Open toolbar

السفينة التابعة لشركة "إنرجيان باور" خلال عبورها قناة السويس متجهة إلى حقل كاريش النفطي - suezcanal.gov.eg

شارك القصة
Resize text
دبي/بيروت-

عاد ملف الحدود البحرية المتنازع عليها بين لبنان وإسرائيل إلى الواجهة، الأحد، بعد وصول سفينة تابعة لشركة "إنرجيان باور" (شركة يونانية متعاقدة مع إسرائيل) للتنقيب عن الغاز الطبيعي، إلى حقل كاريش النفطي في البحر الأبيض المتوسط.

التحرك الإسرائيلي، أثار ردود فعل لبنانية على مستويات عدة، في ظل مخاوف من أن يؤدي إلى تدحرج الأمور إلى مواجهة شاملة مع إسرائيل، عدا عن تحوّله، كما الكثير من المواضيع الشائكة، إلى مادة لسجال لبناني - لبناني، لا أحد يعرف أين ينتهي.

وأكد مصدر لبناني رفيع لـ"الشرق" أن الخطوة الإسرائيلية "تعتبر بمثابة مجازفة بأمن المنطقة واستقرارها". وإذ أعرب عن قلقه مما يمكن أن تؤول إليه الأمور، دعا الأمم المتحدة والولايات المتحدة الأميركية إلى "التدخل لوضع حد لهذه الوقاحة الإسرائيلية"، لافتاً إلى أن "المفاوضات بشأن ترسيم الحدود البحرية لم تنته بعد، وكذلك مهمة الوسيط الأميركي آموس هوشستين".

اللافت، أن الخطوة الإسرائيلية جاءت بعد أيام على اختتام مناورات عسكرية إسرائيلية جوية وبحرية وبرية في قبرص (التي تتشارك في حقول النفط البحرية مع لبنان وإسرائيل)، بالإضافة إلى مناورات أخرى أجرتها إسرائيل في البحر الأحمر.

الرئاسة اللبنانية، استغربت التحرك الإسرائيلي "في وقت لاتزال المفاوضات بشأن ترسيم الحدود البحرية مستمرة". واعتبرت في بيان أن "أي عمل أو نشاط في المنطقة المتنازع عليها يشكل استفزازاً وعملاً عدائياً". 

فما قصة هذا الحقل الذي عاد إلى الواجهة في الساعات الأخيرة؟ وما حكاية الخط 29 الذي يقع في نطاقه؟ وهل يكون سبباً في اندلاع مواجهة جديدة بين البلدين، خصوصاً أن المدير العام للأمن العام اللبناني عبّاس إبراهيم، حذّر قبل أيام من "أي خطوة إسرائيلية تمس بحقوق لبنان النفطية سينظر إليها على أنها اعتداء على السيادة الوطنية". مع التذكير بمواقف سبق أن أطلقها الأمين العام لـ"حزب الله" حسن نصر الله أخيراً، هدد فيها "بمنع أي شركة تنقيب من القدوم إلى حقل كاريش".

حقل كاريش والخط 29

يقع حقل كاريش النفطي داخل الخط الحدودي البحري (بين لبنان وإسرائيل) رقم 29، الذي تبلغ مساحته 1430 كيلومتراً مربعاً، 

وتقول السلطات اللبنانية إن جزءاً كبيراً من الحقل المذكور، يقع داخل الحدود اللبنانية، فيما تصرّ إسرائيل على أنه يقع بأكمله ضمن منطقتها الاقتصادية الخالصة.

في رسالته الأخيرة إلى الأمم المتحدة بشأن مفاوضات الحدود البحرية المشتركة مع إسرائيل، طالب لبنان بتعيين الخط 29 بدلاً من الخط 23 (تبلغ مساحته 360 كيلومتراً مربعاً). وهذا يعني مطالبته بمساحة إضافية لحدوده البحرية (باتجاه إسرائيل) تبلغ 1430 كيلومتراً مربعاً. 

