
أكثر من 30 عاماً مرت على صدور فيلم Toy Story، أحد الانتاجات الأولى لشركة "بيكسار" لصناعة أفلام التحريك، وهو الفيلم الذي تحول نجاحه إلى ظاهرة، خاصة بعد صدور الجزء الثاني منه، الذي فاق الأول نجاحاً، والإثنان، مع أفلام أخرى مثل Monsters, Inc. بأجزاءه، دشنوا بيكسار كمنافس خطير لديزني، وكواحدة من أكبر مصانع أفلام التحريك على مر التاريخ.
أكثر من 30 عاماً، والذين كانوا أطفالاً حين صدر Toy Story صاروا آباءً وأمهات، رأيت بعضهم في الطوابير المحتشدة لمشاهدة الجزء الخامس Toy Story 5، معظمهم بصحبة أطفالهم، والقلائل منهم، ممن وجدوا الشجاعة الكافية داخلهم، جاءوا بمفردهم لاستدعاء سنوات الحنين الجميلة القديمة بصحبة أصدقائهم "وودي" و"باز لايتيير" و"جيسي" وبقية شلة اللعب التي كانت جزءاً أساسياً من طفولتهم.
أما بالنسبة للصغار، فقد مرت 7 سنوات على صدور الجزء الرابع Toy Story 4، 7 سنوات شهدت مزيداً من انتشار الأجهزة اللوحية pads والشاشات الصغيرة التي باتت في يد كل بالغ وطفل، وحلت محل الأصدقاء الحقيقيين والمتخيلين، وبالتأكيد محل الـtoys التي تكومت في الصناديق تحت أسرتهم أو فوق خزانات غرف نومهم.
لكن هذه "التويز" (واسمحوا لي باستخدام الكلمة الانجليزية لإنها ليس لها مرادف باللغة العربية، فلا "لعبة" ولا "دمية" ولا "عروسة" تعطي المعنى المناسب، كما أن الأطفال والكبار في معظم اللغات باتوا يستخدمون الكلمة الانجليزية).. هذه "التويز"، كما نعلم، تملك حياتها الخاصة، ومهما حاول الكبار اقناعنا بأنها مجرد بلاستيك وقماش، إلا أننا نعلم سرها، لإننا طالما تحدثنا إليها وسمعناها ورأيناها تتحرك وتضحك وتجري في طفولتنا.
لا أحد ولا شيء يمكنه أن يأخذ هذا الجزء داخلنا، حتى الأجهزة اللوحية التي استحوذت على عقولنا وأجسادنا وحولتنا إلى عبيد وأسرى: في لحظة ما، ستخرج اللعب من الأركان وتلاحظ الاكتئاب والتعب والعصبية التي صرنا عليها بسبب الأجهزة، وستبدأ في التهوين علينا وتذكيرنا بالأيام الجميلة التي قضيناها في اللعب معها، مطلقين لخيالنا ومشاعرنا العنان.. لحظتها، قد نلقي بالهواتف والأجهزة اللوحية جانباً، ونستعيد علاقتنا باللعب المهملة من جديد.
هذا غالباً ما يشعر به الكبار والصغار الذين انتقلوا إلى "العصر اللوحي" حين يشاهدون Toy Story 5 الذي يعود بقوة بعد مرور 7 سنوات على جزءه الرابع ليؤكد أن "التويز" لا تزال هناك في صناديقها في انتظار اللحظة التي نعود فيها إلى تذكرهم ونستعيد ساعات اللعب والمرح والمتعة الفنية الخالصة التي قضيناها بصحبتهم.
تجديد بيكسار
ينجح Toy Story في العودة من خلال الآتي: أولاً فن التحريك نفسه الذي برعت فيه بيكسار وأتقنته ودائما ما تضيف إليه وتطوره، ثانياً مخاطبة الذاكرة "الجمعية" لجمهور الفيلم، باستعادة الشخصيات والروح القديمة ولكن عبر منظور ومنشور للرؤية معاصر يضع في حسبانه التغيرات الهائلة التي حدثت على مدار العقود الثلاثة الماضية في مجال التكنولوجيا ولعب الأطفال، وكذلك في حياة وذاكرة جمهور الفيلم، وثالثاً من خلال حبكة تضع فيه هذه التغيرات، تحديداً، كموضوع أساسي للفيلم.
يلعب Toy Story 5 على مشاعر الحنين والشعور بالذنب والخوف من فقدان الطفولة والإحساس بضعف الحياة الحقيقية، مع تصاعد طوفان الواقع الافتراضي الذي غرق الناس فيه، وكادوا ينفصلون عن الواقع الملموس سواء كان الطبيعة أو البشر المحيطين بهم، أو كما تنبأ فيلم آخر تزامن عرضه مع Toy Story 2، في 1999، وتنبأ بما سنصل إليه من عبودية للكمبيوتر والواقع الافتراضي، وهو The Matrix، وقتها كان الفارق بين الفيلمين وجمهورهما كبيراً، أما الآن فيبدو أن حياة "التويز" وجمهوره قد اندمجت بعالم الماتريكس وجمهوره!
