
مثل معظم الأفلام الشعبية التي صدرت في السنوات الأخيرة، ينتمي "صقر وكناريا" لنوعية الأكشن الكوميدي، الذي يسعى لتحقيق متعتين مترابطتين لجمهوره، خاصة الذكور: المتعة الأولى هي الإضحاك، الذي يتمحور كثير منه حول مفاهيم الرجولة المختلفة والعلاقات بين الرجال أو السخرية من النساء، والمتعة الثانية هي الاستعراض النرجسي لفحولة البطل، أو الأبطال، القادرين على حل أي مشكلة بأذرعتهم المفتولة ومسدساتهم المشهرة.
بعض هذه الأفلام، حسب أسماء نجومها، تميل إلى الأكشن أكثر، وبعضها يميل إلى الكوميديا، ويعتمد نجاح أي منها غالباً على مكونات ومقادير هذه الخلطة، وفقاً لمواصفات نجومها وسيناريوهاتها.
"صقر وكناريا"، على سبيل المثال، يحمل اسمي محمد إمام، الذي يقدم نفسه عادةً كبطل عضلات وسيم ذي حسٍ ساخر، وشيكو المتخصص في الكوميديا، وبالتحديد نمط الرجل المناقض لنمط رجل العضلات الوسيم، ويلعب الفيلم بالتحديد على المفارقة بين النمطين.
خيال أطفال
يبدأ "صقر وكناريا" على طريقة الكثير من أفلام الأكشن فائقة الفحولة في سجن ناءٍ (في أوزبكستان) محاط بعشرات الحراس المدججين بالسلاح، ويعج بعشرات المجرمين الخطرين الخارجين للتو من بطولة العالم في مصارعة المحترفين، ومن بينهم صقر (محمد إمام) بطل المهام الخاصة المرتزق، الذي يستطيع هزيمة الحراس والهرب، بمعاونة رئيسه يكن (خالد الصاوي) الذي ينتظره في سيارة بالخارج، والذي قام بتلغيم السجن المنيع وتفجيره في لحظة بعينها، وصقر البطل الجبار (كما كان يوصف سوبرمان على أغلفة مجلات الكوميكس العربية) لا يكتفي بالهرب بمفرده، ولكنه يصطحب معه سجينا آخر كان يرغب يكن في استعادته، ليقتله على الفور ويبحث في جثته عن شريحة عليها معلومات خطيرة، تتصارع عليها عصابات المافيا العالمية.
خيال أطفال، سرعان مايتبع بخيال أكثر طفولية من خلال تجسيد لمشهد من رواية يكتبها مؤلف القصص البوليسية بلال (شيكو)، ضمن سلسلة يكتبها حول عميل سري خارق اسمه ممدوح كناريا، يؤدي دوره في القصص المتخيلة شيكو نفسه.
كناريا، أو بلال، يهزم جيشاً بمفرده، في أدغال كمبوديا (سوف يتنقل الفيلم لاحقاً بين بلاد ومدن أخرى مثل جورجيا ولندن وبرلين، حيث تحقق هذه المسحة السياحية متعة إضافية)، ويحظى في نهاية مغامرته بعميلة روسية فاتنة اسمها ناتاشا، يبادلها الحب، قبل أن يفيق من حلمه على دخول الخادم مكتبه.
بلال كاتب فاشل، رواياته فاشلة، وناشره لا يرغب في نشرها، ومع ذلك له مكتب ومساعد وناشر ويعيش حياة مرفهة في "كومباوند" فاخر مع زوجته الجميلة ليلى (يسرا اللوزي) وابنه وابنته.
بلال هو أيضاً أب فاشل بسبب أوهامه المفرطة عن نفسه، إذ يتدخل عن جهل في حياة ابنه، حتى في مباريات السلة بالمدرسة، ما يتسبب في سخرية زملاء الابن ومدربه من أبيه.. باختصار: إذا كان صقر نموذج للرجل المثالي المستوحش، فإن بلال كتلة من الحماقة المستأنسة.
من الغابة إلى الكومباوند
تبدأ المسافة بين البطلين في الاقتراب عندما يقرر صقر، مثل 99% من أبطال أفلام الأكشن، اعتزال الاجرام والعيش مثل بقية الناس ولكن يكن الشرير يرفض اعتزاله، ويخبره بأن هناك الكثيرين يتربصون به وينتظرون أي خطأ منه، وهو ما سيحدث بالفعل بعد قليل، عندما تربطه الأقدار ببلال.
يسكن صقر (الذي سمى نفسه شاهين) في فيلا مجاورة لبيت بلال، ويتحمل سخافاته وحماقاته لسبب واحد هو الحب، إذ يقع صقر/ شاهين في غرام فرح (يارا السكري) شقيقة ليلى الصغرى.