المفاوضات المذكورة بين البلدين، والتي بدأت في أكتوبر 2020، توقفت في مايو 2021، حين قدم لبنان خرائط جديدة مطالباً بحقه في 2290 كيلومتراً مربعاً بدلاً من 860 كيلومتراً مربعاً كان يطالب بها في السابق.

تجدر الإشارة هنا، إلى أن الدراسات التي أجرتها قيادة الجيش اللبناني، أظهرت أن الخريطة المتعلقة بـ860 كيلومتراً مربعاً والتي أرسلها لبنان للأمم المتحدة في عام 2011، استندت إلى"تقديرات خاطئة"، ليطالب لبنان بمساحة إضافية تبلغ 1430 كيلومتراً مربعاً وتشمل أجزاء من حقل "كاريش".

وطالب لبنان في سبتمبر 2021، مجلس الأمن الدولي والأمم المتحدة، بوقف أعمال التنقيب في المنطقة المتنازع عليها مع إسرائيل، وذلك بعدما منحت تل أبيب شركة "هاليبرتون" الأميركية، عقداً للتنقيب عن النفط والغاز في المنطقة. 

كما سعت الحكومة اللبنانية السابقة لتقديم شكوى أمام المحاكم الدولية المختصّة، لمنع شركة النفط اليونانية "إنرجيان" العاملة في حقل "كاريش" الإسرائيلي من استكمال عملها.

وكان مصدر لبناني مواكب للاتصالات المتعلقة بملف ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل، قال لـ"الشرق" منتصف مارس الماضي، إن لبنان يتجه لرفض المقترحات التي قدمها الوسيط الأميركي في المفاوضات غير المباشرة لترسيم الحدود بين البلدين، آموس هوشستين، لافتاً إلى أن المقترحات الأخيرة التي قدمها الوسيط المذكور إلى الجانب اللبناني، أثارت انقساماً داخلياً بقي طي الكتمان، إلى أن رفض "حزب الله" و"حركة أمل" المشاركة في اللجنة التي تم تشكيلها لدراستها، وهو ما عكس "اعتراضهما" على ما تتضمنه تلك المقترحات "من تفريط بحقوق لبنان النفطية".

وأشار المصدر إلى أن الجانب الأميركي "مصرٌّ على تخلي لبنان عن مطالبته بالخط الحدودي رقم 29، على أن يكتفي بالخط رقم 23، وهو ما رأى الجانب اللبناني أنه يعطي مكاسب لإسرائيل على حساب لبنان".

وبالفعل، لم يصدر أي رد لبناني علني على مقترحات هوشستين، الذي بدا وكأن وساطته قد جُمِدت، لا بل غاب ملف الترسيم عن الأضواء في الشهرين الأخيرين، لتتصدر الانتخابات النيابية واجهة الأحداث.

وكانت شركة "إنرجيان باور"، قامت في شهر مارس الماضي، بربط حقل "كاريش" بما يسمى "خط الغاز الوطني" في إسرائيل. وكشفت على موقعها الاكتروني بأن هذه الخطوة تشكّل حجر أساس في تسهيل الاستعداد العملي لتطوير العمل في الحقل المذكور.

كما أفادت الشركة في حينه (شاهد الفيديو المرفق أعلاه)، بأنه "تمّ تحقيق الاتصال العملي بين نظام إنرجيان باور الواقع على الشاطئ الإسرائيلي، بما يسمى (خط الغاز الوطني في إسرائيل) عبر خطين من الأنابيب.

"استفزاز وعمل عدائي"

وتعليقاً على الخطوة الإسرائيلية، قال المكتب الإعلامي لرئاسة الجمهورية اللبنانية في بيان إنه "إثر الأنباء التي وردت عن دخول سفينة وحدة إنتاج الغاز الطبيعي المسال وتخزينه المنطقة المتنازع عليها في الحدود البحرية الجنوبية، أجرى رئيس الجمهورية ميشال عون اتصالات مع رئيس الحكومة نجيب ميقاتي وعدد من المعنيين للبحث في هذه التطورات".

