
يشهد المؤتمر العام لحركة التحرير الفلسطينية "فتح"، تنافساً شديداً على مقاعد الهيئات القيادية للحركة، فهي في نظر الكثيرين طريق مهم للوصول إلى المناصب القيادية العليا في السلطة الفلسطينية، وفي منظمة التحرير، بما فيها من امتيازات كثيرة.
وينظر إلى انتخابات "فتح"، على نطاق واسع، على أنها ستحدد إلى حد كبير مسار خلافة الرئيس محمود عباس الذي تجاوز التسعين من عمره.
وتشير المعلومات الواردة من المؤتمر المنعقد على مدار ثلاثة أيام، من الخميس إلى مساء السبت، إلى وجود عشرات المرشحين على عضوية الهيئة القيادية الأولى للحركة، وهي اللجنة المركزية، ومئات المرشحين على مقاعد الهيئة القيادية الثانية، وهي المجلس الثوري.
وانتخب المؤتمر بالإجماع الرئيس محمود عباس رئيساً للحركة، فيما ينتخب، السبت، باقي أعضاء اللجنة الـ18، وأعضاء المجلس الثوري الـ80.
تحولات جوهرية
وشهدت حركة "فتح"، التي تأسست في عام 1965، كحركة تحرر وطني للعمل على تحرير فلسطين، تحولات جذرية بعد التوصل إلى اتفاق أوسلو مع إسرائيل عام 1993، وتأسيس السلطة الفلسطينية على 40% من مساحة الضفة الغربية وقطاع غزة، كحل مؤقت لمدة خمس سنوات، يجري خلالها التفاوض على الحل النهائي في القضايا الجوهرية للصراع، وهي الحدود، والقدس، واللاجئين، والأمن، والمياه.
وفشلت المفاوضات جراء رفض الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة الموافقة على قيام دولة فلسطينية على كامل الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية، وانحسر عمل السلطة في صلاحيات الحكم الذاتي المحدود التي حصلت عليها في اتفاق أوسلو، وتحولت إلى سلطة بيروقراطية تعاني الكثير من المشكلات الناجمة عن محدودية المصادر، وشيوع المحسوبية وبعض مظاهر الفساد، وغياب المساءلة.
وتعمقت أزمة السلطة الفلسطينية بعد نشوء صراع عليها بين حركتي "فتح"، و"حماس" عقب الانتخابات العامة الأخيرة التي جرت في عام 2006، والتي فازت فيها "حماس" التي لجأت، إثر ذلك، إلى السيطرة على قطاع غزة بالقوة المسلحة، ما أدى إلى توقف الانتخابات العامة، وانهيار المؤسسات الديمقراطية، خاصة البرلمان، وتحول الحكم إلى فردي الطابع.
ومع فشل العملية التفاوضية مع إسرائيل، لجأت حركة "فتح" في عام 2000 إلى تفجير انتفاضة شعبية بهدف إجبار الأخيرة على قبول المطالب الفلسطينية، شاركت فيها معظم أجهزة السلطة الأمنية والمدنية، إلى جانب نشطاء وكوادر وقيادات الحركة الذين تعرض المسؤول الأول فيهم، وهو الرئيس ياسر عرفات لحصار حتى الموت في مقره في رام الله، فيما اعتقل القادة الميدانيون للانتفاضة خاصة مروان البرغوثي، وعدد كبير من رفاقه.
التحول إلى "بيروقراطية الحكم"
أدى تحول قيادات وكوادر، والكثير من أعضاء الحركة إلى موظفين في الجهاز الحكومي بشقيه المدني والأمني إلى تحولات تدريجية في الحركة من حركة تحرر إلى حزب حاكم.
وبعد انتهاء الانتفاضة الثانية بالتزامن مع رحيل ياسر عرفات، تولى الرئيس محمود عباس رئاسة السلطة في عام 2005، ومعه تعمق تحول الحركة من حركة تحرر إلى حزب حاكم للسلطة.
