أسد محمد رمضان..ماذا يفعل "كونتا كينتي" في القاهرة الخديوية؟ | الشرق للأخبار

"أسد" محمد رمضان.. ماذا يفعل "كونتا كينتي" في القاهرة الخديوية؟

time reading iconدقائق القراءة - 19
الملصق الدعائي لفيلم "أسد" للممثل المصري محمد رمضان - facebook/MR1
الملصق الدعائي لفيلم "أسد" للممثل المصري محمد رمضان - facebook/MR1

ربما لا يعرف كثيرون من جمهور الجيل الحالي الشهرة التي حققها المسلسل الأميركي ROOTS (الجذور) 1977، لكنهم دون شك سمعوا الإفيه الشهير لفؤاد المهندس في مسرحية "سك على بناتك" وهو يعاير زوج ابنته حنفي (الفنان الراحل محمد أبو الحسن) بأن فوزية (الفنانة الراحلة سناء يونس) بقوله: "رفضت كونتا كينتي، وقبلت الزواج به".

"كونتا كينتي" هو بطل مسلسل الجذور؛ المأخوذ عن رواية أليكس هيلي الأكثر مبيعاً، والمنشورة عام 1976، وشاب إفريقي يجري خطفه من بلدته، ليباع كعبد في أميركا خلال القرن الثامن عشر، ويتعرض لشتى ألوان التعذيب والهوان رفضاً للعبودية، محافظاً على اسمه الأصلي، ورافضاً الاسم الجديد الذي يطلقه عليه سيده القاسي الذي يقهره.

قد تبدو القصة مألوفة وربما مكررة، ويصلح نقلها إلى مصر في القرن التاسع عشر، وتحديداً عام 1840 كما ظهر في بداية فيلم "أسد" للممثل المصري محمد رمضان، إذ تتشابه وقائع اختطاف الأفارقة في تلك الحقبة سواء من الساحل الغربي المواجه للمحيط الأطلنطي، أو من الجهة الأخرى عند الحبشة والبحر الأحمر ومنابع النيل، حيث يوجد مجرى مائي يسهل معه نقل المختطفين من قراهم البدائية إلى الشمال، حيث الخديوية المصرية التي كانت لا تزال تتعامل بنظام الرق.

"كونتا كينتي" كان رمزاً للجلد والصبر والصلابة والقوة البدنية، ومن الناحية المجازية كان محاولة لرد الاعتبار للعرق الأسود الذي ساهم في بناء أميركا الحديثة خاصة عقب الحرب الأهلية التي اندلعت بالأساس بسبب قرارات إلغاء العبودية بين ولايات الشمال والجنوب، وعندما كتب ألكس هيلي روايته لم يكن قد مر عقد على حركة النشطاء السود سواء مارتن لوثر كينج، أو إلايجا محمد الذين حاربوا ضد قوانين الفصل العنصري بين البيض والملونين في بلد الأحلام!

الجيل الذي شاهد المسلسل ربما يشعر بأن ثمة مقاربة واضحة بين العبد "أسد" المخطوف من قريته في الحبشة؛ والمباع في القاهرة في منتصف القرن التاسع عشر، و"كونتا كينتي" المخطوف من جامبيا والمباع في الولايات المتحدة.

البدايات تقريباً واحدة؛ التعميد بالطبيعة والحياة وسط العائلة الآمنة قبل الاختطاف، وجحيم البيع وفقدان الحرية.

"أسد" سمي بهذا الاسم ليس لأن محمد رمضان صاحب الأسماء الرنانة لشخصيات أفلامه ومسلسلاته، ولكن لأنه مشاغب؛ ولا ندري ما علاقة المشاغبة أو الرفض العنيف للبيع كعبد؛ بالأسد. 

