"الكلام على إيه؟!".. فكرة ينقصها النضج وليلة تنقصها الدراما | الشرق للأخبار
خاص

"الكلام على إيه؟!".. فكرة ينقصها النضج وليلة تنقصها الدراما

time reading iconدقائق القراءة - 13
الملصق الدعائي لفيلم "الكلام على إيه؟!" - المكتب الإعلامي للشركة المنتجة
الملصق الدعائي لفيلم "الكلام على إيه؟!" - المكتب الإعلامي للشركة المنتجة
القاهرة -

من المفرح دائماً رؤية اسم جديد لمخرج أو مؤلف شاب على فيلم أو مسلسل جديد، خاصة حين يحمل هذا الفيلم أو المسلسل وعداً بتقديم رؤية أو معالجة تعبر عن جيل جديد وسينما جديدة.

ولكن من المحبط أحياناً، أن يتبين للمرء أن العمل الذي كان يعقد عليه الأمل، هو مجرد اجترار لأفكار بالية، وإعادة تدوير لأساليب كتابة أو إخراج مستهلكة. 

واحد من الأعمال الجديدة الواعدة التي بدأ عرضها مؤخراً هو فيلم "الكلام على ايه؟!" أول عمل للمخرج ساندور كنعان، وتأليفه مع الكاتب الشاب أيضاً أحمد بدوي.

فكرة واعدة

بداية باسمي المخرج والمؤلف، وعنوان الفيلم الغريب، وعنوانه الفرعي الأغرب "أول ليلة"، وملصقه الذي يضم عدداً من النجمات والنجوم المحبوبين، يشكلون ثنائيات يرتدون زي الزفاف، كلها حملت وعوداً بمشاهدة عمل مبتكر في فكرته، مختلف في جرأته، يعبر عن جمهور السينما الحالي من مواليد الألفية الثالثة، عمل يعبر عن وجهة نظر هذا الجيل اليوم في الحب والعلاقات الزوجية.

يدور "الكلام على ايه؟!" على 4 ثنائيات ليلة زفافهم، من أعمار وطبقات مختلفة، وخلال يوم واحد، مركزاً على صعوبات هذه الليلة الأولى. ويحمل الفيلم عنواناً فرعياً هو "أول ليلة"، في إشارة لليلة الزفاف، أو "الدُخلة"، كما يقول المصريون، لوصف أول معاشرة بين الزوجين، والتي تختلف أحياناً عن ليلة "كتب الكتاب" أو كتابة العقد الرسمي للزواج.. وهو الحدث الجلل الذي ينبني عليه كل أحداث الفيلم ومواقفه وحواراته الكوميدية.

ولكن بعد ما يقرب من ساعتين، زمن الفيلم، لا يخرج المرء غالباً إلا بالقليل من الضحكات المبعثرة هنا وهناك، والتي تتمحور حول شيء واحد هو العلاقة الزوجية المحبطة ليلة العرس، وبالكثير من الإحباط من الفيلم نفسه، ولست أدري هل المشكلة في صناعه أم في الجيل الجديد الذي يدور عنه؟! 

على الورق تبدو الفكرة مثيرة: فيلم كامل يتصدى لليلة الزفاف الأولى التي تشغل هاجساً مزمناً ومؤلماً للعقلية العربية، ويبدو أن العنوان الأصلي للفيلم كان "أول ليلة"، أو حتى الأفضل "الليلة الأولى" (في معارضة لعنوان الفيلم الشهير "الليلة الأخيرة" لكمال الشيخ وفاتن حمامة) ويبدو أنه استبدل لأسباب رقابية غير مفهومة، أو لأسباب أخرى، غير مفهومة أيضاً.

على أي حال، فقد كان "الليلة الأولى" أنسب وأوقع، الفكرة جيدة، لا شك، ولكن الأفكار وحدها لا تكفي لصنع عمل فني، من دون بقية العناصر والمواصفات الضرورية من قصة (قصص) وحبكة (حبكات) وشخصيات وسيناريو وحوار، وقبل كل ذلك وبعده معنى! معنى ومغزى من وراء هذه القصص يعكسان وجهة نظر صناع الفيلم في القضية المطروحة، وفي العالم من حولهم، وفي السينما والفن. وليس هذا كلاماً كبيراً أو  قاصراً على أفلام المهرجانات والجوائز، على العكس فإن الأفلام والمسلسلات الشعبية تعكس رؤية (قد نتفق مع بعضها، أو نختلف مع بعضها الآخر) أكثر وضوحاً وقابلية للفهم والتحليل. 

