Open toolbar

الكاتب الفلسطيني الراحل فيصل حوراني يوقّع كتابيه "باولا وأنا" و"فاطمة.. حياتها ومماتها" في متحف محمود درويش

شارك القصة
Resize text
بيروت -

بالتزامن مع ذكرى النكبة التي توافق 15 مايو، رحل المفكّر والأديب الفلسطيني فيصل حوراني (83 عاماً) في منفاه الأخير في جنيف الخميس، على أن ينقل جثمانه خلال الأيام المقبلة إلى رام الله ليوارى الثرى بحسب وصتيه. 

حوراني هو كاتب المقالة في الفكر السياسي الفلسطيني والعربي والدولي، والباحث والمؤلف لعشرات الكتب السياسية والأدبية، وهو "قامة من أفضل مثقفي فلسطين في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، وأكثرهم شهرة بين الإعلاميين والسياسيين إذ كان له حضور طاغٍ أكثر من الأدباء والشعراء آنذاك"، بحسب صديقه الكاتب والناقد والباحث فيصل دراج.

ووصف دراج، الراحل بأنه "نموذج للمثقف الشامل الذي ارتكز مشروعه السياسي  والأدبي على ترسيخ وتدعيم وتأصيل الذاكرة الفلسطينية كشرط أساسي ليتمكن الفلسطينيون من الاستمرار في الكفاح والعودة إلى بلادهم".

رؤية نقدية لـ"جبهة الرفض"

وأضاف دراج لـ"الشرق": "حوراني كان محلّلاً سياسياً ممتازاً وأفضل مَن قدّم رؤية نقدية للواقع السياسي الفلسطيني سواء من خلال أبحاثه ومقالاته أو كتبه مثل (جبهة الرفض الفلسطينية) الصادر منذ 20 عاماً، وطرح فيه رؤيته للأطراف التي ترفض وتبالغ في الرفض واعتقدت أنها ستُحرّر فلسطين في حين أنها تسيء للقضية الفلسطينية وتُضعف الفلسطينيين"، معتبراً أنه كان سباقاً في هذا المجال مع التركيز على وحدة العمل الفلسطيني وليس تقسيمه من خلال شعارات زائفة وواسعة".

وتابع: "حوراني حاضر وغائب في الوقت نفسه، حاضر بمعنى الفاعلية الثقافية السياسية، وغائب بمعنى أنه يرفض أن يكون محسوباً على أي طرف وأن يكون تابعاً وبلا رأي نقدي، لكنه كان مرناً بالسياسة على طريقة اليساريين الفلسطينيين".

"كاتب سيرة الشقاء"

وقال الروائي الفلسطيني محمود شقير، إن حوراني "كاتب سيرة الشقاء الفلسطيني وصاحب موقف سياسي نزيه ينبع من قناعاته ومن ولائه لقضية شعبه ومن موضوعية الباحث النزيه، وهو لا ينفصل عن إنتاجه الأدبي والبحثي".

ناقد لفكر المقاومة

وشدد الباحث والكاتب صقر أبو فخر على "تميّز حوراني بشجاعته الأدبية والسياسية التي لم يتميّز بها غيره، ونقده لفكر المقاومة والفكر السياسي الفلسطيني وبنية منظمة التحرير والفصائل الأخرى وطريقة تفكيرها، لكن بشكل عام كان مؤيداً للمنظمة في الوقت الذي كانت لديه آرائه الخاصة".

علاقة نديّة مع عرفات

لم يعارض حوراني اتفاق أوسلو (اتفاق سلام وقعته إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن عام 1993 ويتضمن إعلان المبادئ بشأن ترتيبات الحكم الذاتي الانتقالي) لكن كانت له مآخذ كثيرة عليه.

وأشار أبو فخر إلى أن حوراني "كان من القلّة الذين تجرّأوا وانتقدوا الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات وقيادات فلسطين في التسعينات بسبب السلوك السياسي لمنظمة التحرير والمفاوضات السرية التي كان يجب برأيه أن يطّلع عليها الشعب برمّته".