وأشار البيان إلى أن عون "طلب من قيادة الجيش تزويده بالمعطيات الدقيقة والرسمية ليبنى على الشيء مقتضاه"، لافتاً إلى أن "المفاوضات لترسيم الحدود البحرية لا تزال مستمرة، وبالتالي فإن أي عمل أو نشاط في المنطقة المتنازع عليها يشكل استفزازاً وعملا عدائياً". 

ولفت المكتب الإعلامي لرئاسة الجمهورية إلى أن "لبنان أودع الأمم المتحدة قبل أسابيع رسالة يؤكد فيها تمسكه بحقوقه وثروته البحرية، وأن حقل كاريش يقع ضمن المنطقة المتنازع عليها، وجرى تعميمها في حينه على أعضاء مجلس الأمن كافة، كوثيقة من وثائق المجلس وتم نشرها حسب الأصول".

كما شدد على أنه ما زال يعول على نجاح مساعي الوساطة التي يقوم بها الوسيط الأميركي آموس هوشستين للتوصل الى حل تفاوضي لمسألة الحدود البحرية برعاية الأمم المتحدة".

من جهته، قال رئيس حكومة تصريف الأعمال اللبنانية نجيب ميقاتي إن "محاولات ​العدو الإسرائيلي​ افتعال أزمة جديدة، من خلال التعدي على ثروة لبنان المائية، وفرض أمر واقع في منطقة متنازع عليها ويتمسك لبنان بحقوقه فيها، أمر في منتهى الخطورة، ومن شأنه إحداث توترات لا أحد يمكنه التكهّن بتداعياتها".

تحذير استباقي

وعلمت "الشرق" من مصادر لبنانية واسعة الاطلاع، أن موضوع ترسيم الحدود البحرية "كان من بين أبرز الملفات التي ناقشها المدير العام للأمن العام اللبناني عباس إبراهيم خلال زيارته الأخيرة إلى الولايات المتحدة الأميركية".

وكان إبراهيم، قال في حديث إلى مجلة "الأمن العام" قبل أيام، إن "لبنان يعتبر أن الخط 29 هو خط التفاوض، وبالتالي فإن كل ما يقع داخل الخط المذكور (29) يصبح مناطق متنازع عليها، ولا يحق للعدو استخراج النفط أو التصرف بأي شيء شمال هذا الخط".

وأضاف: "من هنا، يصبح المساس بالثروة النفطية اللبنانية أو غيرها، بمثابة تعد على السيادة اللبنانية وحقوق لبنان". وأكد أنه "طالما أن الحدود البحرية لم تُرسّم بعد، سيكون للبنان رد كما لو أن لبنان قد تعرض الى اعتداء على سيادته وحقوقه".

من جهته، اعتبر وزير الدفاع اللبناني موريس سليم أن "التحركات التي تقوم بها إسرائيل في المنطقة المتنازع عليها، تشكل تحدثاً واستفزازاً للبنان"، داعياً الجهات الدولية "لاستباق أي تدهور أمني في جنوب لبنان ستكون له انعكاسات على استقرار المنطقة".

"تثبيت في الأمم المتحدة"

الرئيس السابق للوفد التقني العسكري اللبناني المفاوض بشأن الحدود البحرية مع إسرائيل العميد الركن بسام ياسين، قال لـ"الشرق" (بيروت - مها حطيط)، إن "الرسالة التي أرسلها لبنان الى الأمم المتحدة وتقول إن حقل كاريش متنازع عليه وتمنع الشركات من العمل بالحقل هي رسالة مهمة جداً، لكن المطلوب من لبنان الرسمي الآن أن يؤكد أن وجود الباخرة (إنرجيان باور) في كاريش هو اعتداء على سيادة لبنان، وأن ينذر الشركة أن هذه حدود لبنان وهي تصل الى الخط  29"، مؤكداً أن "حقل كاريش هو حقل مشترك ومتنازع عليه". 

وأضاف العميد ياسين: "يجب وضع هذه الإحداثيات في الأمم المتحدة كي يعتبر أي عمل في هذه البقعة تعدياً على لبنان، ولذلك يجب تثبيت هذا الأمر رسمياً وقانونياً في الأمم المتحدة عبر إيداع الإحداثيات".