أبيض وأسود

بعد 20 عاماً من اختطافه، يصبح "أسد" واحداً من عبيد نخاس معروف وصاحب سطوة ونفوذ يدعى محروس الحلبي، ويعاونه شاب مصري يدعى يكن؛ يملك حظوة ابن الأخ رغم أنه ليس كذلك؛ وهنا تأتي اللمسة المصرية المعروفة، يقع أسد في حب ابنة التاجر الشامية البيضاء الجميلة، والتي ينافسه يكن على حبها بالطبع، في حين أنها تحب العبد الأسمر الحنون.

لكن الأهم من المثلث العاطفي النمطي أن ثمة تأكيد على ثنائية الأبيض والأسود بشكل أميركي جداً في الحكاية، على اعتبار أن كل من هو أسود فهو بالضرورة عبد، وأن السادة سواء كانوا مصريين، أو من عرقيات أخرى هم من البيض، وهي مفارقة درامية تصلح لأن تكون محور صراع في مجتمع سكسوني أو آري، وليس في مجتمع سامي غالبيته من السمر، والبيض فيه معروف أنهم لا ينتمون أصلاً إلى البلد، ولكنها روح "كونتا كينتي" المجيدة التي تحلق في خلفية الفيلم المصري.

تستمر هذه الثنائية الساذجة طوال الوقت، فيكن وهو الشخصية الأكثر درامية في الفيلم هو ابن آمة سوداء، لكنه استطاع بطريقة ما أن يتخلص من هذا الماضي، وأن يتخذ أمه آمة له دون الإعلان عن أصله الأسود، بينما يحرص دوماً على إخفاء بشرته ببودرة بيضاء - لا نراها ولكنه يتحدث عنها دوماً مع أمه السرية - على اعتبار أنه لو اكتشف أحدهم أنه أسود، فسوف يفتضح أصله، وكأن كل المصريين السادة من البيض.

ثم يأتي رفض محروس الحلبي حفيده من ابنته المتمردة؛ لأنه أسود يحمل لون أباه الأصلي، وكأن المجتمع الذي يعيش فيه من الآريين أصحاب البشرة اللبنية الذي يسهل فضح أي عرق أو لون آخر وسطهم وتصنيفه أيضاً كعبد.

هنا نتساءل: من يظن صناع العمل أنهم يخاطبون؟ وهل تدور الأحداث بالفعل في مصر خلال القرن التاسع عشر، أو في مصر بالأساس؟ أم أنها مصر متخيلة في إطار يحاول أن يتمسح في خلطة تجمع بين الفانتازيا التاريخية والصوابية السياسية التي تمجد السود حتى على حساب الجغرافيا والتاريخ.

متى ومن؟

 تبدأ أحداث الفيلم في القاهرة عام 1840 كما يكتب على الشاشة حين يخطف "أسد"، ويباع في سوق النخاسة؛ ثم ننتقل بحكم المكتوب أيضاً بعد 20 عاماً، أي أننا في عام 1860 أو لنقل في بداية عصر الخديو إسماعيل، لكن السرد هنا يقدم لنا شخصية والي مصر دون تسميته، ويقدم لنا ولي عهد أيضاً كأمير عائد من أوروبا وأيضاً دون تسميته هو الآخر - من المفترض أنه الخديو توفيق- منتقلاً من التحديد الجغرافي والتاريخي إلى التجريد؛ على اعتبار أن حوادث الخطف حقيقية، ولكن قصة "أسد" وحكاية حبه وثورته هي حدوتة خيالية؛ لماذا هي خيالية؟ ليس فقط لأنها لم ترد بشكل صريح تاريخياً سواء في عصر إسماعيل وتوفيق؛ وهي العصور التي شهدت محاولات تحرير الرق ومبادرات العتق، وكللت بتوقيع مصر اتفاقية إنهاء الرق الأنجلوسكسونية عام 1877، لكنها خيالية لأن الصناع آثروا أن تتحول الحكاية إلى تجريد واضح بتجهيل شخصيات الوالي والأمير.

