
على ما يبدو أن حضور الأب في السينما المصرية والعالمية خلال عام 2025 قد انتقل إلى الدراما التليفزيونية هذا الموسم، خصوصاً في أعمال النصف الأول من رمضان، والذي تلعب فيه شخصية الأب أو روح الأبوة أو عقدتها، المحرك الرئيسي للأحداث! أو واحدة من العناصر المؤثرة في صياغة الحبكات والقصص ايا ما كان نوع المسلسل.
لو تتبعنا بشكل سريع حضور الأب على المستوى المادي أو المجازي خلال بعض مسلسلات النصف الأول سوف نجد على سبيل المثال "عين سحرية"حيث يطارد الابن ظل أب متهم بجريمة مخلة بالشرف، بينما تنطلق كوميديا "هي كميا" من وصية أب راحل تقلب حياة ابنه رأساً على عقب، ويقدم "كان ياما كان" صورة الأب الذي يقاوم انهيار أسرته محاولاً حماية علاقته الرقيقة مع ابنته المراهقة.
هذه الأمثلة حول تصدر شخصية الأب، تقودنا إلى الحديث عن واحد من أرق وألطف الأباء الذين احتشدوا في رمضان 2026، ونعني به حسن/آسر ياسين في الميلودراما الرومانسية "اتنين غيرنا"من كتابة رنا أبو الريش وإخراج خالد الحلفاوي.
ثلاثة آباء
حسن هو واحد من ثلاثة آباء أساسيين في المسلسل، ورغم كونه الشخصية الرئيسية في قصة الحب بينه وبين نور/دينا الشربيني الممثلة الشهيرة التي تترصدها منصات التواصل الاجتماعي، مثلها مثل عشرات الممثلات اللائي يتغذى على سيرتهن وحش الترند والمشاهدات، نقول رغم كون حسن الشخصية الرئيسية في الصراع العاطفي، إلا أن ثمة أبوين آخرين يحتلان مساحة لا بأس بها من حبكة وأحداث العمل، وربما بشكل لا يقل زخماً عن حضور حسن الأبوي نفسه.
الثاني هو والد نور/محسن منصورـ في واحدة من أفضل أداءاته مؤخراً، وهو سبب شعور نور الدائم بالخوف وانعدام الأمان، بعد أن طردها عندما اكتشف انها تدرس في معهد الفنون المسرحية لتشبع شغفها بالتمثيل، وهو الطرد الذي يتحول إلى قطيعة كبرى طوال سنوات نجاحها إلى أن يرحل – في بداية المسلسل- وتتعرض لفضيحة عائلية وقت جنازته، فتقدم على الانتحار، وهو الحدث الذي يستخدمه النص لكي يدخلها بيت حسن عن طريقة أخته الصغيرة لتبدأ قصة الحب.
أي أن علاقة نور المضطربة مع أباها هي جزء رئيسي من تكوين الشخصية الدرامي على المستوى النفسي والاجتماعي، ورحيله وجنازته هما السبب في دخولها بيت حسن لإحداث شرارة الحب الأولى.
أما الأب الثالث، فهو محمود/ محمد السويسي، زوج وفاء، المساعدة الخاصة بنور، ووالد طفلتها الصغيرة الذي يعاني من الإدمان بسبب فشله المهنى، ومن الإدمان إلى سرقة فيللا نور نفسها – وهو خط جيد لم يحسن النص توظيفه بشكل مثير بل اكتفى فقط بالقبض سريعاً عليه والالتفات إلى أسلوب تناول السوشيال ميديا للأزمة، في حين أن شخصية مثل محمود كان من الممكن أن تسبب تهديد مثير لعدة حلقات لكل من نور وحسن، إذا ما فر وقرر أن ينتقم من الجميع على سبيل المثال، لكن خيار النص كان إغلاق الأزمة سريعاً، والاكتفاء بوقوف وفاء إلى جانبه في أزمته من أجل ابنتها الصغيرة التي لا تريد لأحد أن يعايرها بأبيها.