وروى أبو فخر قصة علاقته المميزة والنقدية في آن مع عرفات الذي لطالما انتقده لكنه حافظ على علاقته به "فعندما كان يعيش في فيينا وهو مستشار للرئاسة الفلسطينية كان يصله راتبه الشهري إلى بيته، فجأة أوقف جهاز المالية التابع للصندوق القومي الفلسطيني في منظمة التحرير، الراتب بعد سلسلة مقالات نقدية حادة بحق عرفات، فسافر إلى رام الله لزيارة الرئيس الذي غضب عندما عرف بالأمر، وطلب إعادة الراتب إليه بانتظام، وقال له (هذا الراتب من حقّك ومن حقّ عائلتك لأنك ناضلت، بغض النظر عن مواقفك التي لو كانت معياراً لما كنت ستقبض أبداً)".

دمشق.. البداية مع اليسار

وفاة "السياسي الشرس والصحافي الشجاع" كما يصفه مثقفون وسياسيون فلسطينيون، تزامنت مع اغتيال الصحافية شيرين أبو عاقلة برصاص الجيش الإسرائيلي الذي نفاه وهو طفل ابن 7 سنوات من غّزة إلى دمشق، وأبعده عن أمه التي لم تتمكّن من النزوح مع أعمامه.

وقال أبو فخر الذي كان صديقاً لحوراني وأسّسا معاً مجلة "شؤون فلسطينية" في منفاه بالعاصمة اللبنانية بيروت التي انتقل إليها بعد انفصاله عن حزب البعث في سوريا وهو شاب: "يا للمصادفات أن يتوفى فيصل عشية ذكرى النكبة التي شرّدته من وطنه، غداة اغتيال أبو عاقلة وهو خبر كان صعباً عليه خصوصاً أنه كان صحافياً مميزاً ورفع صوته عالياً في وجه الجميع يوم لم يجرؤ أحد على ذلك، حتى في وجه الرئيس الراحل ياسر عرفات".

عاش حوراني ونشأ ودرس في دمشق، وكان يسارياً ماركسياً والتحق في بداياته بحزب البعث العربي الاشتراكي لفترة قصيرة ثم تم فصله وتلقفته المؤسسات السورية الثقافية ووزارة الثقافة في عهد الوزيرة نجاح العطار التي كانت راعية لليساريين مع رئيس "المؤسسة العامة للكتاب والترجمة" أنطوان مقدسي.

من دمشق إلى بيروت وفيينا وجنيف

وفي دمشق نشر كتبه ومقالاته الأولى قبل أن ينتقل إلى لبنان عام 1979 ويعمل في مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية في "مركز الأبحاث الفلسطيني" وفي "الإعلام الموحّد الفلسطيني" الذي كان يرأسه عبدالله الحوراني آنذاك.

وقال أبوفخر، إن فيصل حوراني "كتب في الصحف ذات الميول اليسارية مثل جريدة السفير اللبنانية، مقالات جريئة في الفكر السياسي الفلسطين والعربي والدولي، وبقي في لبنان حتى بعد الاجتياح الإسرائيلي لبيروت عام 1982 حين خرجت منظمة التحرير من البلاد، لكنه رفض الخروج، وقررنا أنا وهو وصبري جرجس وآخرين تأسيس مجلة (شؤون فلسطينية) التي كانت تصدر عن مركز الأبحاث الذي فجّرته إسرائيل وأنهت عمر المجلة ذائعة الصيت عن عمر قصير". 

قصة حياة حوراني أشبه بفيلم تراجيدي لرجل عصامي نجا من حروب ونكبات وانفجارات عدّة، إذ هرب من غزّة عام 1948 إلى دمشق، ثم انتقل إلى بيروت، ومنها ركب البحر من دون أوراق ثبوتية أو جواز سفر على متن باخرة فرنسية نقلت اللاجئين الفلسطينيين الى نيقوسيا لحمايتهم، ثم غادرها إلى فيينا التي لجأ إليها وأقام فيها فترة، ثم ذهب إلى سويسرا حيث بقى في آخر أيامه مع ابنته ومات بين عائلته.