يدور Toy Story 5 حول فرضية الماتريكس التي أصبحت "الوضع الراهن" لحياتنا الحالية والمستقبلية والتي صارت فيها العقول الالكترونية تتحكم في كل مجالات حياتنا، وتسببت في مزيد من الاحساس بالاغتراب والاكتئاب حتى لدى الأطفال، ويبدأ الفيلم باللحظة التي تحدث الآن في كل بيت تقريباً، حين يقرر الكبار أن يشتروا لأطفالهم جهاز لوحي يساعدهم على النمو والتعلم واكتساب أصدقاء جدد، ولكن سرعان ما يكتشفون أن الجهاز اختطف أطفالهم كرهائن وأن من الصعب عليهم أن يستعيدوهم ويعيدونهم إلى الحياة "الطبيعية" مجدداً.
غزو الأجهزة اللوحية
هذا ما يحدث مع بوني، الطفلة ذات الثمانية أعوام، التي تشعر بالوحدة وافتقاد الأصدقاء بعد أن كبرت قليلاً على اللعب مع "التويز"، فيهديها أبواها جهاز لوحي يطلق عليه اسم ليلي باد"، علها تعثر من خلاله على بعض الأصدقاء. ولكن بوني تهمل لعبها وتغرق كلياً في الجهاز، وحتى عندما تكسب بعض الأصدقاء الحقيقيين وتذهب لقضاء ليلة معهم، يتبين أن كل منهم يقضي الليل منكباً فوق جهازه اللوحي غير متفاعلاً مع الآخرين، إلا على سبيل التنمر ببوني لإنها لم تزل تلعب بالدمى!
تزداد عزلة بوني ما يقلق "التوي" جيسي، التي كانت صديقتها المقربة حتى وقت قصير مضى، والتي تشغل حالياً منصب قائدة شرطة التويز بعد سفر وودي في مهمة لانقاذ حية التويز التي يتخلص منها الأطفال، أو التي تحاول الانتحار حزناً على اهمالها من قبل الأطفال!
تشتعل المنافسة بين اللوح ليلي و"التوي" جيسي على قلب واهتمام بوني، خاصة عندما تقوم الأخيرة بازاحة "التويز" إلى ركن بعيد، حتى لا يسخر منها الأطفال الآخرون، ومع عودة وودي يتكاتف الثلاثي جيسي ولايتيير وودي وبقية الشلة لاستعادة بوني، ومساعدتها على الحصول على صديقة حقيقية لها.
بعيداً عن الصراع الخيالي الذي يتمحور حوله الفيلم بين الأجهزة اللوحية و"التويز" فإن ما يرصده ويصوره Toy Story 5 بدقة هو الشعور بالعزلة والغرق في الواقع الافتراضي الذي يعاني منه الأطفال (والكبار) خاصة على مواقع التواصل الاجتماعي بمشاكلها ومخاطرها، وهو ما دفع بعض البلاد، كان أحدثها بريطانيا منذ عدة أيام، على اصدار قوانين بمنع استخدام الأطفال لمواقع التواصل قبل سن السادسة عشر!
يرصد Toy Story 5 المشكلة، والأهم أنه ينقل الاحساس بالخطر للمشاهدين، الكبار والصغار، ويحاول أن يرأب الصدع الذي جدث بينهم والواقع من جهة وبينهم و"التويز" من ناحية ثانية، ولكن الفيلم لا يمكنه المضي إلى مسافة أبعد من مجرد رصد المشكلة، ربما لإنها معقدة أكثر من اللازم، وربما لإن صناعه لا يملكون الجرأة اللازمة. يضع الفيلم يده على الجرح، فيؤلم، وينبه، ولكنه لا يخبرنا بالسبب ولا بطريقة معالجته.
يضيع الأطفال تدريجياً داخل الأجهزة اللوحية، ولكن على من يقع اللوم: الآباء والأمهات؟ أم الأطفال؟ أم القوانين والمؤسسات والشركات التي تتربح من وراءها؟
يترك الفيلم للمشاهد استنتاج الاجابة، ربما حرصاً على ألا يظلم أو يغضب أحداً، فالآباء والأمهات هم جمهوره الذين يصطحبون أطفالهم لمشاهدة الفيلم، والأطفال لا يمكن لومهم بالطبع فهم ضحايا أكثر منهم مذنبون، أما الشاشات فهي بضاعة الشركات التي أنتجت الفيلم والنظام الاقتصادي الذي تعمل هذه الشركات من خلاله، وتدر من وراءه المليارات، أو ربما، ببساطة أكبر، لأن صناع الفيلم، مثلنا جميعاً، لا يعرفون الإجابة!
بلاغة التحريك
ينقل الفيلم الاحساس بالاغتراب بلغة سينمائية بليغة، تؤكد من خلاله بيكسار على قدرة التحريك على خلق الإيهام والمزاج عن طريق الأشكال والألوان والحركة والصوت والموسيقى، ويبدو في لحظات عابرة معبرة مثل فيلم رعب عن غزو الكائنات الفضائية لعقول البشر.