يمكن أن نضيف أيضاً أب رابع! وأن كانت الحكبة التي تخصه أقل حضوراً على مستوى الأحداث، وبدت في الحلقات الأخيرة مثل حشو زائد على القصة الأساسية؛ وهو مروان مذيع الراديو صديق حسن، الذي تكتشف زوجته أنها يخونها بينما كانت مسافرة إلى ابنتهم، ثم عقب شهور يستغل عودة البنت من الخارج لكي يحاول إصلاح علاقته مع زوجته، بعد أن تأدب خوفاً من أن تفضحه الزوجة أمام الابنة الشابة التي تراه نموذج للأب الرائع.
وبالعودة إلى حسن، فسوف نجد أن الدافع الرئيسي لكي يكسر قلب نور بعد أن وعدها بالحب والارتباط، هو مشاعر الأبوة التي حاصرته بها طليقته نادية، عندما عادت من أميركا، بعد أن وصلتها أنباء علاقة طليقها مع نور، وقررت استغلال الصغير يوسف الذي يمزق البعد قلب أباه الرقيق، من أجل أن تتصيده مرة أخرى وتفسد علاقته بالحبيبة الجميلة.
إذن، لم يكن ترك حسن لنور بدافع عاطفي بالأساس- أي ريمونتادا رومانتيكية تجاه طليقته- بل هي مشاعر الأبوة التي أضعفت إرادته – وهي إرادة هشة بالمناسبة تناسب شخصية سلبية مثله- وجعلت منه هذا الشخص المنقاد إلى حكاية منتهية، على حساب قصة حية ومفعمة بأكثر من روح حلوة ولحظات مبهجة ورائعة مع نور.
المطّلق الحزين
على ما يبدو أن تأثر كاتبة النص بشخصية الأب الوحيد التي صاغت منها شخصية حسن جاء بشكل مباشر في الحلقات الأولى حين كانت أمه وأخته الصغيرة- التي يعاملها معاملة الأب ويصرح أنها ابنته وليست أخته- تشاهدان فيلم Sleepless In Seattel لتوم هانكس، والذي يتحدث عن أرمل وحيد يتصل ابنه ببرنامج راديو ليشكو عزلة أباه العاطفية، وأرقه الدائم، بعد رحيل زوجته، مما يفتح أمامه باب لقصة حب مع امرأة تسافر من نيويورك إلى سياتل لكي تلتقي به.
ولا يخفى تأثير مكالمة الراديو الشهيرة من الفيلم الأصلي، على مكالمة الراديو الخاطئة التي تجريها أم حسن وأخته مع صديقه مروان فتذاع بالخطأ على الهواء، ويصبح لقب حسن هو المطلق الحزين، كما أطلق على توم هانكس في الفيلم.
ولا يكتفي المسلسل بهذا الاقتباس المعلن، بل يمد الخط على استقامته لنرى إعادة تقديم لمشهد عشاء الأصدقاء من فيلم Notting Hill، وهو أحد أشهر رومانسيات التسعينات، من بطولة هيو جرانت وجوليا روبرتس، حيث يشبه وليام بطل الفيلم في جانب منه شخصية حسن المنعزل الهادئ الذي تضطرب حياته العاطفية والاجتماعية عندما يلتقي مصادفة بالنجمة الهوليودية آنا سكوت، وتبدأ بينهم قصة حب جميلة في حي نوتينج هيل بلندن.
أما مشهد العشاء فهو حين يصطحب (وليام) أو في مسلسلنا حسن (آنا) التي هي نور، للسهر وتناول العشاء مع شلته من الأصدقاء المقربين – الذين يشبهون بالمناسبة نفس شلة حسن مع فارق الثقافة والتركيبات الشخصية- وهو العشاء الذي يمثل دخول آنا أو نور إلى عالم حسن/وليام الخاص والحميمي، وهي النجمة اللامعة باهرة التأثير والشهرة.