بعد ربع قرن

فكرة الفيلم وملصقه يحيلان المرء إلى عمل شهير مشابه هو فيلم "سهر الليالي" الذي أخرجه هاني خليفة، وكتبه تامر حبيب وصدر منذ ما يقرب من ربع قرن في 2003، ومثل "الكلام على ايه؟!"، كان يدور حول 4 ثنائيات بين أزواج وعشاق وقصصهم المنفصلة المتصلة، مستعرضاً أنواع العلاقات والمشكلات المختلفة لشباب الطبقة الوسطى العليا في بداية الألفية، بين التزمت والتحرر، وصعوبات الحياة المشتركة بين شخصيات ذات طباع وتواريخ شخصية متناقضة.

 شارك في بطولة "سهر الليالي" 8 من الممثلين الشباب آنذاك، منى زكي وأحمد حلمي وحنان ترك وفتحي عبد الوهاب وشريف منير وخالد أبو النجا وجيهان فاضل وعلا غانم، وحقق نجاحاً جماهيرياً ونقدياً، وأيضاً جدلاً وضجيجاً بسبب جرأة مضمونه وصورته، ورغم أنه صدر في بداية الألفية الجديدة، حين كان الكثير من شباب وعشاق اليوم لم يولدوا بعد، إلا أن فارق العمر شاسع بينه و"الكلام على ايه؟!"، لصالح الفيلم القديم الذي يبدو أكثر شباباً ومعاصرة!

هاجس وحيد

ولأن المقارنات تزيد الأمور وضوحاً،  فقد صدر "سهر الليالي" في وقت كانت تسيطر فيه على السينما المصرية أفكار متزمتة، بل رجعية، ونوع فني واحد هو الكوميدي الهزلي، وقد جاء الفيلم محطماً لكل من تقاليد "السينما النظيفة" التي سادت وقتها، وقاعدة "الكوميديا تكسب". والباقي تاريخ، كما يقال، فقد ساهم "سهر الليالي" (مع أعمال أخرى وقتها) في فتح الباب لأسماء وأفكار وسينما جديدة.. صحيح أنه جرى إغلاق الباب مجدداً، لأسباب يطول شرحها، ولكن الهواء الذي دخل منه كان كافياً لإنعاش السينما المصرية لسنوات قادمة.

يركز "الكلام على ايه؟!"، إذن، على هاجس واحد وحيد في العلاقة بين الجنسين هو المعاشرة الأولى التي تعقب الزواج، ويفعل ذلك من خلال شخصيات وتفاصيل مختلفة: زوجان من أبناء الطبقة الموسرة، هما كريم (أحمد حاتم) وخديجة (آية سماحة)، وزوجان من أبناء الطبقة الوسطى هما عاطف (حاتم صلاح) وهدير (جيهان الشماشرجي)، وزوجان شعبيان هما عبده (مصطفى غريب) ورضا (دنيا سامي)، زوجان تجاوزا الستين هما صابر (سيد رجب) وألفت (انتصار) لدى كل منهما أبناء وأحفاد.

مشكلة "الكلام على ايه؟!" أن الفكرة الجيدة التي بني عليها تتوه في عناصر عشوائية لا رابط بينها ولا خيط فكري أو فني يجمعها، مجرد "إيفيهات" تلعب على موقفين طالما استهلكتهما النكت الشعبية المبتذلة والأعمال الكوميدية الرخيصة، وهما عجز العريس عن إتمام المهمة، أو وجود معوقات خارجية تحول بين إتمام العروسين للمهمة، مضافاً إليهما هنا عروسان قاما بإتمام المهمة بالفعل ما بين "كتب الكتاب" والزفاف، وهو أمر جلل رغم شرعيته في الأوساط الريفية والشعبية، ولذلك يتعين على العروسين الآن إقناع الأهالي والجيران أنهما يقومان بإتمام المهمة في موعدها، أي ليلة الزفاف: منتهى الاستخفاف والسذاجة!

وداعاً للمنطق!