حائر بين الأدب والفكر السياسي

يختلف النقاد العرب على أهمية موقع فيصل حوراني في الأدب العربي والفلسطيني، إذ يعتبره الكاتب والناقد الفلسطيني فخري صالح "واحداً من الرعيل الأول للكتاب الفلسطينيين الذين بدأوا الكتابة والنشر في نهاية الستينات، وكان واحداً من الأسماء البارزة التي سعت إلى تسجيل التجربة المرّة للفلسطينيين قبل النكبة وبعدها". 

وأضاف صالح: "أصدر حوارني عدداً من الروايات التي لفتت الأنظار إليه ككاتب روائي ملتصق بالهوية الفلسطينية ويسجّل المحطات الرئيسية للنكبة ولتشرّد الفلسطينيين ولجوئهم في مشارق الأرض ومغاربها".

لكن الروائي الفلسطيني محمود شقير، والكاتب صقر أبو فخر، يعتبران حوراني كان حائراً بين الأدب والسياسة والبحث التاريخي ومتعدّد المجالات، فهو كان مؤرخاً وباحثاً وروائياً وكاتب سيرة وصحافياً، ووزّع نشاطاته وإنجازاته ولم يكثّفها في شكل إبداعي واحد". 

وقال أبو فخر: "لم يُصنّف حوراني من بين الروائيين الفلسطينيين الكبار مثل غسان كنفاني وإيميل حبيبي وجبرا ابراهيم جبرا ومريد البرغوثي وغيرهم، بل اختار الأدب والصحافة لأنه كان الوسيلة الأقوى مع الشعر والسلاح الجهوري للشباب الفلسطينين التقدميين المتعلمين، للتعبير عن ذواتهم وقضايا العودة والاغتراب والمنفى والهجرة والمقاومة".

"دروب المنفى" سيرة وطن 

واعتبر الروائي محمود شقير وأستاذ الفلسفة في الجامعة الأميركية في بيروت محمود شريخ والناقد فخري صالح، أن الكتاب الأكثر بروزاً في تجربة حوراني الأدبية هي مذكراته التي كتبها في 5 أجزاء بعنوان "دروب المنفى" التي وثقت تجربته في طفولته وشبابه بين المنافي، وتعتبر مفصلاً للمأساة الفلسطينية بمختلف تجلياتها، وهي من أهم الأعمال ومن أوائلها التي استطاعت أن تسجّل وتوثق لتجربة الفلسطينيين وعيشهم وتنقّلهم في المنافي بشكل موضوعي وواقعي.

 وقال محمود شريح، صديق فيصل حوراني منذ 40 عاماً وتجاورا في بيروت وفيينا: "كنا في فيينا نسكن على مسافة قصيرة وكان آنذاك يعد مذكراته التي صدرت فيقرؤها عليّ ليلاً قبل أن نخرج في نزهة في أحياء فيينا القديمة... وكثيراً ما انتهينا في مقهى النيل المصري على مقربة من سكننا، وشربنا الشاي بالنعناع".

وأضاف: "كان مثقفاً موسوعياً وشخصاً ساخراً لماحاً وصاحب نكتة من الدرجة الأولى، فحين نعود من النزهات منشرح الصدر كان يروي بمرح سيرة حياة صعبة من غزة حيث ولد، إلى دمشق إلى بيروت إلى نيقوسيا إلى تونس إلى فيينا إلى جنيف".

اقرأ أيضاً:

Google News تابعوا أخبار الشرق عبر Google News

نستخدم في موقعنا ملف تعريف الارتباط (كوكيز)، لعدة أسباب، منها تقديم ما يهمك من مواضيع، وكذلك تأمين سلامة الموقع والأمان فيه، منحكم تجربة قريبة على ما اعدتم عليه في مواقع التواصل الاجتماعي، وكذلك تحليل طريقة استخدام موقعنا من قبل المستخدمين والقراء.