والعشاء نفسه يعاد توظيفه في الحلقة الأخيرة – ليلة رأس السنة- عندما تعود نور لتصارح حسن بأمنيتها التي وضعتها في (قلة الأمنيات) الخاصة به هو وأصحابه، وهي أن تكون موجودة معه وبينهم في العام التالي.
فرط المحبة والحنان
رغم حضور الأبوة، كما ذكرنا، كوقود نفسي واجتماعي من أجل إزكاء الصراع العاطفي، إلا أن النص لا يتورط كثيراً في مناقشة أزمة الفقد أو مشاعر الأب حين يحرم من ابنه، بل يستغلها النص فقط في كونها سبب قاهر يضغط على العلاقة العاطفية بين حسن ونور، وحتى على مستوى علاقة نور بأبيها وفقدانها الإحساس بالأمان، لم يتورط النص أيضاً في الخوض داخل مناطق مظلمة، حول انعكاس علاقة الأب السيئة بنور على علاقاتها مع الرجال، بل بدت متصالحة بشكل غريب واستثنائي مع فساد علاقتها بالأب! والتي عادة ما تسبب تشوه كبير في نفسية أي امرأة تجاه الذكور، نظراً لأن الأب هو أول رجل في حياة أي فتاة، وانهيار علاقتها به خاصة في مرحلة مبكرة -حد الطرد من البيت- لا شك يؤدي إلى تشوهات عميقة ومختلفة التأثير، مع كل الرجال الذين يمرون في حياتها بعد ذلك.
ولكن النص عالج سريعاً هذا الأمر، عندما منح نور أب بديل متمثل في جارهم الطيب الذي احتضنها كأنها ابنته، ووفر لها جانب الرعاية الأبوية الذي منحها الثقة النسبية في الرجال مرة أخرى، هذه الثقة التي دمرها الرجال انفسهم بتعدد مستويات السمية والغيرة من شهرة نور أو نجاحها أو رفضهم كونها ممثلة من الأساس، إلى أن التقت بحسن الذي لم يرحمها هو الأخر كسابقيه – بسلبيته وقلة إداركه لحجم المشاعر بينهما-.
خلاصة ما سبق، أن النص حاول أن يخلص للنوع بقدر الإمكان – الميلودراما الرومانسية- دون التورط في قضايا جانبية اجتماعية أو نفسية عميقة، وربما كان هذا أحد أسباب إغلاقه سريعاً لقضية سرقة محمود لمجوهرات نور والقبض الفوري عليه! لكي يظل النص محتفظاً بغلالة المشاعر الرقيقة التي تتطاير فوق أحداثه الهادئة، حتى في أقصى لحظات الانفعال والقسوة! وربما كان أيضاً سبب اتهامه بأنه يدور في عالم مثالي غير واقعي، حيث المشاعر العنيفة والأفعال الدموية-كالضرب والطعن- تجد متنفس رومانتيكي لها، بينما الكل يمارس درجات مختلفة من الأحاسيس الطيبة والودودة.
والمثالية أو دراما فرط الحنان، إحدى نتائج التركيز على الجانب الرومانسي الرقيق في أي ميلودراما عاطفية، وبالتالي يشعر المتفرج بأن عالم الشخصيات والمسلسل ككل غير حقيقي! أو لا يشبه العالم كما يعرفه!
وبالرغم من حضور عناصر مثل حمى السوشيال ميديا، وظاهرة مطاردة المشاهير والتشنيع عليهم ومثل تقاطع بعض الخطوط مع قصص واقعية معروفة؛ كالخط الخاص بمحمد شقسق نور، والذي يتشابه مع حكاية شهيرة في الوسط الفني حول علاقة (نجمة) بأخوها وتصرفاته ضدها.