ورغم الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، التي تشهدها القضية الفلسطينية جراء الحرب المدمرة على قطاع غزة التي وصفت بـ"إبادة جماعية"، تعمق الاستيطان والضم في الضفة، والحصار المالي الإسرائيلي المفروض على السلطة، الذي تركها عاجزة عن دفع رواتب موظفيها، وهي الأزمات التي هيمنت على نقاشات المؤتمر، إلا أن المشاركين لم يبحثوا عن مسار آخر للحركة غير القائم.
وقال أعضاء في المؤتمر، إن جوهر أعماله يتركز على التنافس على مقاعد الهيئات القيادية، وليس على البرنامج السياسي.
وقال عماد الأصفر، وهو أحد أعضاء الفريق الإعلامي للمؤتمر، إن "التنافس في الحركة يتركز على المواقع القيادية، وليس على البرامج بسبب الانسجام الفكري والسياسي بين الأعضاء، وعدم وجود تيارات سياسية وفكرية".
وأضاف: "في مؤتمرات الحركات والأحزاب الانتخابات والبرامج مهمة، لكن في فتح الانتخابات أكثر أهمية، لأن برنامج الحركة ثابت لا يتغير سوى بصورة طفيفة".
أزمة قيادة
وفيما اعتبر بعض المراقبين تنافس عدد كبير على المقاعد القيادية دليلاً على وجود أزمة قيادة، وعدم رضا عن القيادة الحالية، اعتبرها البعض الآخر دليل حيوية، وانفتاح على الأجيال والمبادرات.
وقال عماد الأصفر، إن "التنافس الواسع، رغم ما يدل عليه من حيوية للحركة، إلا أن له أثار سلبية منها تشتت أصوات المتنافسين الجدد، ما يتيح للحرس القديم فرصاً أفضل لتعزيز مواقعهم".
ويشكل الوصول إلى مراكز قيادية في الحركة، فرصة للوصول إلى مراكز قيادية كبيرة في السلطة، وفي منظمة التحرير. ورئيس حركة "فتح"، هو رئيس السلطة الفلسطينية، ورئيس منظمة التحرير الفلسطينية. وقادة وكوادر الحركة هم من يتولون قيادة الأجهزة الأمنية والمدنية والمؤسسات الحكومية.
وعمقت حركة "فتح" من تفردها في إدارة السلطة الفلسطينية بصورة كبيرة بعد الانقسام الفلسطيني، وتوقف الانتخابات، وحل المجلس التشريعي الذي كان يسن القوانين، ويمارس الرقابة على الحكومة وهيئاتها المختلفة.
القيادة الجديدة
وينظر على نطاق واسع إلى القيادة الجديدة، التي سينتخبها المؤتمر على أنها القيادة القادمة للسلطة الفلسطينية، خاصة أن الرئيس محمود عباس تجاوز التسعين من عمره.
واختار الرئيس محمود عباس عضو اللجنة المركزية حسين الشيخ نائباً للرئيس، ما يجعل من المؤتمر محطة اختبار جدية له. ففي حال حصول الشيخ على معدل عالٍ من الأصوات، فإن المؤتمر سيكرسه بقوة نائباً للرئيس، وفي حال حصول عدد من منافسيه على عدد أعلى من الأصوات، فإن ذلك سيعزز فرصهم لمنافسته، إلى جانب التنافس فيما بينهم على مواقع أخرى مهمة في السلطة والحركة والمنظمة.
مروان البرغوثي
ويشكل المؤتمر أيضاً محطة اختبار لقوة الأسير مروان البرغوثي في المنافسة على خلافة الرئيس. وعادة ما يحصل البرغوثي على الموقع الأول في انتخابات حركة "فتح"، وفي استطلاعات الرأي العام.
ويقول مراقبون إن حصول البرغوثي على أعلى الأصوات في هذا المؤتمر، سيكرسه مرشحاً محتملاً في أي انتخابات رئاسية مقبلة، من داخل سجنه، وسيجعل القيادة الجديدة تأخذ مكانته ودوره بعين الاعتبار في أي ترتيبات قادمة في مرحلة ما بعد الرئيس محمود عباس، وسيساعد في توفير ضغط دولي لإطلاق سراحه بعد أن رفضت إسرائيل الإفراج عنه في جميع صفقات تبادل الأسرى.










