
في تصريحاته الترحيبية بالرئيس الأميركي دونالد ترمب، استشهد الرئيس الصيني شي جين بينج بمؤرخ يوناني قديم معرباً عن أمله في أن تتجنب الولايات المتحدة والصين الصدام، قائلاً إن "التاريخ والعالم وشعوبه يتساءلون عما إذا كان بإمكان البلدين تجاوز فخ ثوسيديدس (Thucydides Trap) وبناء نموذج جديد للعلاقات بين القوى العظمى".
وشدد الرئيس الصيني على أن "المصالح المشتركة أكبر من الخلافات، وضرورة أن تكون بكين وواشنطن شركاء وليس خصوماً، والبدء من الطريق الصحيح للتعامل مع القوى الكبرى في عصر جديد"، كما طرح عدة تساؤلات منها، هل تستطيع الصين والولايات المتحدة تجاوز هذا الفخ وابتكار نموذج جديد لعلاقات القوى الكبرى؟
وثوسيديديس، هو مؤرخ يوناني كتب عن الحرب البيلوبونيسية بين أثينا وإسبرطة (431-404 قبل الميلاد)، حيث أشار إلى أن صعود أثينا، والخوف الذي أثاره هذا الصعود في إسبرطة، جعل الحرب حتمية.
ومصطلح "فخ ثوسيديدس" يعد شائعاً في دراسات السياسة الخارجية، إذ يشير إلى فكرة أنه عندما تهدد قوة صاعدة بإزاحة قوة قائمة، غالباً ما تكون النتيجة "حرباً"، لكن في العصر الحالي يتداول المفهوم السياسي في إشارة إلى صعود الصين وقلق الولايات المتحدة.
والسؤال المحوري حول النظام العالمي لهذا الجيل، هو ما إذا كان بإمكان الصين والولايات المتحدة الإفلات من هذا الفخ، إذ يذكر تشبيه المؤرخ اليوناني بالمخاطر المصاحبة، عندما تنافس قوة صاعدة قوة حاكمة، كما تحدت أثينا إسبرطة في اليونان القديمة، أو كما فعلت ألمانيا مع بريطانيا قبل قرن من الزمان، بحسب مجلة The Atlantic.
هل تقترب أميركا والصين من الحرب؟
انتهت معظم المواجهات التاريخية بين القوى الصاعدة والقوى المهيمنة بنتائج كارثية على الجانبين. ويرى مراقبون أن الصين والولايات المتحدة قد تسيران في مسار مشابه، رغم أن أياً منهما لا يرغب في حرب مباشرة. فخلال الأعوام الـ500 الماضية، شهد التاريخ 16 حالة مشابهة لصعود قوة جديدة تنافس قوة مهيمنة، انتهت 12 منها بحروب.
ومع صعود الصين المتسارع وتمسك الولايات المتحدة بموقعها العالمي، في ظل تعهد شي وترمب بجعل بلديهما "عظيمين مرة أخرى"، تتزايد المخاوف من أن تتحول المنافسة بينهما إلى مواجهة أوسع.
ويحذر محللون من أن أي نزاع تجاري أو هجوم إلكتروني أو حادث عسكري في البحر قد يتطور سريعاً إلى صراع شامل، ما لم تتراجع بكين عن بعض طموحاتها الاستراتيجية أو تقبل واشنطن بتراجع نفوذها في منطقة المحيط الهادئ.
وفي كتابه "مصير الحرب"، يشرح الباحث البارز في جامعة هارفارد، جراهام أليسون، لماذا يُعد كتاب "فخ ثوسيديدس" أفضل منظور لفهم العلاقات الأميركية الصينية في القرن الـ21.
ومن خلال مقارنات تاريخية مذهلة وسيناريوهات حرب، يُبين مدى قربنا من ما لا يُمكن تصوره، ومع ذلك، يُشدد أليسون على أن الحرب "ليست حتمية"، ويكشف أيضاً كيف حافظت القوى المتصارعة على السلام في الماضي، وما هي الخطوات الصعبة التي يجب على الولايات المتحدة والصين اتخاذها لتجنب الكارثة.