ثم تنتقل الأحداث إلى صراع بين حاكم دكتاتور، يرغب في الاحتفاظ بولي عهده بجانبه، فيوافق على فرمان سامي بمنع تجارة الرقيق، ولكنه لا ينفذ بشكل حقيقي، فيلجأ ولي العهد إلى تنفيذه بالتواطؤ مع واحد من العبيد المتمردين حد الثورية - سبارتاكوس المصري - لكي يقاوم نفوذ النخاسين، ويجبر الأب الوالي على تنفيذ قرار منع الرق، أو ينتقم منه؛ لأنه حرمه حبيبته الأجنبية.

نحن إذن أمام فيلم هجين؛ لا هو تاريخي ولا هو فانتازيا تاريخية، ولو أراد صناع الفيلم أن يكون فانتازيا لما ذكروا التاريخ في البداية، ووضعوا المتفرج أمام سؤال متى ومن.

متى حدثت ثورة العبيد؟ ومن هو الوالي وولي العهد؟

أزمة سؤال التاريخ أنها تكسر الإيهام لدى المتفرج، وتشوش على الحالة الشعورية والنفسية التي يتلقى الفيلم من خلالها، وهو ليس بالأمر الهين في سيكولوجية التلقي، فالوعي يرفض التصديق، لأن ثمة شيء ما غير مفهوم وغير مقنع، ناهينا عن ثنائية الأبيض والأسود التي أشرنا لها، والتي تمثل هي الأخرى جانباً من فقدان الاقتناع بحدة الصراع؛ بسبب اللون في مجتمع من الملونين بالأساس.

ولا يتوقف دور سؤال متى، ومن عند حدود النظرة التاريخية، لكنه يمتد إلى علامة الاستفهام الأخطر: لماذا؟

ما الذي يدفعنا في الحقبة الحالية إلى أن نعود لنحكي جانباً من قصة العبودية في مصر خلال القرن التاسع عشر؛ ونستعرض كيفية التنكيل بالعبيد الذين حاولوا أن يحصلوا على تذاكر الحرية في ظل نظام دكتاتوري قمعي دموي، يسحلهم ويخصيهم ويجمعهم في حظائر الحيوانات، ويطعمهم من أكل البهائم، ويقتلهم من باب القهر والعقاب وتسوية الحسابات.

ما هي الصلة التاريخية أو الإنسانية أو السياسية التي تربط بين تلك اللحظات القاتمة، سواء كانت خيالية أو حقيقية وبين اللحظة الآنية التي يعيشها المتفرج الآن؟ فحين تنقطع الصلة بين التاريخ والحاضر تتحول الحكايات إلى حدوتة قبل النوم، إذ ينكمش الأطفال خوفاً من الأشرار، ثم يفرحون مع انتصار الأخيار، وينامون قريري الأعين، لكن الدراما تختلف عن قصص الصغار؛ إذ تصنع جسراً بين الماضي والآني؛ وهو الجسر الذي يمنح الحكاية التاريخية سواء موثقة أو خيالية قيمتها، وصلابتها الفكرية، وتأثيرها النفسي على المتلقي، خاصة مع هذا الكم من الميلودراما والدم والجثث، والتي لا يسهل معها أن نصفها بأنها سردية مسلية؛ وإلا كنا ساديين نهوى مشاهد الطعن والبتر والخصاء وقطع الرؤوس وفقء العيون والمذابح الجماعية.

الحرية الحمراء

 في عام 1995 قدم الممثل والمخرج الأميركي ميل جيبسون ملحمته الشهيرة BRAVE HEART (قلب شجاع) التي جاءت ضمن مشروعه عن مناقشة سؤال الحرية الذي ظل مهموماً به لسنوات، والذي بدأه بحرية الوطن من المحتل؛ متناولاً قصة الثائر الأسكتلندي ويليام والس ضد الاحتلال الإنجليزي لبلاده، وثمرة حبه المستحيل مع زوجة ولي العهد المثلي، وتمرده المسلح الذي انتهى بإعدامه وهو يصرخ (حرية) رافعاً يده التي تذكرنا ببيت أمير الشعراء أحمد شوقي "وللحرية الحمراء باب بكل يد مضرجة يدق".