لكن Toy Story 5 لا ينسى أنه فيلم ترفيه وتسلية وأن عليه أن يخفف هذا المزاج الجاد المثير للكآبة بالمرح والإثارة، لا يخلو الفيلم من كوميديا عائلة "التويز" المعتادة، ولا من المطاردات والمواقف الخطرة، كما لا ينسى مرور الزمن والأجزاء السابقة التي صنعت ذاكرة بعيدة في عقول معظم مشاهديه: لقد كبرت "التويز"، فصار وودي أصلع الرأس وله "كرش" صغير يتدلى من بطنه ويحاول اخفاءه، كما أن جيسي ولايتيير كبرا ويرغبان في تتويج علاقتهما بالزواج.
وحتى لا يستغرق العمل في موضوعه الجاد المتجهم يقوم صناعه بنسج خط فرعي يمتد على مدار الفيلم حول شحنة من "تويز" باز لايتيير تفقد في البحر وتجد نفسها في جزيرة وتسعى للعودة إلى الأرض، حيث تقودها نجوم السماء ونجوم ملابس لايتيير الأصلي إلى الانضمام للمغامرة.
من أجل هذا التشويق والمرح لا يتمهل الفيلم كثيراً ليبين كيف تتسلل الشاشات وتستحوذ على عقل وحياة المرء تدريجياً، ولذلك لا نرى قدر التحول الذي يحدث للأطفال ولا التأثير الذي تتركه الشاشات عليهم، بالرغم من أنه يوحي به بلقطات فنية قصيرة وتؤدي الغرض، ولكن في النهاية، وكما يحدث عادة في أفلام الأطفال، تجرى المصالحة بين الأضداد، فتتآلف "التويز" والأجهزة اللوحية معاً، ويساعدون بوني على اكتساب صديقة من لحم ودم، وتعم السعادة قلوب الصغار والكبار.. حتى وان كان ذلك يصعب أن يحدث في الواقع، وحتى لو بقيت الأسئلة الوجودية الصعبة تخيم بأشباحها في عقل وقلب المرء بعد مشاهدة الفيلم بساعات وأيام.
عصر النسخ المتعددة
ملحوظة أخيرة تتعلق بالأداء الصوتي للشخصيات: يعود كبار الممثلين مثل توم هانكس وتيم ألين وجوان كوزاك بأصواتهم المعهودة التي أحبها وتعلق بها المشاهدون في شخصيات وودي ولايتيير وجيسي (على التوالي)، كما تنضم إليهم جريتا لي في أداء شخصية الجهاز اللوحي ليلي، بجانب الأصوات القديمة والجديدة الأخرى.
من ناحية ثانية ارتبطت سلسلة Toy Story في مخيلة الجمهور العربي بأصوات نجوم عرب مثل يحيى الفخراني وأحمد بدير، ولكن النسخة الحالية تشهد أصواتاً جديدة مثل طارق إسماعيل وضياء عبد الخالق ونورهان حافظ (مع رحمة أحمد في دور ليلي)، ورغم الجهد الطيب والموفق بشكلٍ عام إلا أن من يعرفون ويحفظون الأجزاء القديمة قد يشعرون بالاستغراب من اختلاف أصوات الشخصيات.
وعلى أي حال رغم نجاح تقنية الأداء الصوتي Dubbing بلغات مختلفة التي تستخدمها أفلام التحريك منذ عقود، إلا أنها مربكة في الأعمال التي تتكون من أجزاء عدة ويتم تغيير أصوات الممثلين فيها، بجانب طبعا الارتباك الذي تتسبب فيه لمن يشاهدون هذه الأعمال بأكثر من لغة، وقد لاحظت هذه المشكلة مع الأطفال فبعضهم يتعلق بالنسخ الناطقة بالعربية بينما يتعلق بعضهم الآخر بالنسخ الناطقة بلغتها الأصلية، وجدير بالذكر أن دور العرض السينمائي تعرض كلا النسختين، في قاعات أو أوقات مختلفة، بجانب أن بعض النسخ عادية وبعضها الآخر ثلاثي الأبعاد، ما يزيد من الاختيارات والحيرة بين المشاهدين.
بالرغم من أن خط النسخ المتعددة للايتيير يبدو بعيداً عن الخط العام للفيلم، ولكنه يساهم في تجسيد الإحساس بفقدان الهوية والغرق في فوضى النسخ المتعددة التي صارت واحدة أخرى من سمات عصرنا، الفكرة ظهرت بالفعل في الجزء الثاني من Toy Story، ولكنها هنا تكتسب معنى وإحساساً أكثر واقعية.
مجرد ملحوظة للتأمل، غالباً ليس لها حل مثل انتشار الأجهزة اللوحية، وكلها من ظواهر العصر الذي تتضاعف فيه الاختيارات وتتزايد الاختلافات والجزر المنعزلة بين الناس!
* ناقد فني