الصين وسياسة "الاختباء والترقب"
ولفت أليسون إلى أن التحدي الجيوسياسي الأبرز في هذا العصر ليس المتطرفين العنيفين، ولا عودة روسيا للظهور بقوة، بل هو تأثير صعود الصين على النظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة، والذي وفر للقوى العظمى سلاماً وازدهاراً غير مسبوقين على مدى الأعوام الـ70 الماضية.
وأوضح أنه عندما بدأ الرئيس الصيني دينج شياو بينج (بين عامي 1978 و1992) مسيرة بلاده السريعة نحو السوق، أعلن عن سياسة عُرفت باسم "الاختباء والترقب"، وما كانت الصين في أمس الحاجة إليه في الخارج هو الاستقرار والوصول إلى الأسواق.
لكن مع وصول شي جين بينج إلى الحكم، انتهى عهد "الاختباء والترقب"، بعد مرور ما يقرب من 3 سنوات من ولايته التي تمتد 10 سنوات، أذهل شي زملائه في الداخل والمراقبين للشأن الصيني في الخارج بالسرعة التي تحرك بها وجرأة طموحاته.
وأوقف شي التوجه نحو الديمقراطية بإعادة تأكيد احتكار الحزب الشيوعي للسلطة السياسية، وحاول تحويل محرك النمو الصيني من اقتصاد يركز على التصدير إلى اقتصاد مدفوع بالاستهلاك المحلي.
أما على الصعيد الخارجي، فقد انتهج سياسة خارجية صينية أكثر فاعلية تتسم بحزم متزايد في سبيل تعزيز مصالح البلاد، وبينما تستحوذ الصحافة الغربية على قصة "التباطؤ الاقتصادي في الصين"، يتجاهل الكثيرون حقيقة أن معدل النمو المنخفض في الصين لا يزال أكثر من 3 أضعاف معدل النمو في الولايات المتحدة.
تباين الأداء الاقتصادي
وغاب عن بال العديد من المراقبين خارج الصين التباين الكبير بين الأداء الاقتصادي للصين وأداء منافسيها على مدى السنوات الـ7 التي تلت الأزمة المالية لعام 2008 والركود الكبير، وتسببت تلك الصدمة في تعثر وتراجع جميع الاقتصادات الكبرى الأخرى تقريباً، أما الصين فلم تتوقف عن النمو لمدة عام واحد، إذ حافظت على معدل نمو متوسط يتجاوز 8%.
وفي الواقع، منذ الأزمة المالية، حدث ما يقرب من 40% من إجمالي النمو في الاقتصاد العالمي في دولة واحدة فقط: الصين.
وحلت الصين محل الولايات المتحدة كأكبر اقتصاد في العالم من حيث كمية السلع والخدمات التي يمكن للمواطن شراؤها في بلده (تعادل القوة الشرائية)، وما يسميه شي "الحلم الصيني" يعبر عن أعمق تطلعات مئات الملايين من الصينيين، الذين يرغبون ليس فقط في أن يكونوا أغنياء، بل أقوياء أيضاً.
وفي صميم العقيدة الحضارية الصينية، يكمن الاعتقاد بأن الصين هي "مركز الكون". ومن وجهة نظر بكين، تُستعاد الصين الآن إلى مكانتها اللائقة، حيث تفرض قوتها الاعتراف بمصالحها الجوهرية واحترامها.
وخلص أليسون إلى أن صعود حضارة عمرها 5000 عام ويبلغ تعداد سكانها 1.3 مليار نسمة، ليس مشكلة يمكن حلها، بل هو حالة مزمنة تتطلب إدارة مستمرة على مدى جيل كامل.
ولن يتطلب النجاح مجرد شعار جديد، وقمم أكثر تواتراً للرؤساء، واجتماعات إضافية لفرق العمل الوزارية، بل إن إدارة هذه العلاقة دون حرب ستتطلب اهتماماً مستمراً في كلا البلدين، وسيتطلب ذلك فهماً متبادلاً عميقاً لم نشهده منذ محادثات جمعت السياسيان الأميركي هنري كيسنجر والصيني تشو إنلاي في سبعينيات القرن الماضي.