وفرح ترفض محاولات أمها (انتصار) المتكررة لتزويجها من رجل محترم، وتفضل التسكع مع شاب يتبين أنه نصاب (أحمد الأزعر)، وهو خط درامي يطول ويتمدد بلا داعٍ، فلا هو مضحك، ولا مفيد للخط الرئيسي، ويبدو أن سبب وجوده الوحيد هو محاولة إقناعنا بالصداقة التي تربط صقر وبلال، ومحاولات الأول المستميتة للتقرب من فرح. ولكن كلما حاول، زادت دهشتنا، فلا فرح (ولا الممثلة التي تؤدي دورها) تتمتع بجاذبية أو شخصية تقنع المشاهد بأن صقر، الذي لف الدنيا وعرف كل أنواع النساء، يمكنه أن يقع في غرام فتاة مثلها، تنفخ شفتيها وتغمر وجهها تحت طيات من الماكياج.
وحتى على الورق، فإن مواقف وأحداث السيناريو ليس فيها ما يقنع المشاهد، ولو نظرياً، بهذا الحب الغامر الذي يجعل صقر يغامر بكشف شخصيته، ومن ثم تعريض اعتزاله وحياته كلها للخطر، لاقناع بلال بالتوسط له لدى فرح! ولكن ليس هكذا تورد الابل في أفلام الأكشن، ولا مع هذا النمط من الشخصيات الـ"جيمس بوندية".
عصابات على كل لون
بالتوازي مع خط "الروم-كوم"، أو الرومانتيك كوميدي، العاطفي، يتضح أن السجين الذي قتله يكن في بداية الفيلم له شقيق اسمه أنس، زعيم عصابة لبناني، يبحث عن قاتل أخيه والشريحة التي كانت مزروعة في جسده، وفي الوقت نفسه هناك عصابة أخرى يابانية، تبحث عن الشريحة أيضاً.
وبالطبع لا تسأل عما تحتويه هذه الشريحة العجيبة، ولماذا ينبغي حفظها في منطقة حساسة من الجسد مع أنه كان بالإمكان رفعها على "الكلاود" والتخلص من أي وجود فيزيائي لها، وكيف استطاع جهاز كشف معادن صغير بحوزة يكن أن يرصد مكان الشريجة بينما لم ترصدها أجهزة وبوابات كشف المعادن في السجن المنيع، ولماذا تستميت كل عصابات العالم في الحصول عليها، فالفيلم لا يكلف نفسه حتى باختراع سبب من باب احترام عقلية المشاهد.
يسير الفيلم في خطين متوازيين، خط العصابات المتصارعة، وخط صقر بعد أن تحول إلى شاهين، الرجل الطيب الذي تقع في حبه كل نساء الكومباوند، وعلى رأسهم أم وزوجة بلال، والذي يتبين أنه خباز وحلواني عالمي، يجيد كل شيء تقريباً على عكس بلال الفاشل في كل شيء.
ويلتقي الخطان عندما يقرر صقر/ شاهين أن يساعد بلال بالقضاء على عصابة لصوص يقتحمون أحد المتاجر، وترك الناس يعتقدون أن بلال هو من قضى عليهم، فيتحول بلال إلى بطل شعبي في يوم وليلة، وتقفز مبيعات رواياته إلى السماء، ويبجله ابنه، ولكن العصابة اللبنانية تعتقد أنه العميل المتخفي، فترسل عدداً من رجالها لقتله، وههنا يلتقي الخطان أخيراً، إذ يتمسك صقر بصداقة بلال ويدافع عنه، بل يدربه على استخدام الأسلحة، وينجح الاثنان معاً في مواجهة العصابات الدولية.
ولكن بين الخطين الرئيسين يمتد خط ثالث طريف، فزملاء صقر من العملاء المعتزلين: الشيخ نصر (دياب) وعامل السوبرماركت غريب (محمود عبد المغني) وزوجته الحامل نادية (نسرين أمين) يظهرون فجأة، ويقررون العودة للاجرام لمساعدة صقر وبلال في اللحظات الأخيرة.
ورغم أن هذا الخط لم يسبقه تمهيد أو إشارة في النصف الأول من الفيلم تعد المشاهد لتصديقه، إلا أنه شديد الظرف، وربما كان يجب اعطاءه مزيد من المساحة بدلاً من بعض مشاهد فرح وأمها وخطيبها.
في المشاهد القليلة التي يظهر فيها الثلاثي دياب وعبد المغني ونسرين يضيفون مرحاً وحضوراً محبباً.. كما أنه مفيد حتى درامياً لاقناع المشاهد بأن صقر وكناريا يستطيعان مواجهة العصابات الدولية بمساعدة أصدقاءهم المحترفين السابقين.. بالطبع هم ليسوا محترفين بالضبط، فنحن في فيلم كوميدي، شخصياته خرقاء تثير السخرية أكثر مما تثير الانبهار.
وليس هناك ما يدل على ذلك أكثر من مشهد مخاض وولادة نسرين أمين وسط المعارك، الوحيد الذي يمثل الأكشن بجدية هنا هو محمد إمام، ولذلك هو الأقل اقناعاً، لإن حركته الثقيلة البطيئة لا توحي بفكرة البطل المغوار الذي يقتل العشرات بمفرده.