وفي نهاية فيلم "أسد" بعدما يستعيد العبد الثائر ثمرة زواجه السري من ابنة النخاس البيضاء، يرفع يده المضرجة بالدماء بتذكرة الحرية، بعدما أمر الوالي جنوده بقتل العبيد الذين يقررون تسليم أنفسهم ليتم عتقهم بناء على رغبتهم لا بناء على أوامر السادة أو السلطة.

المقاربة هنا واضحة، لكن جيبسون استكمل مشروعه عن سؤال الحرية في أفلامه التالية؛ The Passion of the Christ (آلام المسيح) 2004 وسؤال حرية العقيدة، و Apocalypto إنتاج 2006 عن الصراعات الداخلية بين أبناء الأرض الواحدة التي تضعفهم أمام المحتل الخارجي، أما "أسد" فرغم أنه لم يتمكن من ربط الماضي بالحاضر، إلا أنه حاول أن يطرح سؤال الحرية من زاوية هل هي منحة أم اختيار؛ وذلك في خطبة عصماء يلقيها "أسد" في كهفه على مجموعة العبيد الذين يقود ثورتهم ضد نظام النخاسة.

مرة أخرى يعود سبارتاكوس قائد ثورة العبيد في فيلم Spartacus: le sang des gladiateurs (سبارتاكوس: غناء المصارعين) للمخرج والمنتج الأميركي ستانلي كوبريك الشهير ليطرق أذهاننا، وفي الحقيقة فإن سؤال هل الحرية منحة أم اختيار هو سؤال حضاري ووجودي عميق وملهم، لكنه في تجربة الأخوة دياب - محمد وخالد وشيرين دياب كُتاب الفيلم ومخرجه - يغرق وسط حمامات الدم، والميلودراما الفاقعة وقصة الحب التقليدية الخاملة، بل إن شخصية "أسد" نفسها هي علامة استفهام مكررة وتقليدية لهذا السؤال.

ربما تكمن مشكلة "أسد" في كونه فيلم تجاري بطولة نجم استهلاكي شهير يحاول أن يجمع بين الأكشن والفانتازيا التاريخية غير المهندمة، وبالتالي تأتي الدراما في المقام الثاني أو الثالث بعد سطوة النجم ولمعة الإنتاج الباذخ والإبهار التقني المعلن في مختلف العناصر.

وعلى ما يبدو أن صناع الفيلم لم ينتبهوا إلى أن الدراما الأكثر قوة وتعقيداً تكمن في شخصيتين جذابتين جداً؛ الأولى هي يكن، في صراعه السيكوباتي ضد كونه ابن آمة سوداء، وفي الوقت نفسه يتاجر في الرقيق لينتقم من كونه ابن واحدة منهم بسادية رهيبة، والثاني هو مقابل يكن، عوض ابن محروس الحلبي غير الشرعي من وردة جاريته السمراء التي تحب سيدها، وتخفي على ابنها سر أبيه، كما تخفي أم يكن سر يكن عن الجميع، ربما حتى عن نفسها؛ الأول مصاب بعقدة الأم والثاني مصاب بعقدة عنترة بن شداد - ابن الجارية السوداء الذي رفض أبوه الاعتراف به - كلتا الشخصيتين على ثراء خلفياتهما وتعقيداتهما كانا أشد جاذبية بكثير من شخصية "أسد" بخلفيته التقليدية ورحلته المتوقعة ونهايته المستوحاة من الفيلم التسعيناتي الشهير.

سؤال الحرية يتجلى أكثر لدى كل من يكن وعوض بما يفوق تجليه في خطبة أسد، أو محاولاته أن يجعل العبيد المتمردين معه سادة قرارهم بالتسليم أو المقاومة، أي قبول منح الحرية لهم أم انتزاعها غصباً.