هذان هما العروسان الشعبيان، عبده ورضا (راجع استخدام أسماء الشخصيات في الفيلم فهو معبر طبقياً واجتماعياً، وإن كان يبدو مباشراً أكثر من اللازم)، ولأنهما شعبيان فقد فرض عليهما، بسبب تنازع وتشاحن رجال العائلتين، أن يقوما بـ"دخلة بلدي"، وهي عادة همجية من بقايا الهمجية الذكورية يقوم فيها العريس، أو نساء العائلتين، بفض بكارة العروس باليد! 

ربما يحتاج الموضوع إلى قصة بالفعل، فالعادة، رغم تراجعها، لم تزل تمارس في بعض البيئات العصبية المغلقة (في الريف أو عائلات المدن القادمين من الريف غالباً)، ولكن ما فات صناع الفيلم هو أن هذه الطريقة لا يمكن استخدامها عملياً في حالة اتفاق العروسين على لا جدواها، بمعنى أنهما يستطيعان بمنتهى البساطة "تزييف" العملية بنقطتي دم من جرح دبوس أو نزيف بسيط ناتج عن خبطة على الأنف.. وبالفعل يضيع الفيلم نصف ساعة (مقطعة) من العبث الكامل، من أجل الإضحاك بأية وسيلة، ليأتي الحل أخيراً بخبطة غير متعمدة توجهها العروس لأنف زوجها!

في هذه القصة تحديداً يتجلى تسطيح وضعف الكتابة، فبدلاً من الحديث عن موضوع مهم، غالباً ما تنشأ بسببه جرائم ومصائب، وحتى لو كان ممكناً التعامل مع الموضوع بشكل كوميدي، فلا يعني ذلك تغافل المنطق وتلفيق المواقف بهذا الشكل، مثل طلب سكين وطائر من شخص مخدر، يحضر لهم طائراً مطبوخاً، ثم طائراً يطير من يد العريس بعد أن يمسك به، ثم يحاول طعن زوجته بالسكين من أجل قطرتي دماء، والعروس تصيح ألما فيهتف الجمهور في الخارج معتقدين أنه "حصل".. عبث! حتى العبث والخيال الجامح لهما منطق يجب أن يقنع المشاهد بمصداقيته.

مزيد من المشاكل

لا تعدم الخطوط الدرامية الأخرى من مشكلات مماثلة، مثل بحث العريس المسن عن "قرص الحب" المقوي جنسياً، ولمدة نصف ساعة (مقطعة أيضاً) يتحول إلى مصدر تأنيب الزوجة وسخرية الجمهور، الذي يفترض أن يتابع مترقباً لحظة "استيقاظه"، من خلال مواقف و"إيفيهات" لفظية غليظة، ليس لأنها جنسية، ولكن لأنها غير إنسانية!

القصة الثالثة التي يلعب بطولتها حاتم صلاح وجيهان الشماشرجي هي الأكثر "منطقية" بين الأربعة: زواج "صالونات" (أي بين عروسين لا يعرف أي منهما الآخر)، الزوج مدرس لغة عربية والزوجة موظفة حكومة، والخجل الناتج عن تربيتهما المتزمتة وشخصيتيهما الخجولتين يمنعهما من إنجاز المهمة المرتقبة، موقف معتاد في كثير من الزيجات، وغالباً ما ينتج عنه مواقف قد تكون عصبية أو طريفة، والشخصيتان ليستا فقط الأفضل كتابةً، ولكنهما الأفضل تمثيلاً، خاصة من جانب جيهان الشماشرجي التي تتمتع بموهبة نادرة في بث الكوميديا من خلال الأداء الطبيعي الجاد.

نأتي إلى القصة الرابعة حول الزوجين كريم وخديجة اللذين ينتميان لطبقة أغنى كثيراً وأكثر تعليماً، ولكن كل منهما مدلل وغير صالح للمسؤولية: الزوج خفيف لا مبالٍ يشرب حتى الثمالة ليلة عرسه، والزوجة عصبية ومترددة، وتبكي لأقل سبب، وعندما يبدو أنهما وصلا للتفاهم أخيراً في غرفتهما الفاخرة بالفندق، ويرتدي كل منهما ملابس جلدية وأدوات من التي يستخدمها الساديون والماسوشيون في القصص الإباحية، استعداداً للمعاشرة على طريقة بعض شباب هذه الطبقة، تدخل غرفتهما عاملة خدمة غرف (رحمة أحمد) تعتقد أنهما من عبدة الشيطان، قبل أن تسقط مغشياً عليها، لتتوالى المواقف التي تعكر صفو ليلة العروسين، إلى أن تنحل "العقدة" في النهاية، كما يحدث لباقي القصص!