وعن تأخر لبنان في إيداع مرسوم تعديل حدوده البحرية، على الرغم من توقيع الوزراء المعنيين في الحكومة ما قبل السابقة، قال ياسين: "كان يجب إيداع المرسوم فور توقيعه، واليوم تغيّر الوزراء ويجب تغيير التواقيع بسرعة فلبنان مستحيل أن يأخذ حقوقه إلاّ بتعديل المرسوم".

"حزب الله"

وفي أول تعليق على الخطوة الإسرائيلية، قال عضو المجلس السياسي في "حزب الله" محمود قماطي: "لن نسمح بأن تنقب إسرائيل عن النفط والغاز في المنطقة المتنازع عليها"، مؤكداً أن "سلاح المقاومة هو الوحيد القادر على حماية لبنان".

مخاوف إسرائيلية

إسرائيلياً، أفادت "هيئة البث الإسرائيلية" ("مكان")، بأن منصة التنقيب الإسرائيلية عن الغاز "كاريش" "وصلت، الأحد، إلى المكان المخصص لها في المياه الاقتصادية الإسرائيلية، أي على بعد 80 كيلومتراً عن الشواطئ الإسرائيلية".

وأشارت الهيئة إلى أن "المنصة أبحرت من سنغافورة قبل 5 أسابيع، لتنضم الى منصتي تمار وليفياتان اللتين تزودان إسرائيل بالغاز الطبيعي".

وقالت الهيئة إن "البحرية الإسرائيلية تستعد لاحتمال تعرض منصة كاريش للهجوم وتقوم بنقل نظام القبة الحديدية بنسختها البحرية إلى المنطقة".
وأضافت أنه "سيتم تأمين منطقة تواجد منصة الغاز الجديدة بواسطة السفن فوق وتحت مستوى سطح البحر، بما في ذلك الغواصات".

وفي سياق متصل، نقلت صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية عن رئيس مركز السياسة البحرية والبحوث الإستراتيجية في "جامعة حيفا" البروفيسور شاؤول حوريف، قوله إنه يستبعد تعرض إسرائيل لعقوبات دولية إذا بدأت باستخراج الغاز من هذه المنطقة، ووصف ذلك بأنه "يشبه تماماً خلافاً بين دولتين جارتين على الحدود".

وأعرب حوريف عن اعتقاده "بإمكان حل هذا الخلاف بين لبنان وإسرائيل بالطرق السلمية ولصالح الجانبين".

لكن الصحيفة الإسرائيلية أشارت إلى أن "ثمة مخاوف في تل أبيب من تعرض منصة التنقيب كاريش لاعتداءات هجومية من الجانب اللبناني، في ظل قرب موقعها من حدود المياه الاقتصادية للبنان".

وزعمت الصحيفة أن" الأزمة السياسية والاقتصادية في لبنان، تمنعه من اتخاذ قرارات حاسمة في ملف الحدود البحرية مع إسرائيل".

عبور السويس

وكان رئيس هيئة قناة السويس الفريق أسامة ربيع، أعلن الجمعة، "نجاح أول عملية عبور من نوعها في تاريخ القناة لوحدة عائمة لإنتاج وتصنيع وتخزين الغاز الطبيعي المسال، بعبور الوحدة الأحدث في العالم (إنرجيان باور) ضمن قافلة الجنوب، وذلك من خلال قطرها وتوجيهها بأربع قاطرات تابعة للهيئة وإرشادها بواسطة فريق يضم مجموعة من كبار مرشدي الهيئة وقباطنة القاطرات، خلال رحلتها البحرية الأولى بعد تدشينها بسنغافورة متجهة إلى البحر المتوسط".

اقرأ أيضاً:

Google News تابعوا أخبار الشرق عبر Google News

نستخدم في موقعنا ملف تعريف الارتباط (كوكيز)، لعدة أسباب، منها تقديم ما يهمك من مواضيع، وكذلك تأمين سلامة الموقع والأمان فيه، منحكم تجربة قريبة على ما اعدتم عليه في مواقع التواصل الاجتماعي، وكذلك تحليل طريقة استخدام موقعنا من قبل المستخدمين والقراء.