رغم كل هذا، فإن الأعمال فائقة الرومانسية يعلو كعبها الشعوري على الواقع بقليل أو كثير، وإخلاص صناعها للنوع يجعلها أكثر مثالية من أي بيئة أو سياق واقعي يتسم بالخشونة، خاصة في مجتمع مثل مجتمعنا يعاني من تداعيات أزمة اقتصادية قاصمة، وبالتالي يصبح فرط المحبة والحنان واللطف واللياقة الذي تمارسه الشخصيات داخل جغرافيا الفيلل والمنازل الفخمة والسيارات الفارهة والملابس ذات الماركات، هي أحلام غير قابلة للتحقق سوى على الشاشة فقط بالنسبة لغالبية المشاهدين، أو هي انعكاس لطبيعة حياة شريحة صغيرة جداً من أهل (إيجيبت).
اتنين غيرنا!
تبقى الإشارة إلى أن عنوان المسلسل يعتبر واحداً من عناصره الإبداعية، التي تستحق التوقف أمامها، "اتنين غيرنا" يعكس دلالة التحولات التي تمر بنا جميعاً، حيث كل منا في مرحلة ما من حياته هو شخص له وضع شعوري ونفسي واجتماعي، ونظرة من زاويا معينة للذات والعالم، ولكن بمجرد تغير هذا الوضع أو الظروف فإن النظرة تتغير ويتغير معها الشخص بشكل جزئي أو كلي، وهو ما يمكن رصده عبر مشاهد الفلاش باك التي تخللت حلقات المسلسل عن السنوات الماضية من تاريخ الشخصيات، خصوصاً نور التي تعود مشاهد الماضي الخاصة بها إلى سنواتها المبكرة، هذه العودة لا تعكس فقط تاريخ الشخصيات قبل لقائها! ولكن تعكس أيضاً حجم التحولات التي مروا بها، حيث في كل فصل من حياتهم كانوا اثنين آخرين غير اللذان التقيا في قصة حب شفافة وناعمة.
ولا يكتفي العنوان بكونه إسقاط على علاقة الثنائي الرئيسي بالمسلسل، لكنه ينسحب أيضاً على علاقة حسن بطليقته نادية، وهو ما يصارحها به حوارياً عندما تطلب منه المحاولة مرة أخرى ليكونا معا؛ بأن كلاهما لم يعد نفس الشخص الذي كان.
وينسحب كذلك على علاقة وفاء مساعدة نور وزوجها المدمن محمود؛ حين نراها تنظر لصورة زفافهم وهي تجمع حاجياتها بعد ان سُجن، وقررت هي ترك شقة الزوجية مع ابنتها، حيث تعكس نظرتها حجم الدهشة والتساؤل حول الثنائي الذي كونته معه! وأين ذهب كل منهما! وكيف تغيرا ووصولاً إلى هذه الحالة المزرية!
وأخيراً حتى على مستوى علاقة نور وأخوها محمد، والتي تنتهي بأن كل منهما يتغير من ناحية الآخر للأفضل، حين يمر محمد بضائقة مالية تخرجه منها نور، لكنه يدرك ساعتها حجم الألم الذي سبق وأن تسبب لها فيه! والخسارة الأسرية الهائلة جراء موقفه اللعين منها، والمبني على إرث سلبي من الأب الراحل.
في النهاية، يمكن القول أن "اتنين غيرنا" قد يثير بعض الاحتقان الطبقي لدى شرائح كثيرة من الجمهور، ولكنه قد يحرك لدى شرائح اخرى مساحات للتأمل في طبيعة العلاقات العاطفية- بعيداً عن تأثير الماديات- وأسئلة التوقف أو الاستمرارن وتحول القلوب، وقيمة المحبة والمودة ورقة الروح في مواجهة عنف مقيم داخل النفوس تغذيه الأحقاد المادية وهشاشة الأخلاق وكسل الضمير.
* ناقد فني











