، أفصحت المُخرجة رشا شربتجي عن تفاؤلها رغم الصعوبات بالبدايات الجديدة، وقالت في حفل جمعت فيه أبطال مسلسها "كسر عظم" إن "هذه السنة هي سنة عودة الدراما السورية لتنافس من جديد".

إرضاء الناس 

ورغم أن الدراما أكاديمياً هي تكثيفٌ للواقع في إحدى تعريفاتها، لكن الواقع السوري بات أكثف من أي دراما أو سينما أو مسرح أو فن يُمكن أن يقدّم أو يُكتب.

وينقسم الجمهور عادة فيما يريد أن يتابعه، وهذا أمرٌ طبيعي، فالبعض يهرب نحو الكوميديا، ويُلاحق لوحات مسلسلات أخف وطأة، مثل "بقعة ضوء" المتواصل بجزئه الخامس عشر، أو مسلسلات جديدة لا تحمل ثقل القصة السورية مثل مسلسلي "الفرسان الثلاثة" و"حوازيق"، اللذين يجمعان نجوماً سوريين، ومنهم كوميديون مخضرمون مثل أيمن زيدان وشكران مرتجى وسامية جزائري.

ويرى أحمد الشيخ، وهو أحد المنتجين في الدراما السورية، أن أهم ما يميّز الحدوتة السورية هو "الجرأة والواقعية"، معبّراً عن تفاؤله بفتح صفحة جديدة ومؤكداً الاستمرارية والعودة لأول الطريق مُجدداً.

بالمقابل، يرى نقّاد ومتابعون أن الدراما السورية، حتى اللحظة، لم ترقَ لجلل الحدث السوري وآلامه، وأن الفنّ عموماً لا يزال قاصراً بكل ما لديه من إمكانيات وتقنيات، على أن يواكب وجع طفل مشرّد، فقد ذويه ومنزله ومستقبله وآماله، وجلس في منزل جدّته أو عمّه، يُنصتُ لما تتمتمه شفاه أقاربه في ساعات تقنين الكهرباء الطويلة.

كما ينتقدُ آخرون عجز الدراما عن أن تجمع السوريين بقصة واحدة، تتناولهم على اختلافاتهم المشتّتة، وجغرافياتهم المبعثرة.

 و لا يقتصر انتقاد الدراما السورية على المعارضين لنظام دمشق ممن بتهمونها بالتغاضي عن فظائع ارتكبتها الحكومة خلال الحرب السورية و إنجاز أعمالهم تحت عين الرقيب الحريصة، بل امتد ليأتي من قلب دوائر الحكم عندما نقلت صحيفة "الوطن" السورية عن هلال هلال، الأمين العام المساعد لحزب البعث الحاكم – و هو المسؤول الحزبي الأرفع في البلاد -  أنه أبدى اعتراضه على "ما يقدمه الإعلام من مسلسلات تؤدي إلى تحطيم المجتمع السوري، حيث تصّور هذه المسلسلات بلدنا على أنها غابة تعج فيها الفوضى والفساد"، واتهم المسؤول الحزبي الإعلام المحلي بارتكاب "خطأ فاحش" من خلال عرض هذه الأعمال، التي وصفها بـ"المسيئة".

فيما يعبّر الكاتب والباحث الدرامي بديع صنيج عن الدراما بإنها "جسر عبور للسياسة" تسبقها، وتمهّد لها الطريق، لكن الطريق يبدو أنه لا يزال طويلاً، وأن الدراما السورية لا تزالُ تعبرُ الجسر.

Google News تابعوا أخبار الشرق عبر Google News

نستخدم في موقعنا ملف تعريف الارتباط (كوكيز)، لعدة أسباب، منها تقديم ما يهمك من مواضيع، وكذلك تأمين سلامة الموقع والأمان فيه، منحكم تجربة قريبة على ما اعدتم عليه في مواقع التواصل الاجتماعي، وكذلك تحليل طريقة استخدام موقعنا من قبل المستخدمين والقراء.