الراوي.. الديلر!

ولأن القصص تبدو غير مترابطة، ولا يجمعها خط واحد أو معنى، فقد قرر صناع الفيلم أن يبنوه حول خط خامس مختلف، لشخصية تاسعة، هو "الديلر" (أو "تاجر الممنوعات") بسة (خالد كمال) الذي يورد للعرسان حاجتهم من أقراص الحب والمخدرات وحتى السكين والحمامة اللازمين لعملية "الدخلة البلدي"، وفوق ذلك جعلوا هذا "الديلر" هو الراوي العليم الذي يبدأ وينتهي به الفيلم، بجانب اختراع خط درامي له، ينتهي بتوبته النصوح وعودته إلى الفتاة التي كان يحبها في الماضي نور (دنيا ماهر)، لينضم هو أيضاً إلى قائمة المتزوجين!

وهذا الخط الدرامي الخامس الذي أراد له صناع الفيلم أن يكون رئيسياً ورابطاً بين الخطوط الأخرى، يبدو مقحماً مع ذلك لتهافت حكاية العلامات الغيبية التي تظهر لـ"بسة" لتدفعه إلى التوبة عن مساعدة العرسان في ليلة الزفاف، والتي تذكر بشخصية صامويل جاكسون في فيلم Pulp Fiction لتارانتينو، رجل العصابات الذي يقرر التوبة فجأة!

هذا الخط بجانب كونه نتوءاً زائداً ركبت له بعض الحوارات الحكيمة لإضفاء معنى وعظة على الفيلم، لا يجيب على سؤال كوميدي كان يحتاج إليه الفيلم: ماذا سيفعل عرسان المستقبل عندما يتوب بسة وهو الذي كان يحل عقدهم ومشاكلهم؟ وعندما يتزوج بسة، فمن يا ترى سيساعده ليلة زفافه على حل عقدة لسانه؟!

قرأت أكثر من حوار لمخرج ومؤلف الفيلم ساندور كنعان يقول أن فكرة الفيلم والسيناريو كانوا جاهزين منذ تسعة سنوات. وبالفعل يبدو الفيلم قديماً، سواء في قصصه أو مستوى كتابته وإخراجه، حتى تشعر وكأنه قادم من موجة أفلام المضحكين الجدد التي ظهرت بين سنوات الألفيتين.

ولكن إنصافاً للحق، فإن فريق الممثلين الموهوبين قاموا بمهمة رائعة في إنقاذ "ليلة" الفيلم من الفشل، من خلال المقويات التي أضافوها بخفة دمهم وقدرتهم على الارتجال، ويظهر ذلك جلياً في الخط الذي يؤديه مصطفى غريب ودنيا سامي، على الورق يبدو الخط هشاً وقابلاً للتحول إلى الفجاجة، ولكن الاثنين، مع وجود صبحي منصور وإسماعيل فرغلي، يجعلونه الخط الأكثر حيوية.

آية سماحة وأحمد حاتم يستطيعان أيضاً حمل الخط الخاص بهما جيداً، فهما مناسبان جداً للشخصيات وهناك كيمياء تجمعهما، والأمر نفسه ينطبق على حاتم صلاح وجيهان الشماشرجي. ربما يكون الخط الأقل حظاً هو العروسين المسنين سيد رجب وانتصار: في الحقيقة لم يكن بمقدور أيهما أن ينقذه رغم الجهد الذي بذلاه.

أما فيما يتعلق بالخط الخامس فخالد كمال ممتاز في شخصية بسة، ولكن غير مناسب في أداء تعليق الديلر الحكيم.. وربما كان التعليق يحتاج إلى مزيد من المرح والسخرية، كما أن خط حبه القديم المتجدد مع دنيا ماهر غير جذاب أو مقنع.

هذا عمل يحمل بذرة فكرة جيدة تم أكلها قبل أن تنضج كفاية!

* ناقد فني

تصنيفات

قصص قد تهمك