العضلات والضحكات
مع ذلك يوجد التباس يستحق التفكيك هنا: هذا فيلم أكشن كوميدي، مثل معظم الأفلام المصرية التي تصنع هذه الأيام، ولكن الفارق أن "صقر وكناريا" فيلم أكشن يسخر من الأكشن، بداية بوجود شيكو كبطل مشارك، شيكو مع زميليه هشام ماجد وأحمد فهمي شكلوا ثلاثياً تخصص تقريباً في نوع "المحاكاة الساخرة" Parody، وإذا كان "صقر وكناريا" يبدأ بمشهد أكشن (واقعي، أو بمعى أدق يصدق أنه واقعي) فإن المشهد التالي مباشرة الذي يظهر فيه شيكو ينتمي كليةً إلى نوع البارودي الذي يسخر من نفسه. ويتأرجح الأكشن الموزع على مدار الفيلم بين النوعين، أحياناً يأخذ المسألة جد، من خلال تصميم معارك مستخرج من أفلام الأكشن، وأحياناً يجنح إلى "الفارص" الكوميدي والمواقف العبثية تماماً، مثل قيام صقر بالقضاء على العصابة التي تهاجم بيت بلال، دون أن ينتبه الأخير ولا طفلته إلى ما يحدث، وتصل "البارودي" إلى ذروتها مع ظهور رفاق صقر القدامى ومشاركتهم المضحكة في المعارك.
يشتغل "صقر وكناريا" كأفضل ما يكون في هذه المشاهد العبثية التي تسخر من الأكشن، والتي تردد أصداء المشهدين اللذين بدأ بهما الفيلم: محمد إمام في السجن، ثم ممدوح كناريا، بطل روايات بلال، في خيال مؤلفه وسط معركة مصممة على طريقة ألعاب الفيديو، يصحبها شريط صوتي على لسان كناريا، إنشائي وساخر مثل اللقطات التي نراها، من نوعية قوله للحبيبة الروسية: "أنا تزوجت الخطر، وأربي الخوف لأعدائي"!
كان يمكن لـ"صقر وكناريا" أن يعمل أفضل مما يبدو عليه، لو أنه تمسك بهذه النبرة الساخرة، غير أن ولع بطله بأداء بضعة مشاهد معارك يظهر فيها عضلاته ورشاقته تتأرجح اسلوبياً بين العنف والسخرية، إذا جاز لنا أن نستعير عنوان رواية الأديب ألبير قصيري، والتي تحولت إلى فيلم من إخراج أسماء البكري. يضاف إلى هذا، كما أشرت سابقاً، أن مشاهد عائلة بلال، خاصة خط علاقة صقر وفرح، قادمة من نوع فني وايقاع درامي مختلف، فوق ثقل ظلها الملفت.
طبقات من الارتباك
في المقابل تتسم مشاهد إمام وشيكو بالحيوية معظم الوقت، وإن كانت تعاني، مثل معظم الأفلام الكوميدية من "الإيفيهات السفلية" التي تدور حول النصف السفلي من الجسد، بالإضافة إلى "إيفيهات" المثلية التي باتت تثقل على أي فيلم يدور حول رجلين صديقين أو زميلين، هذه الإيفيهات ترتبط بشكلٍ عام بنوع الـBuddy Film، الذي يدور عادة حول زميلين متناقضي الشخصية يدخلان، مضطرين غالباً، مغامرات تجمع بين الأكشن والكوميديا.. وهو النوع الذي ينتمي له "صقر وكناريا" بوضوح.
يذكر "صقر وكناريا" إلى حد كبير بفيلم The Hard Way، إخراج جون بادهام، 1991، الذي لعب بطولته كل من مايكل ج. فوكس، جيمس وود حول ممثل أفلام أكشن يريد تطوير أدواته فيذهب بصحبة ضابط جاد ويكره الممثل في مغامرات خطرة تنتهي بتعاونهما وصداقتهما، والفيلم تم اقتباسه في عمل مصري هو "شجيع السيما"، من إخراج علي رجب، 2009، وبطولة أحمد آدم وياسر جلال، وأعتقد أن هذه هي النسخة التي استند إليها أيمن وتار مؤلف "صقر وكناريا"، وإن كان أجرى بعض التغييرات، القليل منها موفق، والكثير نتج عنه ارتباك السيناريو. وقد حاول حسين المنباوي مخرج "صقر وكناريا" صياغة عمل متماسك سينمائياً، لكن ارتباكات السيناريو أدت إلى ارتباك في الأسلوب، خاصة في التوفيق بين "الاجتماعي العائلي" و"الأكشن الخيالي"، ولكن يحسب له حفاظه على الحس الكوميدي معظم الوقت، بالرغم من الافتعال الذي تعاني منه بعض الإيفيهات والمواقف الكوميدية أحياناً.
* ناقد فني