الغريب أن إمساك "أسد" تذكرة الحرية الممنوحة له من قبل شيخ الحارة عندما ذهب ليحصل على عتقه الرسمي؛ يمنحنا شعوراً بأنه يهدم قضيته، فلو أن فلسفته قائمة على انتزاع الحرية كما شاهدنا في معاركه الكثيرة؛ فلا معنى من كونه يمسك بتذكرة الحرية؛ لأنه يرى أن النظام ليس له الحق في عتقه؛ وأن حريته مكتسبة وليست ممنوحة، ولكنه تأثير "قلب شجاع" غالباً.

والطريف أن "أسد" خلال معاركه العديدة شاهدناه يرتدي كتلة هائلة من الجنازير الحديدية حول صدره وخصره؛ وهي تفصيلة ربما تخص محمد رمضان الذي يحب الظهور بشخصيات ذات هيئة مميزة، سواء اتسقت مع الدراما أم لا، لكنها دون شك لا تخص شخصية أسد في شيء.

فمن الناحية الواقعية أي من باب الأكشن، ما الذي يدفع شخصاً متسللاً يشن هجمات خاطفة أن يرتدي كل هذه السلاسل الثقيلة التي تحد حركته، وتجعله يجلجل مثل الحية ذات الجرس، وتعوق اشتباكه في المواجهات الجسدية والمبارزات؟ ومن الناحية المجازية؛ ما الذي يدفع عبداً متمرداً رافضاً للقيود والخضوع والسلطة أن يحيط جسده بهذا الكم الهائل من رمز العبودية؟ أليس من المنطقي أن يكره السلاسل، ولا يطيقها كما نراه بالفعل في مشهد رمزي يحمي فيه الكير على جنزير حديدي حتى يلتهب، ثم يطرقه بشدة حتى ينكسر، كاستعارة لفكرة رفض القيود والتحرر، لماذا إذن نراه مرة ثانية مرتدياً كل هذا الكم من رموز العبودية التي تفسد المجاز، وتثقل الحركة وتسبب الضحك؟

لمن هذا الأسد؟

كنتيجة طبيعية لتوافر رأس مال ضخم وباذخ للإنتاج تبدو العناصر الخاصة بالصورة والمؤثرات وتصميم شريط الصوت والملابس والإكسسوارات كلها في حالة من القوة والنضج والبريق والجاذبية، وكنتيجة طبيعية لخبرة محمد دياب كمخرج والمتراكمة عبر سنوات وتجارب مختلفة وجريئة خرج "أسد" بصرياً في إطار من التماسك وإتقان الحركة والمونتاج؛ لكن الأزمة ربما في أننا اعتدنا على مستوى متواضع للأفلام المصرية خلال الحقبة الأخيرة في ما يتعلق بالجانب التقني والإخراجي، خاصة في التجارب الاستهلاكية سريعة الذوبان من الذاكرة، وبالتالي تبدو الأفلام ذات البصمة الإنتاجية القوية أو اللمعة التقنية والإخراجية الجذابة إنجاز يستحق الاحتفاء، وهي واحدة من مآسي صناعة السينما في مصر، فالطبيعي والبديهي أصبح هو الاستثناء والمختلف.

أضف إلى هذا أن إصرار المخرج على أن تتحدث الشخصيات باللهجة المصرية، رغم كونها تنتمي لعرقيات وجغرافيا مختلفة؛ خلق حالة من الهزال الأدائي الفج، وغير المبرر، فلدينا شخصيات شامية مثل حبيبة أسد وأبيها (رزان الجمال وكامل الباشا) لا نسمعها تتحدث بلهجتها، وحتى محمود السراج في دور خادم الوالي، وإسلام مبارك في دور وردة عشيقة النخاس الحلبي، وكلاهما من السودان لا يتحدثان بلهجتهما أيضاً.

أولاً: من المعروف أن المجتمع المصري ظل حتى منتصف القرن العشرين متعدد الجنسيات، وبالتالي كانت العرقيات تتحدث بألسنتها العادية، ويكفي أن نسمع أغنية "بوخمار خنفشار" لسيد درويش كي ندرك هذا، والأزمة ليست فقط في منطقية البيئة التاريخية، ولكن في الأداء تحديداً، فالممثلون لا يبدون طبيعيين، وهم يتحدثون باللهجة المصرية؛ أداء بطيء وثقيل كأن ألسنتهم مربوطة؛ يفتقدون الحيوية والسلاسة والعفوية والانفعال المؤثر والحامي؛ كأنهم يحولون الحوار في أذهانهم من لهجتهم إلى اللهجة المصرية قبل أن ينطقونه؛ وهو ما يصنع حالة تأخير في ظهور الانفعال؛ أو بمعنى أدق عدم مزامنة، فالحوار لا يزامن الانفعال والملامح على عكس الممثلين المصرين مثل علي قاسم في دور يكن مثلاً، منتهى الطبيعية والانفعال المؤثر لشخصية سيكوباتية يؤديها ممثل موهوب يتحدث بلهجته، ويزامن بين ملامحه ونطقه.

حتى مصطفى شحاته نفسه الممثل السوداني الرائع الذي توحدنا معه في "ستموت في العشرين" ورغم أهمية وقوة شخصية عوض التي قدمها، إلا أن اللهجة ظلت توثقه إلى قاع أدائي يتناقض مع كونه أصبح أكثر نضجاً وقوة بعدما تقدم من المراهقة إلى الشباب!

وأخيرا تجدر الإِشارة إلى سؤال إلزامي: ما هي الشرائح التي يتوجه لها فيلم "أسد"؟ هل هو جمهور محمد رمضان الذي لم ينصفه سينمائياً من قبل، أم جمهور الكبار الذي يبحث عن تجربة سينمائية مختلفة؟ لكنه دون شك سوف يتعثر في تقبل النوع أو نمطية الحكاية.

هل هو جيل زد الذي يتعامل باستخفاف وعبثية مع كل ما هو تاريخي أو تراثي؟ ناهيك عن مدة الفيلم التي تقارب 3 ساعات، وهو ما يتعارض مع أزمة التلقي السريع الذي تدربت عليه عقول هذا الجيل بسبب المقاطع القصيرة، ربما يجذبهم الأكشن، وتسعدهم رائحة العنف؛ لكن هل سيصل إليهم سؤال الحرية؟ والذي لم تكرس له الدراما سوى خطبة عابرة.

الفيلم بالطبع لا يصلح للمشاهدة العائلية مع الكم الهائل من مشاهد الدم الصريحة، وسيكون من الغريب أن يصرح له بالعرض العام، لأن به لدينا مشاهد تصل إلى حد الخصاء العلني على الشاشة لشخصية "أسد نفسه"، في مسلسل الجذور يقطع السيد الأبيض قدم "كونتا كنتي" كي يتوقف عن الهرب، لكن في مصر تمتد السكين إلى أعضاء أكثر حساسية بحكم الحمية الشرقية.

من الصعب أيضاً تصور أن الثنائيات يمكن أن تتمدد راحتها الشعورية أثناء مشاهدة الفيلم، فرغم قصة الحب الرومانسية نسبياً بين رزان ورمضان، فهي في النهاية قصة مكررة، ولا تحمل أي اتصال مع الحاضر ولا أي جديد في ما يتعلق بكونها تحققت رغم فارق اللون والطبقة.

فهل سيلتهم "أسد" إيرادات موسم عيد الأضحى بدمويته وبريقه البصري؟ أم سيتآكل بفعل فقدان الأصالة وميوعة الدراما وخفة العمق؟ وإلى أي مدى سوف يدفع ثمن شح التأثير الشعوري وخفوت النبض الفكري الذي من المفترض أن يبقى أثره بعد أن تزول سكرة الصورة اللامعة؟.

*ناقد فني

تصنيفات

قصص قد تهمك